هل تخيلت أنه في استطاعتك أن ترى ما تشعر به؟ أن تدرك أن ما بداخلك من مشاعر يمتلك القدرة على التصرف والتحكم؟

قليل من كل شيء يكفي

هناك علاقة محفوفة بالشكوك حول من هو المتحكم في ما نشعر به، هل نحن مجرد رد فعل لما يحدث من حولنا أم نمثل الفعل ذاته؟

 

الكثيرون يظنون أنفسهم قادرين على التحكم بما يشعرون، أما في Inside Out  فنجد أن الأمور مختلفة بعض الشيء، حيث هناك خمس مشاعر بإمكانها أن تتحرك وتتحكم في مزاجك العام وفقًا لما تراه مناسبًا لك! لكم هي فكرة مجنونة بعض الشيء، مع هذا فلا مانع من الإبحار في أعمال الداخل لفهم الخارج.

 

الفرح والحزن والخوف والاشمئزاز والغضب جميعها مشاعر تمثل أبطال فيلم Inside Out  الأمريكي الجنسية الذي أطل على دور العرض السينمائية منذ شهر يونيو/حزيران وشهد الفيلم اهتمامًا جماهيريًا كبيرًا، ينتمي الفيلم إلى جيل أفلام الرسوم المتحركة بتقنية 3D، الذي تستمر رحلته ساعة ونصف من الزمن، يوضح بها الاضطراب الذي يطرأ على الفرد إذا واجهت المشاعر قدرًا من الارتباك.

 

يمر الشريط السينمائي مليء بالأحداث المشوقة التي تجذب المشاهد منذ اللحظة الأولى وحتى ختام العمل، وتبدأ مع ميلاد رايلي، تلك الفتاة التي تبدأ خطى حياتها حتى سن الحادية عشرة وتعرف في وسط أسرتها الصغيرة المكونة من الأب والأم بأنها فتاة سعيدة وجميلة ومرحة وتحب الانطلاق ولم توصف يومًا بالعبوس، ولكن لا تسير الأمور دائمًا كما نتوقع لها، حيث أن التغيير سنة الحياة.

 

قليل من كل شيء يكفي

حيث أن الطريق إلى النضج لا يعد سهلًا حيث أنه مليء بالعثرات وهو ما تلاقيه المشاعر ورايلي على حد سواء، فتبدأ رايلي في التحول في حياتها بفعل مشاعرها، فيما تنضج تلك المشاعر وتفهم أن المشاركة والتعايش هي أصل الحياة، بعد خروج الأمور عن السيطرة حتى تتوازن رايلي وتضبط حياتها لتكمل في طريق الانطلاق والسعادة المتوازنة.

 

استطاع مخرجا ومؤلفا العمل “Pete Docter, Ronaldo Del Carmen” اختيار مرحلة عمرية تشهد تقلبات في المشاعر والتفكير لا سيما لدى الفتيات وبرعا في نقل تلك التقلبات بصورة كوميدية مغلفة بالطابع الإنساني، موضحين أن تلك المرحلة من الممكن اجتيازها بسهولة رغم صعوبتها إذا توفر لها المناخ الملائم.

 

من التجريد إلى التجسيد

دائمًا ما يتم اعتبار المشاعر من الأشياء المجردة التي لا وصف لها أو تجسيد، مع هذا فإن الحداثة في العمل تعتمد على قلب المسلمات.

 

فيتم تجسيد المشاعر الخمس بما يتلاءم مع طلاتهم وطاقتهم التي تبعث على كل شعور، حيث نجد المرح، وهي التي تعد مسؤولة عن “غرفة التحكم” لمشاعر رايلي والتي تفضل التحكم بالأمور لإبقاء الأخيرة سعيدة، تمتاز بالألوان المبهجة المشعة الزاهية.

 

فيما تظهر الحزن الراغبة في إثبات وجودها بعض الشيء وفتح آفاق مشاعر جديدة للصغيرة باعثة على الاستسلام بعض الشيء بلونها الأزرق المعتم بعض الشيء.

 

فيما تجسد الاشمئزاز المتأففة مما حولها من متغيرات بلونها الأخضر مشاعر الاشمئزاز في صورة معبرة عن الترفع والرفض، بينما يظهر الخوف متحفظًا في طريقته وملابسه محاولًا التخفي عن الأنظار ويكتفي بدوره الصغير، فيما ينطلق الغضب كاللهب بملابس جسد أحمر يحمل الحمم في رأسه.

 

نجح مخرجا ومؤلفا العمل “Pete Docter, Ronaldo Del Carmen” في نقل تلك المشاعر والتعبير عنها بطريقة سلسة وبسيطة يشعر بها الكبير والصغير، فلا يعتبر الفيلم من نمط أفلام الصغار، رغم أنه يدور في فلك طفلة صغيرة لم تتجاوز الثانية عشرة إلا أن الفيلم ينقل مشاهده – أيًا كان عمره – إلى عالم من التعايش والتخيل، دون التفكير مليًا في كونها شخصيات افتراضية غير حقيقية.

 

حيث تشعر أنها كإنسان اقتحمت عالم المشاعر دون أن تطرق الباب لتتلصص على حياتهم ومجرى يومهم المرتبط ارتباطًا شرطيًا بحياة الطفل التي تمثل نموذجًا مصغرًا لنا جميعًا كبشر.

 

معانٍ

يوضح الفيلم عددًا من المعاني الخفية، حيث الإيثار على النفس وهي من أقيم القيم الإنسانية، فضلًا عن أن لكل منا دوره في الحياة حتى وإن اعتبره من حوله تكميلي أو لا جدوى منه، فالإنسان لا يحيى دائمًا سعيدًا أو حزينًا بل هي مراحل ولحظات تجمع بين كافة المشاعر، وهي الرسالة التي يوضحها الفيلم في النهاية، فجميعنا نمر بمراحل الحزن والفرح والخوف والغضب والاشمئزاز ومن الممكن أن تكون تلك المشاعر كافة مجمعة بلحظة واحدة.

 

كما يعتمد الفيلم على إبراز معنى “قليل من كل شيء يكفي” حيث أن اعتماد الفرد على عاطفة واحدة وتغذيتها دون العواطف الأخرى، لا يفيد الإنسان، بل لا بد من تضافر كافة المشاعر وضرورة التعبير عنها وقت الحاجة لذلك، فمن الممكن أن تحل المشكلات عن طريق الإفصاح عن المشاعر.

 

سرد

سرد الفيلم يقوم على قصتين أو بالأحرى عالمين الأول الداخلي وهو حياة المشاعر التي من الواضح أنها تعتمد على استمرار حياة رايلي الطفلة، فيما يوضح العالم الخارجي ممثلًا في واقع رايلي، ومع التأمل نجد أن العالمين مرتبطين ببعضهما في علاقة تكميلية، فإن شهد أي منهما خللًا تأثر الآخر بصورة قطعية يمكن معها أن تنهار حياته.

 

كما يعتمد زمن الفيلم على التكثيف وتتابع المشاهد والأحداث وهو ما يزيد الفيلم تشويقًا، لا سيما مع تصاعد الذروة، كما يلعب المونتاج دورًا هامًا في بناء القصة والإيقاع الذي تسلكه، فمدة الفيلم الساعة والنصف التي اقتطعها من الزمن تناسبت مع توضيح الفكرة ونقل المشاعر المطلوبة للمشاهد.

 

فيما تمثل الموسيقى ضلعًا هامًا في تصعيد أحداث العمل وتوصيل المشاعر للمشاهد، فموسيقى “Michael Giacchino” المتناغمة تنقل عالم رايلي التصاعدي خلال عمرها الذي يمتاز بالتقلبات، من خلال نغمات بسيطة لا تعتمد على التعقيد تمس وجدان المشاهد وتغرسه أكثر فأكثر بمشاعر رايلي المتضاربة.

 

عوالم

اتخذ الفيلم من منافذ عالم رايلي والمشاعر فلكًا له وأوضح تلك العوالم بصورة تخيلية مميزة، حيث أوضح عالم العقل المتشابك في رحلة عودة المشاعر لغرفة التحكم بأنه منافذ للأحلام واللا وعي والذاكرة طويلة المدى، والتي صورها بما يتناسب مع عقل فتاة في الحادية عشرة من عمرها، فضلًا عن عالم رايلي الخارجي البسيط ما بين البيت الكبير في ولاية مينيسوتا إلى سان فرانسيسكو، وملامح المدينة الغامضة التي لم تتواكب معها رايلي في البداية.

 

تستمر بيكسار في إبهار الجمهور من خلال فيلم رسوم متحركة يجسد الواقع بصورة تشريحية داخلية عميقة مع هذا تمتاز بالبساطة وهو أهم ما يميز فيلمInside Out ، وأهله للحصول على جائزة أفضل فيلم في مهرجان سياتل السينمائي الدولي في الولايات المتحدة، كما عرض لأول مرة في مهرجان كان لدورته 68 دون المشاركة في المسابقة الرسمية ومن المتوقع أن يحصد الفيلم عدة جوائز تتوازى مع الإقبال الجماهيري عليه في شباك التذاكر في دور الأفلام على مستوى العالم.

قليل من كل شيء يكفي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد