كل يوم، وبلا استثناء، وبلا مبالغة كذلك، تتزاحم الأفكار في رأسي، كأنها تحارب حتى تظهر للنور، مئات الأفكار، تتجدد يوميًا بشكل شبه كامل، أو ربما تكتمل وتنصج، أو ربما تتصارع مع سابقاتها، ربما تمثل إبداعًا وجمالًا يبهر القلب والعقل، وربما تمثل ثورة على الواقع المرير، وربما تحمل في طياتها أسواطًا تجلد به ظهور المخادعين، وربما تبعث الأمل في قلوب اليائسين، ربما وربما وربما.

وكل يوم، وبلا استثناء، وبلا مبالغة كذلك، تكون نتيجة هذا الزحام وذاك التصارع يأسًا وإحباطًا وحزنًا، لأن تلك المئات من الأفكار تواجه وأدًا لها في رحم العقل قبل أن تنعم بنسمة واحدة من عبير الحياة. ولكل فكرة منهم قاتل محترف.

تتزاحم أفكار ورؤى حول حلول مشكلاتنا السياسية، فيتقلد قاتلها اللعين سلاحه، ذلك القاتل الذي يحيا حياته اللعينة في ظلمات القهر السياسي للأبدان، والحصار الأمني للعقول، والاغتيال النفسي للقلوب، ويطلق سهام التخويف والترهيب، ويملأ الوجدان بصور التعذيب المراقب لكل من تسول له نفسه أن يمنح تلك الأفكار حق التنفس.

تتصارع الأفكار حول حلول ناجحة ناجعة لمشكلاتنا الاجتماعية، فيهب قاتلها المقيت معلنًا الحرب عليها قبل أن ترى النور، ما بين موروثات مجتمعية حلت مكان العقائد في رسوخها واستشعار وارثيها وجوب الدفاع عنها دفاعهم عن دينهم ودنياهم، ويا ليتهم فعلوا حقًا مع ما يستحق منهم ذلك.

تهطل الأفكار كالمطر حول كيفية تطوير حياتنا العملية إلى الأفضل، حول تحسين منتجاتنا التربوية والتعليمية عوضًا عن تلك المنتجات ذات الخواء والفراغ من كل مفيد، فتجد كل فكرة قاتلًا مأجورًا محترفًا مستميتًا في تنفيذ جريمته، يستأجرهم كل متخلف الفكر، وكل متسلق في المناصب على أكتاف من حوله، وكل مستفيد من الفساد والإفساد، وكل ضعيف العزم مسلوب الإرادة غير قادر على التغيير وربما غير راغب فيه.

تهدر الأفكار كالسيل الجارف حول كشف النفوس وتحليل المواقف ورفع الستار عن العواطف، حول تبرير تصرفات الناس من حولي بجرأة ووضوح، حول مواجهة كل واحد بحقيقة أفكاره وتوجهاته واتجاهاته وميوله ورغباته، حول تفسير أسباب المشاكل بين هذا وذاك وتأكيد أن تلك الأسباب المعلنة ما هي إلا غطاء وستار يستتر بها الطرفان، يخشيان البوح بالحقيقة فيتعرى كل منهما أمام الناس، أما تلك الأفكار فقاتلها الأساس والأول هو أنا شخصيًا، أمتطي جواد الخوف هاربًا من المواجهة، أتقلد سيف الحياء من الناس والخجل من مشاعرهم، أرمي بسهم خشية الفضائح للنفوس، وأطعن برمح رغبة الستر والحماية، وفي يدي خنجر الرعب من مآل التفكك والتصارع بين الأخ وأخيه، أو حتى المحب وحبيبه. وكلها أسلحة تؤتي أكلها بكل نجاح.

وبين كل تلك الأفكار تجري أخواتها في شراييني كل لحظة، وتنبض مع القلب كل نبضة، وتكاد تشغل العقل عن الانشغال بغيرها، ولا قاتل مغتال ممن سبقوا يترصد لهم، فليسوا تحت تصنيف يثير حنق المغتالين من أمثالهم، ولا يشكلون خطرًا محدقًا مباشرًا بظالم أو منافق أو متخلف، ومع كل ذلك، فإنهم عرضة لسهام الاغتيال أيضًا، لكن على مقصلة الانشغال بضرورات الدنيا وتحصيل الرزق فيها. كلما استعدت النفس لبدء هذا المشروع الفكري أو ذاك، عصفت بها أمواج بحر هائج قاسٍ من مشاغل العمل والهم والغم بمطبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

الشاهد أن وحي القلم يناهضه دائمًا وبضراوة، سلاح هنا ومقصلة هناك، والسؤال؛ كم من صاحب وحي يشكو نفس هذا المصير؟ أزعم أن هذا المصير كثيرًا ما يتسم بأنه لازم محتوم للكثيرين والكثيرين. تختلف القواصم ويبقى المصير واحدًا؛ اغتيال وحي القلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد