(1)

– حضرتك لا ترى في وجود رئيس قادم من مؤسسة عسكرية أن معناه كده أن العسكر، التعبير الشهير يعني، العسكر يحكم، وأن في حكم عسكري، أو أن الجيش يدير الأمور؟

– الجيش يا أستاذة ما حكمش قبل كده هيحكم دلوقتي؟

كان هذا رد المرشح على سؤال حول إمكانية عودة الحكم العسكري في ظل نظام حكمه، وهو ذاته الرئيس الذي ألقِي في ظل نظام حكمه القبض على طالب “بتهمة” حيازته رواية “بعنوان (1984) للكاتب جورج أورويل عن الأنظمة العسكرية الفاسدة التي تحكم البلاد بديكتاتورية”!

أضحى حمل رواية تهمة يتم بموجبها إلقاء القبض. تهمة في ظل نظام يسخِّر مؤسساته الإعلامية العامة والخاصة لتقنعنا بأنه نظام ديمقراطي وليس عسكريًا..تهمة تحمل في السياق نفسه دليل الإدانة، في نظام الإدانة فيه جاهزة حتى يظهر لها متهمٌ.

(2)

في أواخر القرن الخامس عشر شهدت إسبانيا والبرتغال واحدة من كبريات جرائم الإبادة في العالم، حيث أقام ملوك متعصبون “ديوان التفتيش” الذي كان يبحث عن كل المخالفين للمذهب “الكاثوليكي”، فيساقون إلى محاكم التفتيش وتقام مراسم (الاحتفال بحرق من ثبت عليه تهمة مناهضة نظام الدولة الكاثوليكي).

وكانت تتم مراسم حرق الضحية على واقع ترديد كلمات منسوبة إلى المسيح “من ليس معنا فهو علينا”.

التاريخ لا يعبر عن الماضي فقط.

(3)

يعرض لي صديق عائد لتوه من ماليزيا فيديوهات التقطها داخل أهم المؤسسات والمرافق الماليزية، تعجبت من إتاحة الفرصة له لتصوير كل هذا الكم من الفيديوهات من دون مضايقات، فرد مبتسمًا: “ما عندهمش حاجة يقلقوا منها”.

بعد أيام كان صديقي يتعجب من كم المضايقات الأمنية والشعبية التي يتعرض لها خلال تصويره، فعاجلته بالسبب مبتسمًا: “ما عندهمش حاجة ما يقلقوش منها”.

إن النظم التي تسمح لك بالتصوير فقط حال كنت مدججًا بتصريحات من كافة الجهات الأمنية وكارنيهات تعطيهم أدق التفاصيل عن حياتك، حتما سترتجف من أي صورة ترسم الواقع بدون زيف أو عمليات تجميل إعلامية.. نظم تصادر الصورة لأنها فاضحة وكاشفة، وتحجب الكلمة لأنها واعية وهادفة.
هذه النظم لابد أن تعتبر حمل رواية واقعية تهمة، خاصة وهي تحمل هذه العبارات:

“كانت الاعتقالات تقع دائمًا تحت جنح الليل.. وكانت أغلب هذه الحالات تمر دون محاكمات أو حتى محاضر اعتقال”.

“إدراك المرء لكونه في حالة حرب ومن ثم تهدده الأخطار، يجعل من تسليم كل السلطات لحفنة صغيرة من الناس أمرًا طبيعيًا وشرطًا محتومًا للبقاء على قيد الحياة”.

“..فالمرء لا يقيم حكمًا استبداديًا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي”.

“الجهل قوة”.

عزيزي الطالب، طبيعي أن يتهموك، فقد تجرأت وقرأت لتسقط ما قرأته على واقع يسيطر عليه نظامٌ يستمد قوته من جهل من يحكمهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تعليم, جامعة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد