نحن نعيش في وضع فكري يعاني من انفصام بين المنهج والمحتوى؛ لأن الغالب علينا التقليد المعلن أو المضمر؛ وبهذه العقلية يكون من الصعب تنمية التفكير العلمي؛ لأن التعاطي سيكون مع العلم كمعلومة تُنقَل مع شيء من الإضافة الهامشية، وليس مع تصور داخل تفكير نسقي لا يضع المفاهيم كل واحد في درج؛ مما سيولد فينا الكسل العقلي، ويُحبِّب إلينا السهولة البلاغية التي توهم وجود فكر، وليست إلا عبارات منمقة ليس تحتها المعاني المحصلة.

والمقصود، أن الإنسان بحاجة مستمرة لتغذية عقله حتى يمكنه تزويد تفكيره بمواد صناعة المعرفة، فهناك حاجة ملحة إلى إيجاد الإلهام من السياقات الفكرية عند الغير، وإلى البحث عن بذور أفكار تخدم الرؤية الشخصية دون أن تكون كتابته مجرد جرد مرجعيات أو كتالوج آراء.

لذا يمكن أن تجد في كتاب أو مقال معلومة مفيدة فلا تنقلها نَصًّا، ولكن استرجع لحسابك ما يبدو لك منها صحيحًا؛ فإن كانت استشهادًا أحلت على المصدر مع ضرورة التمييز بين التعامل مع التصورات، والتعامل مع المعلومات.

في التصور التام يلزمنا معاودة مراحل العملية من أولها (قد يكون ذلك تلقائيًّا عند أصحاب العقل النقدي)، وخصوصًا مراجعة التصنيف، ومن ثم يمكن تكييفه مع اتجاهنا الفكري. وهذا لا يحتاج إلى إحالة؛ لأن الأخذ كان لمادة خام تقولبها بصناعتك الخاصة، حيث تفقد الفكرة سياقها وروابطها عند المؤلف؛ وبدون مثل هذا الاستلهام يستحيل التفكير.

عندما تكون باحثًا أو كاتبًا يصادف أن تجد فكرة عند غيرك تعجبك، ربما تكون جزءًا من موضوع ما، وترغب في تحويرها لصالح فكرة عندك، تبني عليها نظامك الخاص، رؤية مكتملة خاصة بك، فلا إشكال في ذلك؛ لأنه لا يمكن اختراع مائة في المائة فكرة جديدة غير مسبوقة، والمعرفة لا تنشأ من صفر، لكن من المهم أن تعرف الفرق بين الاستلهام وبين الانتحال والادعاء.

لهذا يُعرِّف بعضهم الاستلهام بأنه: «استرجاع فكرة أو تصور خاص بفكر شخص آخر لها مواضيع مشتركة». ويمثِّلون باستلهام أفكار من فيلسوف لكتابة قصة خيالية.
بينما الانتحال هو: «نسخ العمل أو جزء منه لشخص آخر ونسبته لنفسك».

الأول، الاستلهام، هو استرجاع فكرة أو تصور لتصنع منه شيئًا مختلفًا، بصلصتك أنت إذا جاز التعبير، إنه استثمار لفكرة في سياق مغاير، أو ضمن نظام معرفي خاص بك.

بينما الثاني هو نسخ خالص لإنجاز شخص آخر، مثل الذي ينشر بحثًا أو مقالًا لشخص آخر تحت اسمه هو دون الإشارة إلى صاحبه.

يرى بعض الناس أن الاستلهام «قد يكون بسيطًا بحيث ترى فكرة عند غيرك وترغب في استعمالها في مشروعك (كمقالة أو كتاب)، لكن الاستلهام الحقيقي يكون عندما يلهمك السياق لحديث أو لقراءة فكرة خاصة بك، وهو استلهام تلقائي قد لا تتحكم فيه».

الاستلهام هنا يسمح لك بتصور مضمون جديد لشبح فكرة قديمة عندك، مادة لسقي بذور فكرة أولية، فكرة تشكل نظم العقد لأفكار موجودة عندك، والتي لم تصل إلى ما يربطها حتى قرأت ذلك الكلام، قطعة كانت تنقص البناء، طريقة جديدة وجدتها لصياغة أفكارك.. إلخ. المحتوى الأصلي يأتي منك ونسبة الاستلهام الخارجي فيه قليلة، ليست الغالبة، بحيث نجد روحك في المقال، وليس روح الآخر، عكس الانتحال.

لا تلمس الملكية العقلية للشخص الذي اقتبست من عنده فكرة إذا تكيِّفها لرؤيتك، ولهويتك، ولموضوعك حتى لا تكاد تشعر بها. يضع بعضهم شروطًا مثل: «في حالة الاستلهام لا نقوم بنسخ-  لصق للمحتوى، لا نعود باستمرار إلى المصدر الذي استلهمنا منه الفكرة ذهابًا وإيابًا، نكتب بكلماتنا الخاصة، عندما نستعمل عنصرًا لشخص آخر نذكر المصدر ونميز كلامنا من كلام غيرنا بصريًّا بمثل: غلظ الخط أو ظفرين، أو ما شابه».

في الحقيقة المعتبر هو التمييز بين الفكرة التي تحولت إلى شيء آخر، وبين الفكرة التي بقيت على أصلها عند صاحبها لأنه عندما يكون الإنسان كثير القراءة، وكثير التفعيل التأملي لما يقرأ، تتشكل في نفسه أفكار كثيرة، وتتداخل وتترابط فيما بينها، وتأخذ لون رؤيته الكلية.
عندما نقرأ للغير يوجد دائمًا زاوية من خلالها يسجل وعينا موقفه بناء على منظومتنا المعرفية، وينطلق العقل بعد ذلك في الاحتفاظ بما ربطه أو كيَّفه، وهذا هو المطلوب: تغذية الآلة لتنتج بضاعتها الخاصة.

فمثلًا: نجد التشابه بين الكوجبتو الديكارتي واليقين الداخلي للوعي بالذات عند أوغستين، ومع ذلك فإن الفارق بينهما بيِّن ومثل هذا لا يخلو منه فيلسوف أو عالم، إذا أمعنت النظر وجدت النظريات مكتملة عند هذا، بذرة قبل قرون عند ذاك؛ لأن المعرفة تراكم وتفاعل وتنبيه واستلهام.

إذا عرفت هذه الفروق أمكنك تنمية فكرك دون الاعتداء على جهد الغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد