للحب أحكام لا يعرفها سوى من مر بها، وله حِكم لا يلتفت لها إلا البصير، كثيرًا ما نسمع عن حب طواه الزمن، تحول عبر صروف الدهر إلى شيء ما يستكبر المحبون أن يصفوه بانتفاء الحب، تصبح غلطتهم الأولى أنهم يجردون الحب من الظروف، يجردونه من الخطوب، يعاملونه كثابت ليس لمتغيرات سلطان عليه، وهو عن كل هذا بعيد، وهم مظلومون إن خالوا أنفسهم قادرين على تطويع علاقتهم الثنائية الصغيرة وفق هذا المفهوم الجامد، الذي يستقي جموده من عدم قابلية الحدوث.

لا يوجد محبّان حقيقيان لم يتبادلا يومًا من الأيام عبارات العتاب القاسية، العلاقة القائمة على الذوبان والنسيان، وعدم الالتفات إلى الصغائر علاقات مثالية ليس لنا -بني البشر- خصّ بها، أنا هنا أتحدث عن حب المحبين، الرجل والمرأة، الشاب والفتاة، لا حب الصوفية لله، لا عن المفهوم المجرد للحب الذي يحتوي على ألف سياق دون الحب الذي يتمحور حول الزواج، إما انتهاءً، وإما هربًا، وإما استعدادًا، فهذا حب يضبطه حد أدنى من مصلحة، شئنا أم أبينا، أما حب الصوفية، لا ينتظرون مقابلًا، ولا تغيرهم الصروف والخطوب، فهو غير موضوع حديثي هذا.

ولست هنا بمعرض الحديث عن الحب الأفلاطوني الكامل، ذاك المجرد من كل نازع، فلا مكان له في علاقات الحب التي أتحدث عنه.

أما العلاقات موضع الحديث، فهي التي تشوبها الشوائب، وتأكل ضلوعَها حرائق الدهر، يتآكل منها ما لم يكن جذرًا ثابتًا، ويبقى الصالح المتجدد، الذي سعى المحبون به لمواجهة كدر الحياة.

الخشية على القلوب المحبة لا تأتي من فقدان الحبّ، وإنما تأتي من طغيانه، وفتكه بكل ما هو دونه، فتكه بالعقل والمنطق، بالحس والشعور، بالطبع البشري الناقص، بنداءات الحذر التي لا يحفل بها الحب ظنًّا من المحبين أنها ضعيفة التأثير غير ذات بال.
فيفاجأ المحبون أن حبهم يحده العقل، ويستغرقه المنطق، ويلزم أن يتسق مع الحب والشعور، ويلزم أن تحده حدود الطبع البشري الناقص، وينبغي أن يستجيب لنداءات الحذر التي لا بد أن يحفل بها الحب، وألا يظن المحبون ضعف تأثيرها أو غير ذات بالها.
فإذا أدرك المحبون ذاك، وبلغوا من الحكمة ما يؤهلهم لذاك، نعموا. وإن أعمى الحب فيهم البصيرة، وأسلمهم للخيال الذي لا يجد بنو الإنسان له سبيلًا، شقوا وزال كل شيء، وأول ما سيزول، حبّهم.
حبهم الذي ربما يستحيل بغضًا شائبًا، يعمي كل شيء، وينسيهم ما مروا به من أيام خوالٍ، ويبعدهم عن كل ما هو حلو من الذكريات، ولا يبقي إلا ما فسد منها.

وأراضي الحب.. زروع وورود وأشجار ذات طلع بهيج

هي كذلك، طالما كان تجدد الحب نهر المياه العذبة التي تسقي كل تلك الزروع والورود والأشجار، ولكن إن تركت الورود دون مياه، وإن لم تكن قلوب المحبين موارد تلك المياه، فأيقن أن مياهًا أخرى سوف تسقي تلك الأراضي، وربما شابتها وأحالتها طميًا وطينًا، كدّر صفو المحبين، وعكّر مجرى الحب، فذبلت الورود، وغرقت الذكرى في سيول ليس للحب منها نصيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد