على عكس ما يعتقده الكثير أو يتمناه في مخيلته عن غباء السيسي، السيسي شخصية ذكية وماكرة جدا، السيسي وصل في عهد مبارك إلى رئاسة المخابرات الحربية، وهو موقع لا يصله أحد إلا إذا كان على وعي وإدراك ويمتلك من الاستراتيجيات العسكرية والمخابراتية الكثير. ثم استطاع أن يخدع محمد مرسي حتى عينه وزيرًا للدفاع، ثم انقلب عليه بعدما هيج عليه معظم الشعب، ثم قام بخطوة أكبر وخدع جزءًا كبيرًا من الشعب حتى يروا فيه المنقذ والمخلص من ظلم الإخوان.
ولم يتأخر في استخدام هذا الزخم الشعبي حتى وصل إلى رئاسة البلاد بطريقة الانتخابات والتي لن نتحدث عن تفاصيلها، لكن نتكلم عن شكلها وهو ما يهم السيسي للترويج لنفسه. لماذا لم يتساءل الناس عما يفعله السيسي في سيناء وهو عكس ما كان يقوله وهو رئيس المخابرات في لقائه المسرب حين قال إنه من الممكن أن يفجر المنازل في سيناء وفي أثناء ذلك سيقتل بعض المظلومين وذلك سيشكل عداوة بين الأهالي والقوات المسلحة، فلماذا فعل ما كان يحذر منه؟
في كلمة السيسي التي طلب فيها من الشعب تفويضًا لمحاربة الإرهاب المحتمل بعد الإطاحة بمرسي، هل كان بالفعل يحتاج لتفويض شعبي أو قانوني وهو وزير للدفاع؟ الرجل منذ البداية لم يكن يتحدث للشعب المصري، بل كان يتحدث للخارج ويقدم نفسه أنه محارب للإرهاب الذي يخشاه الغرب، وبما أنه لا يوجد إرهاب، فإن المطلوب تصنيع هذا الإرهاب، ولذلك حدثت النهضة ورابعة والحرس الجمهوري. إلا أن الإخوان بقصد أو دون قصد أفشلوا للسيسي هذا الهدف، حين لم ينجروا إلى هذا الطريق.
كان لا بد من الاتجاه الآخر، اتجاه سيناء واللعب على أمن إسرائيل، فبدأ الضغط وقصف جماعة بيت المقدس، والتي اعترف هو في خطابه أنهم كانوا يعلمون عنها كل شيء، ثم حدث التصعيد بحجة قتل جنود مصريين لم يعلم إلى الآن من قتلهم.
استخدم السيسي في تسويق نفسه ورقتين: الأولى الإرهاب، ولكنه لعب بالطريقه القديمة حيث كانت الحكومات هي من تحارب الإرهاب، وهذه الطريقة نبذتها أمريكا حيث إن فاعليتها ضعيفة، واستبدلتها بطريقه الحرب بالجماعات أو التنظيمات والتي تصنفها أمريكا بأنها إسلام وسطي، وقد نجحت نجاحًا مبهرًا في العراق بعدما منيت أمريكا بهزائم مريرة، فتم استقطاب من يسمون بالإسلاميين المعتدلين من أهل السنة وشكلوا ما سمي وقتها الصحوات، وتم دعمهم بالمال والسلاح، وكانت نتيجة سريعة وقوية وأنقذت أمريكا من فضيحة مدوية في العراق، والآن يتم نفس الأسلوب في سوريا، بدعم جزء من الفصائل لمواجهة الإسلام الجهادي.
هذا ما تتبعه أمريكا والغرب في مواجهة الإسلام الجهادي، في حين يصر السيسي على الطريقة القديمة وكانت هذه هي نقطة الخلاف بين السيسي وأمريكا والغرب، فأمريكا لا تريد صدامًا داخل مصر مع يسمى الإسلام السياسي، بل تريد استقرارًا داخل مصر خصوصًا في الفترة القادمة ونقل مركز الصراع من الشام إلى ليبيا.
الورقة الثانية التي استخدمها السيسي هي إسرائيل والتطبيع معها وإدخال بلاد أخرى في اتفاقية السلام، وهو ما نجح فيه بقوة، وقامت إسرائيل بالترويج للسيسي وربما الدفاع عنه أمام الإدرارة الأمريكية، وكان آخر ما تم إنجازه في هذه النقطة التطبيع بين السعودية وإسرائيل حيث فتح هذا الباب رسميًّا وعلنيًّا عن طريق الجزيرتين تيران وصنافير، والتي التزمت المملكة بكل البنود الواردة في اتفاقية مصر مع إسرائيل، وبالتالي أصبحت هي جزء من الاتفاقية بطريقة لا تثير الرأي العام السعودي حيث أنها ورثت الاتفاقية ولم تبرمها هي.

 

كل ما تقدم هو مقدمة طويلة وربما مملة لكن لا بد منها كي نعرف ما ومن نواجه، حين يخرج الشعب للشوارع ويطالب بإسقاط النظام هل تخيل أن يسقط النظام بطريقه تلقائية؟ وهل ستسمح الدول الكبرى بهذا السقوط؟
حين خرجت الجماهير في ٢٥ يناير على مبارك، لم تمانع أمريكا والغرب في التغيير حيث كان هناك الضامن الرئيسي منذ زمن وهو الجيش الضامن لعدم حدوث فوضى في البلاد، أما الآن فمن الضامن إذا كانت الجماهير خرجت ضد الجيش؟ أم نحن ما زلنا نصدق أن أمريكا والغرب تريد فوضى في مصر؟ من يخاطر في دولة عددها ٩٠ مليون وأقرب بلد لإسرائيل بانفلات أمني؟ بالطبع الموضوع ليس مصر بل أمن إسرائيل في المقام الأول.
لا بد أن يدرك الشعب أنه يقف وحده وهو ليس قوة قليلة، لكن أولا لا بد أن يدرك من معه ومن ضده،  الجيش بكل قيادته العليا متورط في الانقلاب والدم، والمراهنة عليه هو من باب السذاجه المفرطة، لا بد أن يدرك الشعب أنه وحده في مواجه نظام عسكري مسلح غاشم، وهو على أتم الاستعدات للمجازر، وقد قدم أوراق اعتماده فيها أكثر من مرة.

 

أنا لا أقول هذا الكلام من أجل إحباط الناس أو زرع اليأس في قلوبهم، بل أقوله لكي ينتبه الشعب من هذه المخدرات التي يحقن بها في الإعلام سواء بوعي أو دون وعي، ومن كل الأطراف، ولتستبين سبيل المجرمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد