كانت المرأة في المجتمع الروماني تعاني من الذل والهوان والنظرة التشاؤمية لها وحرمانها من العديد من الحقوق، ليس هي فقط،بل يشاطرها في ذلك الظلم الفقراء على وجه الخصوص، الذين حُرموا في الإمبراطورية الرومانية من حرياتهم وحقوقهم السياسية، بل كانوا يخضعون للرق والعبودية متى عجزوا عن أداء الديون المستحقة عليهم! بل جاء في القانون أن في وسع الدائنين لشخص ما مجتمعين أن يقطعوا جسد المدين العاجز عن الوفاء ويقسموه فيما بينهم، لكن في وقت الإصلاحات التي دعى إليها خبراء القانون الروماني رفعت هذه القوانين، واستبدل بها توفير ضمانات كافية لرد الدين.

وكذلك الأمر في الحضارة اليونانية سابقًا، كان الفقراء والفلاحين بمثابة عبيد يُباعون ويُشترون من قبل طبقة النبلاء، إذ كلما عجز الفلاح عن دفع الدين الذي في ذمته صار من حق الدائن أن يبيع المدين؛ ليسترد دينه! وحديثي في هذه المقالة ليس عن وضع النساء ومعاناتهن في العالم، بل عن ذلك الإنسان الكريم، المُعسر  الذي جار عليه الزمن، سواءً كان بمساعدته وسوء تصرفه، أو حدث ما حدث له من نقص في الأموال رغمًا عنه.

ما حصل لطبقة الفقراء سابقًا في تلك الحضارتين، وما يحصل اليوم في المملكة العربية السعودية، جعلني أقارن بين العقوبات التي يتلقاها المعُسر هنا وهناك.

للعلم

القوانين والأنظمة السعودية تجيز للقاضي أن يحبس المدين ويوقف جميع خدماته! ومن ثم لا يجوز الإفراج عنه إلا بموافقة طالب التنفيذ أو بحكم خاضع للاستئناف. وعليه نقول نحن مع كل قانون يُسن لحفظ الحقوق، ولكننا في نفس الوقت ضد أي قانون يشجع على إهانة المواطن أو يستعبده!

الإنسان الذي تعثر بالسداد لعدم القدرة، وليس امتناعًا منه مع قدرته على السداد، لا يجوز حبسه وتقيده بالأغلال ومعاملته كمجرم. ليس هذا وحسب، بل يتم إيقاف راتبه الشهري! فلا هو بالذي سدد الديون، ولا بالذي تُرك راتبه لأهله ليعتاشوا منه، فالراتب هو شريان الحياة، وعندما يُقطع ذلك الشريان المتمثل بالراتب الذي بالكاد يكفي حتى منتصف الشهر ، كيف يتسنى له أن يعيش، وبالتالي لا تجد تلك العائلة التي يعولها المدين ما يسد رمق جوعهم، وهذا يدفع الإنسان للسرقة أو البحث عن أي بديل مهما كان ليكفي حاجته.

النتيجة

هذا القانون يحط من كرامة الإنسان ويتسبب في إهانته وهوانه على الناس. لذا كان لزامًا على من وضع هذا القانون الذي يحارب الناس في أرزاقهم، وأقره أن يراعي تلك الجوانب وأن يجعل للمواطن متنفسًا، فلماذا يتم إيقاف راتبه، بينما يستطيع القاضي أن يجدوله ويقتص منه جزءًا للدائن؟! و يبقي له ما يكفيه وأهله.

ما الحكمة من احتجاز جسد المدين! والسعودية في 15 أبريل 2009 كانت هي أول دولة تصدق على الميثاق العربي لحقوق الإنسان، مادة 18 من الميثاق تحظر حبس شخص ثبت قضائيًا إعساره عن الوفاء بدين ناتج عن التزام تعاقدي، والمشكلة انه في زيارة لأفراد الجمعية لأغلب السجون في المملكة قد كشفت أن نسبة كبيرة من السجناء تم حبسهم بسبب مبالغ بسيطة وهذه الفئة في تزايد بشكل مضطرد.

الخلاصة

حبس المدين لا مبرر له في ظل وجود إجراءات أخرى تضمن حق الدائن دون ضرر أوضرار، لا سيما والمملكة العربية السعودية تسعى نحو انفتاح أكثر على العالم. ذلك الانفتاح الذي لا ينبغي أن يلازمه تضييق على المواطن وعدم ضمان الحياة الكريمة له، فالمملكة العربية  السعودية ليست من الدول الفقيرة التي لا تستطيع تلبية متطلبات مواطنيها والذود بهم عن مستنقع الفقر، بل إنها قادرة أن تضمن لكل مواطنًا سكنًا يأويه، ومرتبًا يكفيه عن اللجوء للديون التي تثقل الكاهل، رفقًا بالمواطن الإنسان يا مملكة الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد