وحدها الرياضة هي التي أصبَحَتْ تُجَمِّع الشعوب بعد أنْ فَرَّقَتهم نيران الحروب، ومصالح القوى العظمى، وأطماع الأقوياء، ونزوات المُستبدِّين؛ ففي حَدَثٍ فريدٍ لا يتكرر إلا مرةً واحدةً كل أربعة أعوامٍ، تابع سكان المعمورة في شغفٍ دورة الألعاب الأولمبية، والتي جَرَتْ غمارها في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل، حيث يتبارى 11288 لاعبًا ولاعبةً من 207 دول في منافسات 28 رياضةً متنوعةً.

ومن بين كل هؤلاء اللاعبين، نجح القليل منهم في جَذْبِ الأنظار ولَفْتِ الانتباه إليه، ليس بسبب انتصاراتهم فقط؛ بل بسبب ما وراء هذه الانتصارات من عملٍ ومعاناةٍ ومجهودٍ شاقٍ وقصةِ كفاحٍ سيُخلِّدها التاريخ لتكون مَثلًا يَحْتَذِي به راغبو النجاح، وأصحاب الهِمَمِ الذين لا سقف لطموحاتهم، وفي هذا المقال نستعرض عشر قصصٍ من أولمبياد ريو لعشرة لاعبين من عشر دُوَلٍ مختلفةٍ.

محمد فرح

082216_1611_1.jpg

اضطر الكثيرون من أبناء الصومال إلى تَرْكِ بلادهم بعدما اشتعلت نار الحرب الأهلية هناك في تسعينيات القرن الماضي، ومِنْ بين هؤلاء هاجر الطفل «محمد فرح» صاحب السنوات العشر مع أسرته في عام 1993، مُتَّجهين إلى بريطانيا طلبًا لحق اللجوء السياسي، وبالفعل مَنَحَتهم بريطانيا الإقامة على أرضها قبل أنْ تَمْنَحَهم جنسيتها، لتبدأ بعدها موهبة ذلك الطفل في البزوغ في رياضة العَدْو، بَعدها بتسع سنواتٍ ردَّ «محمد فرح» الجَمِيل لبلده الثانية، وحَصَدَ لها ذهبيتي سباقيّ 5000 متر و10000 متر في أولمبياد لندن 2012.

ومنذ أيامٍ قليلةٍ خاض «فرح» نهائي سباق 10000 متر في أولمبياد ريو، وبعد أنْ بدأ السباق بلحظاتٍ تعرقل فرح في قَدَمِ عدَّاءٍ كينيٍّ ليسقط أرضًا ويتجاوزه جميع العدَّائين، ظنَّ جميع مَنْ شاهدوا السباق أنَّ فرح قد فَقَدَ الأمل في الفوز وخرج من المنافسة، الوحيد الذي لم يفقد الأمل كان «محمد فرح» نفسه، فَقَدْ تحامل على نفسه وقام مِنْ عثرته ليتحدى نفسه ويواصل السباق، متجاوزًا الجميع، ويفجِّر المفاجأة ويكسب التحدي ويفوز بالميدالية الذهبية بزمنٍ قَدْره 27 دقيقةً و5 ثوانٍ وَسَطَ انبهار الجميع، ليسجد بعدها على أرضية المضمار شاكرًا ربه على هذا الفوز الذي ظَنَّه الجميع مستحيلًا.

مايليندا كلمندي

082216_1611_2.jpg

اضطَّرَتْ لاعبة الجودو الكوسوفية –صاحبة الخمسة والعشرين عامًا– «مايليندا كلمندي» إلى اللعب باسم ألبانيا في أولمبياد لندن 2012؛ نظرًا لعدم انضمام بلدها كوسوفو –البلد الوليدة التي نالت استقلالها عن صربيا في 2008- وقتها إلى عضوية اللجنة الأولمبية الدولية، تَمَنَّتْ وهي تحمل علم ألبانيا في طابور الافتتاح لو كانت تلعب باسم بلدها الأصلي كوسوفو.

بعدها بعامين في 2014 أصبحت كوسوفو عضوًا في اللجنة الأولمبية الدولية، فبدا أن أمنية «مايليندا» قد باتت قريبةً، اجتَهَدَتْ في تدريباتها وراحت تتنقل هي وزوجها بسيارتهما في أنحاء دول أوروبا لحضور معسكرٍ هنا ولَعِبِ بطولةٍ هناك مِنْ أجل التحضير الجاد لأولمبياد ريو.

مَنَحَهَا المسئولون شرفَ حَمْلِ عَلَمِ كوسوفو في افتتاح أولمبياد ريو، لتشق طريقها بعدها بكل حماسٍ في تصفيات وزن 52 كجم، حتى وصَلَتْ للمباراة النهائية، وفازت بها لتحصل لبلادها على أول ميداليةٍ ذهبيةٍ في أول مشاركةٍ لكوسوفو في تاريخ الأولمبياد.

انهمرتْ دموعها غزيرةً وهي ترى علم كوسوفو يرتفع، بينما النشيد الوطني يُضْرَبُ في صالة الجودو في ريو دي جانيرو، تقول «مايليندا» والميدالية الذهبية تُزَيِّن رقبتها: «كان تركيزي عاليًا جدًّا، وكنتُ أرغب في الفوز، ليس فقط لأنني كنتُ الأوفر حظًّا، ولكن أيضًا مِنْ أجل بلدي، إنها المرة الأولى التي تتمكن فيها كوسوفو مِن المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية، أردتُ حقًّا أنْ أفوز، يوم المنافسة قُلْتُ لنفسي في كل وقتٍ: أنا جاهزةٌ، أنا قويةٌ وأستطيع أنْ أفعلها، لا يوجد المال الكافي ولا حتى ملايين العالم التي تجعلني أشعر بما أشعر به اليوم».

كاتينكا هوسو

082216_1611_3.jpg

تُلَقَّبُ لاعبة السباحة المجرية «كاتينكا هوسو» –ذات السبعة والعشرين عامًا- بالمرأة الحديدية نظرًا لكثرة ميدالياتها في بطولات العالم، وبطولات أوروبا، وأخيرًا في أولمبياد ريو بعد أنْ أحرزتْ لبلادها 3 ميداليات ذهبية في سباقات 100 متر ظهر، و200 متر متنوع الذي حقَّقتْ فيه رقمًا أولمبيًّا جديدًا، و400 متر متنوع الذي حطَّمتْ فيه الرقم القياسي العالمي، بالإضافة لحصولها على ميداليةٍ فضيةٍ في سباق 200 متر ظهر، لتحصلَ بذلك وحدها على نصف عدد الميداليات الذهبية التي حققها المجريون في أولمبياد ريو.

أثناء خوضها سباق 200 متر متنوع، احتدَّتْ شدة التنافس بين «كاتينكا»، والسبَّاحة البريطانية «سيوبهان ماري أوكونور» لدرجة أنهما ظلا على خطٍّ واحدٍ تقريبًا خلال الأمتار الأخيرة مِن السباق، فما كان من زوجها «شين توسوب» –وهو بالمناسبة مدربها أيضًا– إلا أنْ انتفض واقفًا وظل يصرخ بقوةٍ والدموع في عينيه دعمًا لزوجته ومشجعًا لها على التقدم؛ مما جعل الجمهور يتعاطف معه ويهب لتشجيع زوجته. أنهتْ «كاتينكا» السباق بفارق 0.3 ثانية فقط عن منافستها البريطانية مُحقِّقةً رقمًا أولمبيًّا جديدًا. وبعد أنْ تأكدتْ مِن فوزها بالذهب، أطلَّتْ «كاتينكا» برأسها مِن الماء لترسم لزوجها بيدها قلبًا امتنانًا له على مساندته التي كان لها بكل تأكيدٍ أكبر الأثر في تحقيق ذهبية سباق 200 متر متنوع.

تقول «كاتينكا» بعد فوزها بهذا السباق: «بأمانةٍ، أتنافس مِن أجل هذا الزمن القياسي منذ فترة، إنني أفكر بشأنه منذ سبعة أعوامٍ، التغيير الحقيقي هو أنني يمكنني أنْ أقول الآن إنني بطلةٌ أولمبيةٌ، وهو ما لم يكن باستطاعتي قوله حتى ساعاتٍ قليلةٍ مَضَتْ».

نجات رحيموف

082216_1611_4.jpg

في منافسات رفع الأثقال لوزن 77 كجم، ظنَّ جميع مَن في الصالة أنَّ الميدالية الذهبية قد حُسِمَتْ لصالح الربَّاع الصيني «ليو زياو جون» –صاحب ذهبية أولمبياد لندن 2012- بعد نجاحه في رفع 202 كجم، خاصةً مع تفوقه بفارق 12 كجم عن أقرب منافسيه الكازخستاني «نجات رحيموف» –صاحب الاثنين والعشرين عامًا- مع نهاية مسابقة الكلين والنطر.

كانت قد تَبَقَّتْ محاولةٌ ثالثةٌ أخيرةٌ لـ«رحيموف»، فقرر أنْ يُفاجِئ الجميع –وربما نفسه أيضًا- بطلبه رفع 214 كجم. عَلَتْ صيحات الدهشة مِن الحضور، بينما ارتَسَمَتْ على شفتي اللاعب الصيني ابتسامةٌ بَدَتْ كأنها ساخرةٌ. الجميع يعلم أنَّ الرقم القياسي الأوليمبي هو 207 كجم، والرقم القياسي العالمي هو 210 كجم وهما مُسَجَّلان باسم نفس اللاعب الصيني «ليو» الذي بدا أنه ينافس نفسه في مسابقة هذا الوزن، لذا فَقَدْ كان الجميع متأكدًا أنَّ محاولة «رحيموف» لرفع 214 كجم مكتوبٌ لها الفشل حتى قبل أنْ تبدأ. لكن ما فعله «رحيموف» أصاب كل مَن بالصالة وكل مَن يتابعه بالذهول والانبهار، لقد نجح في تحقيق ما ظنه الجميع ضربًا مِن ضروب المستحيل والجنون، ورَفَعَ الوزن الأسطوري بثباتٍ يُحْسَدُ عليه، ثم خرَّ ساجدًا ونهض مرددًا: «الله أكبر» مرارًا وتكرارًا غير مُصَدِّقٍ أنه قد فَعَلَها، وسط إعجاب وتصفيق الجمهور، بينما ظل اللاعب الصيني مصدومًا إلى أنْ تَسَلَّمَ الميدالية الفضية وعلى وجهه علامات خيبة الأمل، وفي عينيه تتلألأ دموع الحسرة.

محمد إيهاب

082216_1611_5.jpg

على الرغم مِن عدم فوزه بالميدالية الذهبية في منافسات رفع الأثقال لوزن 77 كجم، إلا أنَّ اقتناص الربَّاع المصري «محمد إيهاب» للميدالية البرونزية وسط عملاقين حطَّما كل الأرقام القياسية الأولمبية والعالمية، وهما معجزة كازخستان «نجات رحيموف» –الذي تناولنا قصة ميداليته– وأسطورة الصين «ليو زياو جون»، يُعْتَبَر إنجازًا يستحق التقدير. إلا أنَّ هذا لم يكن السبب الوحيد لكي تُوضَع قصة «محمد إيهاب» في قائمة قصص الكفاح المُلْهِمة في أولمبياد ريو، فرحلة كفاحه للتحضير لهذه البطولة تستحق الاحترام وجديرةٌ بذِكْرها.

دَخَلَ «محمد إيهاب» في دائرة الإحباط بعد أنْ تم إيقافه قبل أولمبياد لندن 2012 بأربعة أشهرٍ نتيجة ثبوت تناوله مُكَمِّلاتٍ غذائيةٍ ممنوعةٍ، لكنه سرعان ما تَذَكَّر وصية والده -لاعب رفع الأثقال السابق- قبل وفاته عام 2007 ليعاود تحدي نفسه والنهوض مِن جديدٍ.

كانت وصية والده له كما جاء على لسان «محمد»: «تستطيع أنْ تُوَصِّلَ صوتك للعالم عن طريق الرياضة، وتستطيع أنْ تعيش الحياة التي تحلم بها إنْ استطعت أنْ تفعل ما فعله الأساطير، عندما تؤمن بأنك تستطيع أنْ تكتب التاريخ بيدك وقتها ستعطيك الحياة فوق ما ترضى».

قرَّر «محمد» أنْ يدخل في معسكرٍ تدريبي مغلقٍ قبل عامين في منزله، وحَرَمَ نفسه مِن حضور أي مناسباتٍ اجتماعية، حتى حفلات تكريمه لم يكن يحضرها، حتى حلم الزواج أجَّلَه حتى لا يخرج عن تركيزه وحتى يتفرغ تمامًا مِن أجل تحقيق هدفه الذي يسعى إليه، وهو الحصول على ميدالية أولمبية في ريو 2016.

وعلى الرغم مِن تقاضيه راتبًا ضعيفًا مِن وزارة الرياضة المصرية بما لا يتناسب مع المصروفات اللازمة لصنع بطلٍ أوليمبي، وعلى الرغم مِن عدم وجود أخصائي تغذيةٍ معه، وعدم توفير المُكَمِّلات الغذائية؛ مما اضطره إلى الإنفاق على نفسه مِن جيبه الخاص، كل هذه المعوِّقات لم تَفُت في عضده ولم تُثْنِهِ عن استكمال الطريق الذي رسمه لنفسه.

في آخر لقاءٍ تليفزيوني أجراه قبل توجهه إلى ريو دي جانيرو، اشتكى «محمد» مِن تجاهل الإعلام والجميع عن ميدالياته وإنجازاته العالمية التي حققها في عامي 2014 و2015، وأبدى حزنه مِن عدم استقباله وتقديره بالشكل الذي يتناسب مع ما يحققه من إنجازاتٍ، وأكد في نهاية لقائه أنه سيجبر الجميع على الانتباه لما سيحققه في الأولمبياد، وسيجبرهم على استقباله في مطار القاهرة بعد عودته من ريو.

كلَّل «محمد إيهاب» تعبه بالنجاح، وحقَّقَ حلمه وحلم والده وأوفى بوعده له، وحاول أنْ يَرُدَّ إليه الجَميل عندما وقف على منصة التتويج حاملًا الميدالية البرونزية في يدٍ وصورة والده في اليد الأخرى.

كسب «محمد» التحدي ونال ميداليةً مِن فم الوحوش، وأجبر الجميع على احترامه، وأدخل الفرحة -ومعه وزميلتاه «سارة سمير» و«هداية ملاك» اللتان أحرزتا برونزيتين أُخريين- إلى قلوب المصريين في وقتٍ كانوا في أشد الحاجة إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد