يحتفي المسلمون في الأول من محرم من كل عام بذكرى حادثة الهجرة النبوية، وقد درج الحديث عن أحداثها والدروس المستفادة منها، إلا أن ثمة خاطرة أردت أن أخطها في هذا المقال لتكون إضافة إلى مجموعة التأملات التي كنا وما زلنا نستخرجها من مجريات هذه الذكرى الطيبة.

تأتي ذكرى الهجرة لتفتح لنا بارقة أمل من خلال المفارقة بين حال المسلين قبل الهجرة وبعدها، وكيف كان يعيش المسلمون في أجواء من الضعف والتعذيب والحصار، ثم بعد الهجرة وما تلاها من إحداث تغيرات نوعية في موازين القوى وثبيت أركان الإسلام، ومن ثم تبدل حال المسلين إلى التمكين والاستقرار السياسي والنشار الدعوي، كل هذه التغيرات وغيرها الكثير، إنما كانت بفضل الهجرة وما أحدثتها من تغييرات.

عاش النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابة 13 سنة في مكة بين اضطهاد وتعذيب وحصار، بل محاولات اغتيال للنبي نفسه في صحن الكعبة على يد شرذمة من قريش على رأسهم عقبة بن أبي معيط، حين وضع رداءة في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، وكاد النبي أن يموت في هذه المحاولة لولا استدراك أبي بكر له.

هذا فضلًا عن حالات التعذيب المُمنهجة التي شنتها قريش على ضعفاء المسلمين حتى قُتل بعضهم كسمية بنت خياط والتنكيل بالخباب بن الأرت وصفع أبو بكر الصديق على وجهه عندما حاول الدفاع عن النبي، ومن نافلة القول ما لاقاه النبي من الصد والإعراض وخذلان أقرب الناس إليه، ويبدو هذا جليًا في أول محاولة لدعوة أهل مكة حين وقف على جبل الصفا، وقال: رأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا! ويستقبل النبي أول رد فعل سلبي من عمه، فضلًا عن سائر قومه.

إن المتأمل إلى حال المسلمين قبل الهجرة والناظر بعين الخبير الإستراتيجي لتحركات النبي الدعوية والوقوف على مردودات الأفعال من قريش وغيرها، يوقن بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الدين وصاحبه لن تقوم لهما قائمة، وأن ما يفعله محمد صلى الله عليه وسلم، إنما هو جر أصحابه للهلاك والفناء على يد صناديد قريش، كل هذا ينضوي تحت النظريات الإدارية والتأملات الاستشرافية لمستقبل الأمم، ولكن هيهات هيهات، وكأن الله غافلًا عما يجرى بأرض مكة، وكأن الله تارك دينه ونبيه هباء يتلاعب بها عقبة وأبو جهل والنضر بن الحارث، ولكنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

لقد أحدثت الهجرة بونًا شاسعًا في موازين القوي منذ حدوثها وحتى يومنا هذا، الهجرة التي مثلت انتصارًا للحق الأعزل، إلا بالإيمان بالله على الباطل المدجج بالبغي والظلم والطغيان، ولذا استحقت أن تكون هي مناط تأريخ المسلمين ليرتبط في عقولهم التاريخ بالهجرة دليلًا على قدرها ومكانتها.

إن الذي وقف على جبل الصفاء قبل الهجره بنحو 20 عامًا، عاد مرة أخرى ليقف على نفس الجبل ليخطب في 100 ألف مسلم أو يزيد، هذا الرجل الذي قيل له تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا! هو هو الذي قال بأعلى صوته أمام العالم: (إن أمر الجاهلية كله موضوع تحت قدمي)، وقفتان على نفس الجبل والمتحدث واحد، ولكن شتان بين الأولى والثانية.

إن الذي دخل مكة فاتحًا مُنتصرًا في مشهد لا يمكن للعقل أن يستوعبه ولا للعين أن تصدقه؛ الأمر الذي جعل أبا سفيان متعجبًا حتى قال للفضل بن العباس لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا، هو هو نفس الرجل الذي خرج منها وهو خائف أن يراه أحد، ليس خوفًا على نفسه، بل حفاظًا على الدعوة والدين، وإنما كل هذا بفضل الهجرة.

إن المتأمل في أحداث الهجرة وما فيها من درر يدرك يقينًا أن واقع المسلمين اليوم مهما بدا منه من ضعف وذل، فهو إلى نهاية وتأتي الهجرة لتؤكد على هذا المعنى، وكيف أنها غيرت مجرى التاريخ، وكيف تغير حال المسلمين، وكيف بلغ هذا الدين مشارق الأرض ومغاربها، ليكون الدرس العظم من الهجرة أن هذا الدين قدره أن يحكم وأن يسود ويقولون متى هو.. قل عسى أن يكون قريبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!