عند الحديث عن الأدب السياسي وتصوير الأنظمة الديكتاتورية يبرز اسم جورج أورويل تلقائيًا، فهو من كتب الرائعتين “1984” و”مزرعة الحيوان” اللتين تُعدان علامتين فارقتين في الأدب السياسي.

وفي هذا المقال بعض ملامح النظام الديكتاتوري كما صورها جورج أورويل برمزية عبقرية في رائعته “مزرعة الحيوان” موضحًا كيف تنمو وتتدرج وتفكر الأنظمة الديكتاتورية وتزداد عنفوانًا وقسوة.

1- استغلال الخوف

يعتمد النظام الديكتاتوري دائمًا على الخوف، الخوف من العودة إلى الماضي، الخوف من المستقبل الغامض، الخوف من المصير المجهول في حالة رحيل هذا النظام، الخوف من الفوضى، الخوف من الآلة العسكرية والقبضة الأمنية، الخوف من عدوٍ مجهول متربص.

الخوف هو ما يرتكز عليه هذا النظام، وهو المدخل الأساسي الذي يترتب عليه ثاني العوامل.

2- نظرية المؤامرة والعدو المتربص

للنظام الديكتاتوري دائمًا أعداء وهميون، أعداء في الداخل يريدون هدم الدولة والقيم وأعداء في الخارج يتربصون ويخططون ويتآمرون، دائمًا ما يروج النظام الديكتاتوري أن لأجندته العظيمة أعداء لا يريدون سوى الشر وأنه في سبيل محاربتهم سيفعل أي شيء، وبالطبع هذا في سبيل الوطن، حتى إذا أدت هذه المحاربة إلى دمار الوطن نفسه.

3- التغليف

التغليف سلاح أظهر فاعليته طويلًا، ودائمًا ما يكون الغلاف هو فكرة براقة يختلط على الناس فهمها جيدًا، ويجب أن يكون الغلاف من النوع العاطفي الذي يستطيع السيطرة على الناس والتسلل إلى أعماقهم.

غالبًا ما يكون الغلاف دينيا أو قوميا أو ثوريا، وهي أفكار عظيمة ولكنها غير منضبطة جيدًا في أذهان الناس، وبالتالي عند ربط وتبرير أي أمر بها يختلط الأمر على الناس وتمر عليهم الأفكار مغلفة فيزداد تقبل الناس لها، فيصبح الدين أفيونًا والقومية مسوغًا والثورة وحش مفترس، وأحيانًا يجتمع غلافان أو أكثر فيكون البلاء أعظم.

للأنظمة الديكتاتورية قدرة هائلة على استغلال الأفكار العظيمة وتشويهها.

4- السيطرة على الإعلام

بالطبع يحتاج النظام لنشر أفكاره وتغليفها بغلاف يقبله الناس، وبالطبع أيضًا لا يريد تشويشًا ممن يرفضون كلامه ويرون عواره، وبالتالي تكون السيطرة على الإعلام حتمية.

يجب أن تكون جميع منافذ الإعلام تحت سيطرته، كل كلمة تُقال تأتي بالأمر، حتى انتقاد النظام أحيانًا يكون بالأمر لإشعار الناس بأن هناك بعض الحرية، ولكن بالطبع لن يُترَكَ المجال لإعلام حر موضوعي ينقل الحقيقة ولا يتلقى الأوامر، فهذا يضر خطته العظمى.

5- القدرة على الجدل والتبرير

يجب على ممثلي النظام سواء كانوا سياسيين أو إعلاميين أن يتميزوا بقدرة كبيرة على الجدل والتبرير، حتى إذا بدت كلماتهم خزعبلية أحيانًا فتكرارها دائمًا مفيد، فما يُردد كثيرًا ينطبع في الأذهان.

يجب تبرير كل شيء ليظهر سلوك النظام منطقيًا مبررًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا يستلزم جهل الشعب.

6- الجهل ومحاربة الكفاءات

الجهل هو الماء الذي يُروَى منه النظام الديكتاتوري لينمو، فالأكاذيب يصدقها الجهلاء، والجهل ليس أمية القراءة والكتابة فقط، بل هو غياب الوعي والرؤية والثقافة.

تجهيل الناس ومحاربة الكفاءات القادرة على النهوض بالناس وعقولهم سلاح فتاك لا يستمر بدونه وجود ديكتاتور.

7- نشر الإشاعات والبلبلة

مهمٌ أن ينشغل الناس عنك وعما تفعله، والحل الأمثل هو نشر الإشاعات وتوافه الأمور بغرض البلبلة والتشويش على فكر الناس وتوجيه اهتمامهم للتوافه حتى يتركوا ما يهم ويقبعوا في ظلام الجهل والتشوش.

8- التدرج

الديكتاتور الذكي لا يجب أن يقوم بأفعاله القذرة مرة واحدة، فالناس لا تقبل السيل الجارف، بل يقبلون الموجات الهادئة. التدرج في الظلم، في الكذب، في التبرير، في كل شيء. التدرج هو سلاح الديكتاتور في جعل الناس أكثر تقبلًا لأفعاله.

عامل الوقت مهم جدًا، فالتدرج والفوارق الزمنية تجعل الناس تتناسى وتزداد فرص التقبل عند الناس، فكما قال أحمد شوقي، اختلاف الليل والنهار يُنسِي.

9- التخوين

في مرحلة ما يبدأ النظام الديكتاتوري في التخوين، وفي الغالب يكون التخوين أعمى. القاعدة الوحيدة للخيانة هي مخالفة ما يقوله النظام، والمبرر الدائم هو مصلحة الوطن وأحيانًا مصلحة الدين أو الثورة.

عند هذه المرحلة يكون اهتياج النظام في أشده وبطشه في أعلى معدلاته،
وتنشط آلته الإعلامية بشدة لتواكب الحدث بتبريرات ملائمة، ويتزامن هذا مع نشر الخوف بين الناس من الخونة ومؤامراتهم، فكل عوامل الديكتاتورية تتكامل سويًا كلوحة مشوهة.

10- غياب الشفافية

غياب الشفافية وعدم مناقشة أمور الدولة في العلن كارثة كبيرة، من المفترض أن يتم هذا من خلال برلمان منتخب، ولكن في وجود نظام ديكتاتوري في الغالب إما لن يكون هناك برلمان أو سيكون هناك واحدٌ قادمٌ بانتخابات مزورة، وفي الحالتين يظهر انعدام الشفافية وغياب المحاسبة وآثارهما من استمرار الفساد وعدم إصلاح الأخطاء واستبداد الحاكم وحزبه.

هذه أمورٌ تشترك فيها الأنظمة الديكتاتورية، تزداد أو تنقص حسب ظروف كل بلد ولكنها في المجمل واحدة، دائمًا تتطور وتتكامل معًا وتعمل بالتوازي، فتصير خلطة الخوف والتبرير والتغليف والجهل والتخوين خلطة متكاملة تقوم بدورها بأعلى كفاءة.

هذا ليس كلامًا على بلد بعينه، فجورج أورويل بعبقريته كتب ما يمكن إسقاطه على كل زمان ومكان، ودائمًا ما ينهي روايته بتشاؤم مليء بالشجن، فهو كاتب واقعي يرى نفسه معنيّا بإظهار الخلل بصورة فجة لاستثارة الناس ولا يحاول استرضاءهم بنهاية مشرقة، فهذا قد يفسد كل ما بناه. اقرؤوا عبقريات أورويل “1984” و”مزرعة الحيوان”.

جورج1

 

جورج2

صفحة من رواية مزرعة الحيوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد