استكمالًا لما بدأناه في الجزء الأول من مقال «قصص كفاحٍ مُلْهِمَةٌ من أولمبياد ريو 2016»، نستعرض معكم الجزء الثاني والذي يشمل خمس قصصٍ من أولمبياد ريو لخمسة لاعبين من خمس دولٍ مختلفةٍ.

عبد الله الرشيدي

082816_1100_1.jpg

وقف الرامي الكويتي «عبد الله الرشيدي» يُلَوِّح بيده ويُلِقي القبلات في الهواء مُدَاعِبًا الجمهور الذي حَضَرَ لمشاهدة نهائيات مسابقة لعبة أطباق الإسكيت، فألهب حماسهم وأجبرتهم خفة ظله وروحه المرحة على تشجيعه، ثم أولاهم ظهره ليحشو بندقيته ويُطْلِقَ آخر طلقتين في نهاية منافسته مع اللاعب الأوكراني «ميكولا ميلتشيف» على الميدالية البرونزية. وَقَفَ ثابتًا مُوَجِّهًا بندقيته إلى الفراغ أمامه، ثم سَحَبَ نفسًا عميقًا وأصدر إشارةً تُعلن استعداده للتصويب. أُطْلِقَ الطبقان في الهواء فضغط «عبد الله» على الزناد ليصيبهما بكل مهارةٍ ورباطة جأشٍ وأعصابٍ فولاذيةٍ، وينجح في اقتناص الميدالية البرونزية.

انتظر «عبد الله» عشرين عامًا لكي يحصل على تلك الميدالية، فعلى مدار مشاركاته في خمس دوراتٍ أولمبيةٍ متعاقبةٍ منذ أتلانتا 1996 وحتى لندن 2012 لم ينجح «عبد الله» في الحصول على أي ميداليةٍ، وها هو بَعد إصرارٍ لا يتزحزح وعزيمةٍ لا تلين بروح شابٍ في العشرين، ينجح أخيرًا في ريو دي جانيرو في تحقيق حلمه الذي طال انتظاره. ظل «عبد الله» يطارد حلمه طيلة عشرين عامًا حتى قبض عليه بعدما تخطى الخمسين مِن عمره بثلاث سنواتٍ!

سار «عبد الله الرشيدي» على خُطَى مواطنه الرامي الكويتي «فهيد الديحاني» الذي حَصَدَ الميدالية الذهبية في مسابقة الحفرة المزدوجة «دبل تراب» قبلها بأربعة أيامٍ، ولم ينتقص مِن قَدْرِ فرحتهما إلا عدم رفْع العلم الكويتي ولا عزْف السلام الوطني للكويت نظرًا لحرمانها مِن المشاركة في الأولمبياد بسبب مخالفة قوانينها الرياضية للوائح اللجنة الأولمبية الدولية، مما اضطر اللاعبين الكويتيين إلى المشاركة تحت العلم الأولمبي.

شوناي ميلر

082816_1100_2.jpgدَخَلَتْ عدَّاءة جزر الباهاماس «شوناي ميلر» نهائي سباق 400 متر يحْدُوها الأمل في الحصول على إحدى الميداليات الثلاث، وإنْ كانت الأرقام تقول بأنَّ منافِستها الأمريكية «أليسون فيليكس» هي الأقرب لحصد الميدالية الذهبية بحُكْمِ أفضلية رقمها الشخصي على كل منافِساتها الأخريات.

انطلق السباق وقبل نهايته بأمتارٍ قليلةٍ بدا للجميع أنَّ اللاعبة الأمريكية ستحسم الأمر كما كان متوقعًا لها بعد أنْ تقدَّمَتْ قليلًا على لاعبة جزر الباهاماس «شوناي»، وفي المترين الأخيرين قبل خط النهاية تَفَاجأ كل مَن بالصالة بما قامت به «شوناي»، لقد طارت مادَّةً ذراعيها للأمام في قفزةٍ جنونيةٍ لعلها بهذه الحركة تتقدم على منافستها الأمريكية «أليسون» في لقطةٍ لن ينساها كل مَن شاهد هذا السباق!

تَجمَّدَ المشهد وذُهِلَ كل الحضور بَعد أنْ تدحرجت شوناي على مضمار السباق بَعد تخطيها خط النهاية، وظلت الأنظار عالقةً بلوحة إعلان النتيجة الضخمة لمعرفة الفائزة إلى أنْ ظهرت النتيجة. لقد فازت «شوناي» بالسباق بفضل قفزتها وبرقمٍ شخصيٍ جديدٍ لها مقداره 49.44 ثانيةً بفارق 0.07 ثانيةً فقط عن اللاعبة الأمريكية التي حققت زمنًا مقداره 49.51 ثانيةً!

تقول «شوناي» بعد هذا الفوز الأسطوري: «لم أقم بذلك مِن قبل، لديَّ بعض الجروح والرضوض مِن أثر الاندفاع، عندما كنتُ على الأرض لم أكن أعرف بَعد أنني قد فزت، ما زلت لا أعرف ما حدث بالضبط، فقط كنت أريد أنْ أُحرز الميدالية الذهبية ثم وجدت نفسي على الأرض. إنه لشعورٌ رائعٌ».

يوسين بولت

082816_1100_3.jpgمن حق «ابن الريح» العدَّاء الجامايكي «يوسين بولت» أنْ يفخر بالإنجاز التاريخي الذي يُحققه على أرض ريو دي جانيرو بعد فوزه بسباقي 100 متر و200 متر للمرة الثالثة أولمبيًّا على التوالي بعد دورتي بكين 2008 ولندن 2012، في إنجازٍ غير مسبوقٍ مما جعل صحيفة ذا تايم البريطانية تكتب: «الخالد بولت يدخل التاريخ»، كما كَتَبَتْ صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية: «لا يوجد في كوكب الأرض مَن يستطيع أنْ يلحق ببولت حتى الآن».

علَّقَ أحد المتابعين لسباقات ألعاب القوى: «الشيء الوحيد القادر على إيقاف بولت هو دراجة التصوير التليفزيوني» في تلميحٍ إلى الحادثة الشهيرة التي وَقَعَتْ في بطولة العالم لألعاب القوى في بكين 2015 عندما فَقَدَ أحد المصورين توازنه فوق دراجة التصوير المتحركة واصطدم ببولت عقب فوزه بسباق 200 متر.

وفي تصريحٍ له عقب فوزه بسباق 100 متر في ريو يقول بولت: «تحقيق الأمر ثلاث مراتٍ هو إنجازٌ كبيرٌ، شيءٌ لم يفعله أحدٌ مِن قبل أو حتى حاول تحقيقه، لذا فإنَّ نجاحي في تحقيق ذلك سيكون بمثابة إنجازٍ مذهلٍ وهذا ما جئت إلى ريو مِن أجل تحقيقه لكي أُثْبِتَ للعالم أنني الأفضل مجددًّا، وهذه هي الخطوة الأولى في الطريق الصحيح، أنا سعيدٌ وفخورٌ حقًّا بما أفعله».

بولت – صاحب الثلاثين عامًا – مُرَشَّحٌ أيضًا بقوةٍ لنيل ذهبية سباق 400 متر تتابع – والذي لم يُقَمْ حتى لحظة كتابة هذه السطور – وفي حالة حصوله على هذه الذهبية سيكون قد حقق بذلك ثلاثية سباقات 100 متر و200 متر و400 متر متتابع مُجتَمِعين للمرة الثالثة على التوالي أيضًا، ليُصَعِّب المهمة على الأجيال التي ستأتي مِن بعده إذ سيكون مِن الصعب جدًّا تحقيق هذه المعجزة لسنواتٍ عديدةٍ قادمةٍ.

جوزيف سكولينج

082816_1100_4.jpg

أثناء زيارة معجزة السباحة الأمريكي «مايكل فيلبس» لسنغافورة استعدادًا لأولمبياد بكين 2008، وبينما كان في أحد المعسكرات التدريبية جاءه طفلٌ صغيرٌ في الثالثة عشرة مِن عمره طالبًا منه التقاط صورةٍ للذكرى، فما كان مِن فيلبس إلا أنْ استجاب لطلب هذا الطفل والتقط معه الصورة بكل تواضعٍ ثم نسي الأمر.

بَعد مرور ثمانية أعوامٍ على هذه الواقعة، وتحديدًا في منافسات نهائي سباق 100 متر فراشة بأولمبياد ريو 2016، كان «فيلبس» قد حَصَدَ قبل هذا السباق أربع ميدالياتٍ ذهبيةٍ خلال الدورة وكان متأهبًا للحصول على الذهبية الخامسة في هذا السباق، إلا أنه فوجئ بشابٍ صغيرٍ يخطف منه ذهبية هذا السباق بفارق 0.35 ثانيةً في اللحظات الأخيرة مُحطِّمًا الرقم الأولمبي المُسجَّل باسم «فيلبس» ومحققًا رقمًا جديدًا مقداره 50.39 ثانيةً. التفتَ فيلبس ليرى منافسه الذي حرمه مِن ذهبيته الخامسة ليجد أنه ذلك الطفل الذي التقط معه الصورة في سنغافورة منذ ثمانية أعوامٍ، طفلٌ صار اليوم شابًا في الحادية والعشرين مِن عمره ويُدْعَى «جوزيف سكولينج» مِن سنغافورة!

يقول «سكولينج» بعد تحقيقه أول ميدالية ذهبية لسنغافورة في الأولمبياد: «أشعر بسعادةٍ كبيرةٍ، لا أعتقد أنني تفهَّمْتُ الأمر بعد، هذا أمرٌ جنونيٌّ». «لولا مايكل فيلبس لما وَصَلْتُ إلى هذا الإنجاز لأنني منذ طفولتي أريد أن أصبح مثله، كنت أريد الفوز وأعتقد أن الفضل في كثيرٍ مِن هذا يعود إلى مايكل فهو سبب رغبتي في أن أكون سبَّاحًا متميِّزًا».

وفي تعقيبه على فوز «سكولينج» بالذهبية، يقول «فيلبس»: «لا أحد يحب أنْ يخسر ولا أنكر أنني حزينٌ لخسارتي الذهبية، لكنني في الوقت ذاته فخورٌ حقًّا بسكولينج». «أردتُ أنْ أُغَيِّرَ رياضة السباحة، ومع هؤلاء الشباب مِن أمثال سكولينج أعتقد أنكم ترون نتيجة هذا. لقد رغبتُ في أنْ أُعَلِّمَ الأطفال أنْ يؤمنوا ويثقوا بأنفسهم وألا يظنوا أنَّ السماء هي آخر مدى لطموحاتهم، وهذا بالفعل ما نجح سكولينج في فعله».

مايكل فيلبس

082816_1100_5.jpgلم يتوقع أكثر المتفائلين مِن المُقربين للطفل مايكل فيلبس أي نجاحٍ أو تفوقٍ له في أي عملٍ مستقبلًا، وذلك بعد إصابته باضطراباتٍ نفسيةٍ وتشتتٍ في الانتباه وفرطٍ في نشاطه وهو لا يزال في الصف الدراسي السادس نتيجة تأثره بالعلاقة دائمة التوتر بين والديه والتي انتهت بانفصالهما وهو في سن التاسعة، بعدها صارت أمه ومِن بعدها مدربه في السباحة «بوب بومون» هما سنده والجدار الصلب الذي يستند إليه في حياته.

أدرك مدربه «بومون» أن «فيلبس» يمتلك موهبةً في لعبة السباحة تستحق الاعتناء، فعَمِلَ على تنميتها حتى ساعده على الوصول إلى أولمبياد سيدني 2000 وهو لا يزال في الخامسة عشرة مِن عمره. لم يحقق الطفل «فيلبس» أي ميداليات في سيدني، لكنه في العام الذي يليه 2001 حطَّم الرقم القياسي العالمي لسباق 200 متر فراشة ليصبح أصغر سبَّاح في التاريخ يحطم الرقم القياسي لهذا السباق وهو لم يتخطَّ السادسة عشرة بعد، وقبل أنْ يُكْمِلَ السابعة عشرة كان «فيلبس» قد حطَّم الرقم القياسي العالمي لسباق 400 متر حرة.

بعدها بعامين شارك في أولمبياد أثينا 2004 ليبدأ شق طريق الأمجاد بعد أنْ حصل على ست ميدالياتٍ ذهبيةٍ وميداليتين برونزيتين، بعدها بأربعة أعوامٍ في أولمبياد بكين 2008 حقَّق ما لم يحققه أي لاعبٍ أولمبي قبله أو بعده حتى الآن عندما حصل على ثماني ميدالياتٍ ذهبيةٍ في إنجازٍ أسطوري مِن الصعب تكراره. بعدها بستة أشهرٍ شُوهِدَ «فيلبس» وهو يتعاطى الماريجوانا، كما ابتعد عن التدريبات إلى أنْ أعاده مدربه والأب الروحي له «بوب بومون» إلى الطريق الصحيح مرةً أخرى ليعود ويشارك في أولمبياد لندن 2012 ويحرز فيها أربع ميدالياتٍ ذهبيةٍ وفضيتين، بعدها أعلن «فيلبس» اعتزاله السباحة وقرر أنْ يعيش حياته بِحُرِّيةٍ بعيدًا عن قيود التدريبات والبطولات، فبدأ في ارتياد أماكن السهر واللهو وأدمن شرب الخمور بشراهةٍ إلى أنْ تم إلقاء القبض عليه عام 2014 وهو في حالة سُكْرٍ فتم إيقافه لمدة ستة أشهرٍ، وكان لزوجته هذه المرة دورٌ رئيس في إعادته إلى نفسه وإلى السباحة مرةً أخرى بعد معاناةٍ بالغةٍ وصبرٍ نافدٍ من جانبها كان يقابله لا مبالاة وعدم استجابة في كثيرٍ من الأحيان من جانب «فيلبس».

تقول زوجته «نيكول جونسون» عن هذه الفترة العصيبة: «كان من المخيف أنك تريد إنقاذ هذا الشخص لأنك تحبه، بينما هو لا يريد أنْ يساعد نفسه».

عاد «فيلبس» ليتحدى نفسه ويتحدى الجميع وهو في الحادية والثلاثين مِن عمره للمشاركة في أولمبياد ريو 2016، فأصبح أول سبَّاحٍ في التاريخ يتأهل للدور النهائي في خمس دوراتٍ متتاليةٍ للألعاب الأولمبية، وعاد في ريو ليمارس هوايته المفضلة في حَصْدِ الذهب ففاز بخمس ميدالياتٍ ذهبيةٍ وفضيةٍ واحدةٍ، مُحَطِّمًا بذلك كل الأرقام بعد أنْ وَصَلَ عدد الميداليات الذهبية التي حصل عليها في تاريخ الأولمبياد إلى 23 ميداليةً ذهبيةً كأعلى عددٍ من الذهبيات يحصل عليه لاعبٌ واحدٌ في تاريخ الأولمبياد، ومُحطِّمًا رقمًا قياسيًا ظل صامدًا لمدة 2168 عامًا والذي كان مسجلًا باسم اللاعب اليوناني «ليونايدس رودس» حيث حصل «فيلبس» على 12 ميداليةً فرديةً في حين امتلك «رودس» 11 ميداليةً، ومتخطيًا وحده إنجازات دولٍ بأكملها لا تمتلك في خزائنها طوال تاريخ مشاركاتها في الأولمبياد عدد ما حققه «فيلبس» من ميدالياتٍ.

إنها قصةٌ مليئةٌ بالنجاحات يتخللها بعض الإخفاقات التي كان سرعان ما يعاود «فيلبس» التألق بعدها ليعود أقوى وأنجح وأعظم مما كان قبلها بفضل والدته ومدربه وزوجته، الذين ساندوه طيلة مشوار نجاحه حتى صار ذلك البطل الذي يُشار إليه بالبنان بأرقامٍ إعجازيةٍ ربما لن يتمكن أي شخصٍ من تحطيمها في المستقبل القريب أو البعيد.

يقول «فيلبس»: «أعتقد أنه لا يوجد مستحيلٌ، فقط يحتاج الإنسان إلى خيالٍ واسعٍ وإرادةٍ من حديدٍ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أولمبياد
عرض التعليقات
تحميل المزيد