الفرق الشاسع والهائل بين عصرنا والعصور السابقة

لو فرضنا جدلًا، أني استطعت أن أسافر عبر آلة الزمن إلى ألف سنة خلت، ثم قابلت الناس في ذلك العصر وقلت لهم: ما شكل الحياة المتطورة والمرفهة من منظوركم؟ أو كيف تنظرون إلى الحياة الأبدية في العالم الآخر؟! فسوف ينبري لي أحدهم ثم يقول: قصر مشيد يوجد أمامه بستانٌ ضخمٌ، يحوي ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، تجري من تحته الأنهار، ويقوم على رعايته العديد من الخدم والعبيد، بالإضافة إلى وجبة لذيذة من التَّمر واللبن، ولحم الإبل والأغنام، فضلًا عن الملبوسات الفاخرة، والعطور الفواحة، والنساء الجميلات اللواتي أستطيع أن أمتلك منهن ما شئت، فإذا قلت له: أهذا كل شيء؟ قال لي: نعم وهل يوجد شيء أكثر من ذلك، عندها سأقول له: يا سيدي إنَّ حياتك هذه ليست بالحياة الفاخرة أبدًا، وإنما فاخرة في عصرك فقط، أما في عصرنا فهناك الكهرباء، والمغناطيسية، وأمواج الراديو، والذرة والإلكترون، والكمبيوتر، والإنترنت والهاتف الجوال، ورِياضَات كُرة القدم، والسَّلة، واليد، والريشة، والتنس، وبناء الأجسام، والمصارعة، والسباحة، والقوارب الشراعية، والتزلج على الجليد، وتسلق الجبال، ولدينا الأبراج السكنية والتجارية، والقصور الفاخرة، والجزر السياحية، والبنوك، والطائرات، والسَّيارات، والدَّراجات النارية، والتلفزيون، والمسلسلات والأفلام والسينما، وهناك الفنانون، والأغاني، والآلات الموسيقية بكافة أنواعها، وعندنا الأسواق التجارية وما تحتويه من منتجات، فضلًا عن الملابس وأنواعِها الفاخرة للرِّجال والنساء، ومستحضرات التجميل، والعطور التي تذهل العقول والقلوب من جمال رائحتها، وألعاب الكمبيوتر الترفيهية، والمطاعم والمقاهي، والمأكولات الشهية من اللحوم المشوية والمطبوخة، والدجاج المشوي والمطبوخ، والأرز الكبسة والمندي، والبيتزا، والأسماك بأنواعها المختلفة، والمأكولات السريعة من «الهمبرغر»، و«الشيش طاووق»، و«الشاورما»، والفلافل، وآلاف مؤلفة من أصناف الطعام والعصائر وأنواعِها، والمشروبات الساخنة كالشَّاي، والقهوة، والنسكافيه، والكابتشينو، والنرجيلة والسجائر الكوبية، والقائمة لا تنتهي، عندها سوف يفتح هذا الرجل فمه، وسوف يقول لي: ما هذا التخريف يا رجل؟! وبالتأكيد سوف يتهمني بالجنون، وسوف أكون محظوظًا إن سلمت من بطشه، وكذلك الأمر لو قُدِّر لي أن أسافر عبر الزمن إلى ألف سنة من المستقبل، عندها سوف أرى أشياء لا يمكنني، ولا بأي شكل من الأشكال إنْ عدت إليكم، أن أشرحها؛ لأنني لن أفهمها بالأساس، هذا إن عدت إليكم صحيح العقل.

كل التطور الذي نشهده الآن سببه الرئيسي هو العلم، وهذا الأمر يقودني إلى السؤال الكبير: هل للعقل البشري حدود؟! ما سر الإلهام والإبداع؟!

والآن فلنحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة من خلال هذه المقاربة

يمكنني تشبيه الدماغ والعقل البشري بنظام التشغيل في الكمبيوتر، الذي يحوي الكثير من البرامج، كل واحد منها مخصص لأداء مهمة معينة، هناك برامج لمعالجة الصور التي تتلقاها العين البشرية من العالم الخارجي وإدراكها، وأخرى لإدارة الأصوات، وللشم، والتذوق، واللمس، بالإضافة إلى البرامج التي تسيطر على العتاد الصلب؛ أي إدارة وظائف الجسد الإنساني وتسييرها لا إراديًّا، من أصغر خلية إلى أكبر عضو، ومن عجائب العقل البشري أنه لا يتوقف عن العمل، يفكر في حل أعقد المشكلات المستعصية، حتى وأنت مستغرق في النوم العميق، لذلك يمكنني تعريف الإلهام الذي يسقط على رأس الإنسان فجأة بأنه النتيجة النهائية لعمل العقل البشري من وراء الكواليس، فعندما ينتهي العقل من العمل يقول لك تفضل هذه نتيجة تفكيرك الطويلة، أخرجها الآن إلى العلن، وفي كثير من الأحيان يأتي الإلهام في لحظات اللاوعي، ولكن يجب أن نعلم أن إلهام الشيء لا يسقط إلا على رأس شغلت نفسها بهذا الشيء، ولديها إلمام واسع بالموضوع الذي يفكر فيه الإنسان، فإلهام النظرية النسبية لن يسقط إلا على رأس فيزيائي، ولن يكون ذلك للطبيب البشري مثلًا، وأعتقد، وهذا رأيي الشخصي، أن هناك برامج خفية في العقل، هذه البرامج لا تفعل إلا لمن شغل رأسه بشيء معين، عندها يبدأ هذا البرنامج الخاص بهذا الشيء بالعمل، وهذا ما يفسر التفاوت الكبير بين الناس؛ فهناك أناس لديهم في رأسهم كمبيوتر ضخم جدًا يحوي الآلاف المؤلفة من البرامج، ولكنه يستخدمه مثلًا فقط لسماع الأغاني، ولعب الورق، بينما هناك من يستخدمه لحل أعقد المسائل الرياضية والفيزيائية والبرمجية؛ ولهذا السبب فالعلم في تطور دائم ولا حدود له، ففي كل مرة يتطور بها العلم هذا معناه أن هناك استغلالًا لعدد أكبر من الموارد العقلية، وهذا العقل لا حدود له، وهو متعاون لأبعد حد، كل ما عليك فقط أن تشغل نفسك بموضوع معين، فتركيز الانتباه في موضوع واحد، كائنًا ما كان، مدة كافية، من شأنه أن يحرر النفس من كل إحساس، وأن يجعل العقل يصب كافة موارده على هذا الشيء؛ فيأتيك إلهامه وإبداعه، أي شيء تشغل نفسك فيه سواء كان سخيفًا أم عظيمًا، ربما يقودك يومًا ما، حتى وإن طال قدوم هذا اليوم، إلى أن تأتي بما لم يأت به الأولون.

كيف ستكون يا ترى الحياة الأبدية التي تَعِدُ الأديان السماوية الإنسان بها؟

إن موضوع الإلهام والإبداع سيقودنا إلى التفكر فما وراء هذا الكون، وفي حدود هذا العقل، وكما قلت سابقًا، إنَّ منظور العصور السابقة للحياة الأبدية لن يتعدى معطيات العصر، سيظنون أنها مجموعة من البساتين الخضراء، مصحوبة بالطعام اللذيذ والنساء، أما نظرة أهل عصرنا فأوسع من ذلك بكثير؛ فهي تشمل القائمة الواسعة والعريضة التي عددتها، ورؤية العصور اللاحقة سوف تكون أعمق وأعمق، حتى نصل إلى مرحلة يكون التوصيف الأدق لهذه الحياة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والسبب هو أنَّ العقل البشري مهما حقق من تطور وإبداع، فلن يتجاوز هذا التطور حدود الكون، ولن يكون خارجًا عن المعطيات التي تقدمها الحواس الخمس، فما يدرينا كيفية ذلك الوجود وما قوانينه؟ وكيف ستكون التركيبة البشرية في ذلك العالم؟ بالتأكيد سيكون هناك تشكيل جديد للإنسان.

وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: «نحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِين * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُون * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُون»، ربما يكون عقله مناسبًا لعقلية الخلود والإبداع الذي لا ينتهي، ومن الممكن أن يكون هناك المئات من الحواس الإضافية، شيء آخر غير السمع، والبصر، والشم، والتذوق، بالإضافة إلى المليارات من المتع الحسية والروحية، فاللسان عبارة عن قطعة عضلية تتذوق وتبلع وتُستخدم في النطق أيضًا، هذه القطعة اللحمية الصغيرة تستطيع أن تتلذذ بعشرات الآلاف من أصناف الطعام والشراب، وكل طعمة لا تشبه الأخرى، من لحوم، وخضار، وفواكه، ومكسرات، وشاي، وقهوة، ونسكافيه، وكابتشينو… إلخ، وفي الوقت نفسه يُستخدم للكلام، باختصار شديد من جعل لهذه القطعة الصغيرة قدرةً عجيبةً على التلذذ بآلاف مؤلفة من أصناف الطعام، لقادر ببساطة أن يجعل لجلدك، وشعرك، وأذنك، وأنفك، وعيونك، وأظافرك، وخلاياك، وأعصابك، وعضلاتك… إلخ شهوات ونكهات مختلفة لا حصر لها، كل قطعة من هذه يُغرَز بها شهوة موافقة لتركيبتها مع آلاف النكهات؛ فيصبح للقطعة الموسيقية طعمة لذيذة، كما تتلذذ بقطعة الفاكهة، وهي طبعًا نكهة لا تشبه طعمة اللسان، وإنما هي لذة من نوع آخر، تتوافق مع اللذة الجديدة التي غُرست بالأذن، أليست اللذة الجنسية ناتجة عن قطعة جلدية صغيرة في هذا الجسد، ولها طعمة مختلفة كل الاختلاف عن طعمة اللسان؛ ونتيجة لذلك سيغرق جسدك في مليارات من المتع التي ليس لها حصر ولا نهاية، ومن يتأمل في روعة الصنع الإلهي وبديع إتقانه يمكن أن يدرك كم سيكون ذلك العالم خارقًا للعادة، وعصيًّا على الوصف، كل هذا تكهنات، ولا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين، دمتم بود يا سادة، وجعلنا الله وإياكم من أهل النعيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد