جريمة العيب في الذات الملكية كانت سيفًا مسلطًا على رقاب أصحاب الأقلام والرأي في فترة ما قبل عام 1952 حيث قُدم العديد منهم إلى المحاكمة بهذه التهمة ومنهم بيرم التونسي ومحمود عباس العقاد وإبراهيم شكري والأفغاني وغيرهم وقد بدأ مصطلح “العيب” في التبلور إبان الثورة العرابية 1881 – 1882 حيث جرم قانون المطبوعات الشهير عام 1881 م كل من أهان وعاب ولي الأمر.

وفي أعقاب هذه الثورة صدر قانون العقوبات سنة 1883 حيث قنن في المادة 163 في الجنح والجنايات التي تقع بواسطة الصحف والجرائد وغيرها وفي الجنح المتعلقة بالتعليم العام أو الديني “كل من عاب في حق ذات ولي الأمر بواسطة إحدى الطرق المذكورة يعاقب بالحبس من شهر إلى 18 شهرًا ويدفع غرامة من مائة قرش ديواني وقرش إلى 2000 قرش”.

وقد قصد المشرع أن يتناول العقاب “كل فعل أو قول أو كتابة أو رسم يكون فيه مساسًا تصريحًا أو تلميحًا من قريب أو بعيد بتلك الذات المصونة التي هي بحكم كونها رمز الوطن المقدس”.

ولقد تلاشت كلمة عيب من قاموس الحياة السياسية المصرية بعد ثورة يوليو 1952 لكن الكلمة بقيت ممثلة في لفظ الإهانة وهي تنطوي على معنى أشد من السب والعيب وأكثر عنفًا، وأصبحت الإهانة لفظًا عامًا يطلق على الألفاظ الأخرى التي ترادفه، لكن مع تفجر الأزمة الاجتماعية والسياسية منذ أواخر السبعينيات رأت القيادة السياسية في مصر أنه لا مفر من عودة قانون العيب.

ولذلك أصدر السادات في مايو 1980 القانون رقم 95 والمسمى قانون حماية القيم من العيب وخاصة بعد أن تعالت الهتافات المعادية للسادات ووصفه بالطاغية والطاغوت والظالم من قبل الجماعات الإسلامية، وكذلك الهجوم عليه في المظاهرات وفي بعض الأشعار ومقالات الكتاب وقد حوكم الشاعر أحمد فؤاد نجم بموجب هذا القانون وسجن بتهمة إهانة رئيس الجمهورية في عام 1978، ومع نهاية عصر السادات توارى هذا القانون وأصبح في ذمة التاريخ شكلًا لكنه كان موجودًا في الخفاء فالعيب في الذات الملكية جريمة تعاقب عليها كل نظم الحكم الملكية قديمًا وحديثًا وما شابهتها من نظم حكم مطلقة جمهورية ديكتاتورية.

الذات الملكية (تابو) مقدس لا يمكن الاقتراب منها أو حتى النظر إليها حتى لا تأخذ الناس الصاعقة، ولا يمكن التشبه بصفاتها. فهو الملهم الأول، والمعلم الأول، والمشرّع الأول، بل والفنان الأول، أكمل البشر. وهو رئيس المدينة الفاضلة عند الفارابي، و(الإنسان الكامل) عند الصوفية، والإمام أو المهدي المنتظر عند الشيعة.

وهكذا صرن أعلى مشارف سنوات عبد الناصر الخدّاعات التي لم تخل من تبجيل بيادة القائد وبندقيته هكذا عدنا للخلف عقودًا. ثورة وهمية قادها العسكر للتخلص من ظلم الملكية وجريمة العيب في الذات الملكية المنزهة عن الانتقاد أو المحاسبة ليقوموا بثورة أخرى لإعادة ما ثاروا عليه ولكن بشكل جديد وهو العيب في الذات السيساوية.

فبعد أن تم إلغاء المادة (44) في الدستور المستفتى عليه من الشعب 2013 م، والتي كانت تقضي بتجريم سب الأنبياء والرسل والمقدسات الدينية، يخرج علينا كل يوم من يتجرأ على الذات الإلهية، ويسخر من الشعائر الدينية باسم حرية الفكر والثقافة، وحرية الرأي والإبداع، ويستضيف الإعلام هؤلاء الأقزام الطاعنين في العقيدة والدين على أنهم مفكرون مبدعون، وتفرد لهم الصفحات وتخصص لهم البرامج كضيوف أو مقدمي برامج لطرح وتداول فكرهم المشبوه.

فهذا يخالف صريح القرآن وإجماع علماء الأمة، وذاك يطعن في البخاري، وهذا يتهم سيدنا خالد بن الوليد بأنه أكل رؤوس معارضيه وهؤلاء يستضيفهم الإعلام ليعلنوا أنهم ملحدون صراحة، لا يؤمنون بدين، ولا برب، ولا برسول، ولا ببعث، ولا بحساب، ولا بجزاء! كل هذا مباح فنحن في دولة الحريات لا تثريب عليهم كل ساعة تمر يظهر لنا من وسائلهم المرئية والمقروءة من ينفث مخلفاته الفكرية علينا.

منهم وزير معارض للحجاب والنقاب ويرى أنهم من مظاهر التخلف والرجعية وقال بالحرف الواحد: (اختفاء تلك الظاهرة أمر جيد)، بينما يرى العري جمالًا، ومنهم من ترى أنه لا بد من تقنين قوانين للدعارة حتى ينتهي زمن الكبت لدى الشباب،  وهذا يطلق عليه شيخ يفتي لنا بأن يترك الرجل زوجته تغتصب أن استشعر الخوف على حياته والآخر يطلب من الزوج الاتصال بزوجته قبل أن يصل البيت منعًا للمشاكل إن وجد عندها رجل آخر وأن الخمر حلال ما دام لم يصنع من عنب وأن الربا حلال، وهذا البدين اللعين أفردت له صحيفة كاملة ينشر من خلالها سموم حقده على الإسلام ليطالعنا بمانشيت ليالي مجمد الحمراء.

كل ما حرم الله أحل بدعوى حرية الرأي والأمثلة على التطاول على الله ورسوله وكتابه، والصحابة والفقهاء على شاشتنا وعلى أوراق صحفنا لا تعد ولا تحصى والأزهر جثة هامدة متعفنة لم يطلب من الدولة إصدار قانون واحد أو تشريع يجرم هذه الأفعال والأقوال، ولم يشكل لجنة علمية تقوم بالرد على هذه الشبهات حتى لا يفتن بها الناس، بل لم يصدر من مؤسسة الأزهر أو دار الإفتاء أو وزارة الأوقاف أي رد فعل على هذه المهاترات وكأنهم من كوكب آخر.

ولم يقتصر أن صار رسول بأقوال مشايخ السلطان فقط لا بل ومن قساوسة السلطان أيضًا فهذا أحدهم يصفه بأنه عيسى يدخل عليهم كنيستهم في عيدهم، في المقابل وُضِعت القوانين التي تجرم سب الذات السيساوية، فبعد أن وصفوه بأنه عمر بن الخطاب، وأنه رسول من رسل الله، بل تمثل أحدهم بقول ابن هانئ الأندلسي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار *** فاحكم فأنت الواحد القهار

فكأنما أنت النبي محمد *** وكأنما أنصارك الأنصار

قاموا بتجريم سب الذات السيساوية، وفصل أي طالب من الجامعة فصلًا نهائيًا إذا سب السيسي، أو تكلم عنه بسوء، وإيقاف عن العمل والتحويل للتحقيق لمذيعة لمجرد أنها تجرأت وقالت لا بد من محاسبة السيسي وكل مسؤول عما يحدث في البلد.

وعندما ظهر الهاشتاج (#‏انتخبوا ….) المشهور عن السيسي، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وتحول الإعلام إلى المناداة بالأخلاق التي يقتلها كل ساعة، وخرجت علينا عمائم العهر في جميع الفضائيات يقولون عن الهاشتاج: (حرام يستوجب حد القذف)، وبعضهم قال: وقاحة وانحلال، وقال الهلالي: (من تكلم عن الهاشتاج لا توبة لهم من الله حتى يغفر له السيسي)، فجعلوا من السيسي تابوهًا جديدًا حتى اقتنع هو بذلك وهنا صارت المصيبة أعظم فصار يمنح نفسه الألقاب والصفات واصفًا ذاته بأنه طبيب كل الفلاسفة وزعماء العالم قالوا للناس اسمعوا كلام هذا الرجل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معنى (تابو) خط أحمر لا يقبل المجتمع تجاوزه بغض النظر عن مدى كون (التابو) مبررًا أو حتى متناسقًا مع القوانين والشرائع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد