مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ *** ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ»

«ينمو الفساد عندما نُهين المناصب العامة، كما أن الفساد سبب رئيسي في انتخاب قيادات عاجزة عن الفعل، قاصرة الرؤية، من فقه متلازمة الفساد بمصر».
رغم أن
«المنصب» تكليف، ومن الناحية الشرعية هو أمانة يتحمل مسئوليتها صاحبها، ومن قبل ذلك من اتخذ القرار بالتعيين. فالمفترض أن «المنصب» لا يقترب منه إلّا من كان له ويقدر عليه، ولأن المفترض لا يتحقق على أرض الواقع وبخاصة لدينا .

وإذا كان الفساد هو خروجًا عن القانون والنظام (عدم الالتزام بهما) أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو لجماعة معينة، فهو سلوك يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام تطلعًا إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية. وهناك اتفاق دولي على تعريف الفساد كما حددته منظمة الشفافية الدولية بأنه «كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته».


فإن تجذّر الفساد بأي بيئة يبدأ بضعف وهوان المنصب العام، ونقصد به تحديدًا جملة الصلاحيات والواجبات المصاحبة للمنصب العام، والتي تركز بالنهاية على غاية وحيدة وهي تحققّ الصالح العام، فإن تقاعس من يتولَّى منصبًا عامًا عن واجباته ولم يعِ جيدًا صلاحياته، أو أدركهما معًا وتغافل عنهما إهمالًا أو تعمّدًا فإننا نكون بصدد بداية فساد، فالجهل والعمد ركنان رئيسيان في نشأة الفساد ونموه بأي مجتمع.

فقد أوردنا أنفسنا مورد تهلكة وبأيدينا، بأن اخترنا على الهوى والميل الشديد، أصحاب مناصب عامة، لم يحترموها أو يقدّروها حق قدرها، منهم من اعتبرها مغنمًا وآخرون رأوها إرثًا وحقًا خالصًا، والغالبية تصرّفت مع «المنصب العام» تصرف السفيه، فاقد للأهلية الوظيفية أو أحد أركانها، ففقدت المناصب العامة قدرها ووضعَها على أيديهم، فحدث نزيف مستمر في الموارد والطاقات وحادت الدولة على أيديهم عن جادة الحق وفقدت بوصلة اتجاهات التنمية الحقيقية.


فكان أن ظهر لدينا فرع جديد من العلوم وهو «علم إهانة المنصب العام» ذلك الذي يبحث في كيفية تصغير المنصب حتى يتهاوى في أعين الكبير والصغير، القريب والبعيد، وبعد إهانة المنصب يسهل إهانة كل شيء، بما فيها الدولة نفسها .

«إهانة المنصب العام» بمصر أنتج فجوات هائلة وتتزايد وتتسع يومًا بعد يوم بين الناس والحكومة، فجوة من عدم الثقة أو فقدان الثقة بين الطرفين، العامة يرون الحقيقة رأي العين ويلمسون الفساد بأيديهم ولا يملكون تغييرًا له، الإدارة العامة مستفيدة من الوضع بتضخم مصالحها وتوريث أماكنها للأقارب والمحاسيب من أهل الثقة وأصبح دستور الطرفين «كل في فلكٍ يسبحون»، ولعل أزمة الأداء الحكومي، ثم النظام، ترتبط بصورة مباشرة بغياب الفكر الإداري السليم، واختفاء معايير حيادية لاختيار القيادات، وغلبة منهج «أهل الثقة».

  • إذا تطورت الإدارة في مصر بالصورة العلمية الموضوعية، تطور معها كل شيء، وصولًا لأداء عالٍ للنظام والحكومة على السواء.
  • الإدارة هي القاطرة التي تجرّ وراءها كافة مجالات العمل السياسي والحكومي بل المجتمع كافة.
  • إصلاح الإدارة العامة يبدأ بإعلاء قيمة الإدارة نفسها باعتبارها فكرًا ومنهجَ عملٍ.
  • إصلاح الإدارة بمصر يبدأ بتأهيل صفوف إدارية وقيادية كثيرة، وبناء الثقة بين الدولة والناس، تختفي معها الرؤية الأمنية في الاختيار وتحلّ محلها الموضوعية.
  • إصلاح الإدارة بمصر يبدأ بنبذ المحاباة والتوريث.
  • إصلاح الإدارة بمصر يبدأ بالبعد عن فئة التكنوقراط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المنصب
عرض التعليقات
تحميل المزيد