على مشارف العاشر من محرم الحرام، وعلى إيقاعات مباهج أهل السنة فرحًا واستبشارًا بهذا اليوم الذي عظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسن للمسلمين الصوم فيه وأخبر صلى الله عليه وسلم بعظم قدره عند الله لما كان فيه من أحداث عظام في الأمم السالفة وفي سير الأنبياء والرسل عليهم السلام.

وعلى صدى أحزان الشيعة ولطمات رواديدهم في الحسينيات والحوزات حزنًا وفرقًا وألمًا لما تعرض له آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وعلى رأسهم الإمام الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنه على يد اليزيد ومن معه من طواغيت بني أمية.

وتجاوزًا لكل هذا وللشحن المذهبي الذي ابتليت به الأمة اليوم والمبالغ في أحيان كثيرة، نقف عند واقعة بصمها التاريخ بمداد الحسرة والألم على ما آل إليه أمر المسلمين من تصدع وتشظٍّ وانكسار بانفصام عروة الإسلام واستحالة الحكم من خلافة راشدة على منهاج النبوة إلى حكم عاض بعد أن نزع بنو أمية الحكم وجعلوه وراثة فيهم.

قصدي في هذه السطور المتواضعة أن أفتح صفحة أليمة في تاريخ المسلمين المتمثلة في واقعة كربلاء التي خلدت لقومة الإمام الحسين رضي الله عنه في وجه اليزيد الطاغية الذي استبد بالحكم وظلم وسفك وبدل وغير، أفتح هذه الصفحة من تاريخ المسلمين ليس من باب السرد التاريخي للأحداث والوقائع فهذا مفصل فيه عند المؤرخين، أنصف وصدق من صدق وزور الحقائق من زور، وليس قصدي أن أقلب المواجع وأجدد الجراحات التي لما تندمل بعد، لكن القصد وكما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله هو لـ: «نتبين الأسباب التاريخية للانكسار. ولن نفهم منهاج إعادة الخلافة إن بقينا نغطي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة العنيفة والدة كل ويلاتنا». عبد السلام ياسين، الخلافة والملك، ص 31.

قصدنا إذن أن نعرف منشأ الأزمة ومكمن الداء حتى نتمكن من توصيفه وإيجاد الدواء النافع ورأب صدع الانكسار الذي لحق المسلمين وتجرعوا مرارته على مدى قرون متطاولة.

واقعة كربلاء شكلت منعطفًا خطيرًا في تاريخ الأمة حيث كان خروج الإمام الحسين قائمًا على الظلم الأموي، كان بمثابة إيذان بوقوع الشرخ في جسد الأمة الفتي، وكان في نفس الوقت دعوة للمسلمين لرفض أن يؤول مصير الحكم فيهم إلى من يجنح عن ما سنه الخلفاء المهديون رضوان الله عليهم أجمعين.

رفض الإمام الحسين رضي الله عنه مبايعة يزيد بن معاوية بعد أن استولى على الحكم وراثة، ثم تلقى رضي الله عنه في مكة المكرمة آلاف الرسائل من الكوفة تخبره بولاء أهل الكوفة له، الأمر الذي شجعه على الخروج على الظلم والاستكبار الأموي.

كتب سيدنا الحسين رضي الله عنه رسالة تلخص الغاية من خروجه حدد من خلالها الخطوط الكبرى لقومته المباركة، قال رضي الله عنه في رسالته هذه: «أما بعد فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وسلم. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين».

خطبة الحسين هذه وضعت الخطوط العريضة لقومته المجيدة، لم يخرج رياء ولا سمعة بل خرج لأجل الحق وطلبًا للإصلاح، ذلك الإصلاح الشمولي الذي يهم كل مجالات الحكم وعلى رأسها وفي مقدمتها إصلاح الحكم الفاسد.

 

قام الإمام الحسين بعد أن شاهد وعاين عملية إفراغ الحكم الإسلامي من جوهره ومقاصده الكبرى المتمثلة في الشورى والعدل والرحمة، وتحول ذلك إلى عض واستبداد بالرأي واتباع هوى.

أطلت حمية الجاهلية برأسها بعد أن جاء الإسلام ليعلن القطيعة مع كل ولاء سوى الولاء لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، فتحول الأمر إلى ولاء للقوم والعشيرة.

قام الإمام قومته المباركة التي خلدها التاريخ بعد أن سمع من جده المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أول ما ينتقض من عرى الإسلام عروة الحكم، وينتقض بانتقاض الحكم ومعه عرى العدل والرحمة والشورى والكرامة والعزة، وهي المقاصد الكبرى التي من أجلها جاء الإسلام.

لم تكن قومة كربلاء قومة إصلاحية غرضها اكتساب بعض التنازلات من بني أمية مقابل الخضوع والرضا بالأمر الواقع تحت مبرر الحفاظ على بيضة ووحدة الأمة، وإنما كانت هبة حسينية شاملة قصدها الأساسي التغيير الجذري والشامل غضبة لله عز وجل وغيرة على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رفض الحسين وهو الوارث للعلم الذي كان جده صلى الله عليه وسلم مدينته وأبوه بابها، رفض كل دعوات الاستكانة وقبول أنصاف الحلول، وفضل بذل الروح على قبول النزول على حكم المستبد والخضوع له.

من يطالع حقيقة كتب أهل السنة ومؤلفاتهم فيما يتعلق بأحداث سنة 62 للهجرة وما قبلها وما تلاها يجد تحاملًا كبيرًا في سرد الأحداث وتعليلها، ففقهاء السنة وأصحاب قد جانبوا الموضوعية وتحاملوا على الإمام الشهيد إما خوفًا من أمراء السوء الذين أفرزهم الانقلاب الأموي على الحكم الشوري، أو بسبب انتماءات وولاءات مذهبية ضيقة جعلت من كتم الحقائق وتزييفها وسيلة للغلبة المذهبية الطائفية.

إن قومة الحسين بن علي عليه السلام قد سطرت أبهى الصور وأجلاها في رفض الظلم ورفض الخضوع والاستكانة لأهله، وإن ثورته تلك والتفاف الأمة حولها ليس من باب كون القائم سليل بيت النبوة فحسب، بل لكونه رمزًا للأحرار والمدافعين عن كرامة الإنسان وحرية الإنسان وعزة الإنسان.

«تترجم قومة الإمام الحسين عن ضمير الأمة الذي رفض ملك يزيد وليس كون الإمام الحسين من تلك الأرومة النبوية هو وحده الذي هز مشاعر علمائنا فلعنوا يزيدًا. لكن أفعال يزيد وسوء تدبيره وبطشه بالمسلمين سودت في أعينهم خيال الملك العاض». عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، ص 69.

سيظل ذكر الإمام الحسين يلهب على مر العصور الحالمين بغد الحرية والكرامة والانعتاق، وستظل كربلاء رمزًا للأحرار القابضين على الجمر المدافعين عن الحق، وسيبقى ذكر الحسين واسم الحسين لعنة تطارد الجبابرة الطغاة في كل مكان وفي كل زمان مهما كان انتماؤهم ومذهبهم.

السلام على الحسين وعلى آل بيت الحسين وعلى كل من نهج منهاج الحسين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد من ربى الحسين وقال حسين مني وحسين مني، ورضي الله عن سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحب أجمعين والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كربلاء
عرض التعليقات
تحميل المزيد