لا تخافي.. لا يوجد خوف هنا.

يمثل هذا العمل الفني الرائع بالنسبة لي تحفة عالمية متكاملة الأركان، ينقل فيها المخرج، وهو نفسه المؤلف الرعب والحزن والألم والأمل داخل كل شخصية ولا يحتاج لكلام لنقل ذلك، فقط تعبيرات الممثلين وانفعالاتهم، والتوتر والخوف والحزن ينتقل لك مباشرة بدون وسيط، وتتوحد مع الفيلم بشكل سريع. وأجد رغبة في عرضه وتخليل بعض الأحداث المهمة فيه.

الفيلم قصير لا يتعدى الساعة ونصف الساعة، ولا يتغير موقع الأحداث، وهو منزل يقطن فيه عائلة في وسط الحرب الدائرة في سوريا، ومن خلال هذا البيت ينقل معاناة السوريين المقيمين هنالك بشكل يؤثر في نفسية المشاهد ويجذبه بشدة للغاية.

ومع وقوع ضحية من بينهم في الشارع في الخارج ريثما خرج من المنزل يشكل التهديد الذي يتلقاه كل من يخرج من المنزل، ذلك المنزل الذي يغلق بخشب وترابيس خشية أن يقتحمه أحد. وتتتابع الأحداث وتتتابع المواقف التي تبين المعاناة، وتبين القوة التي يتمتعون بها، والتي تعينهم على كل ذلك، تلم القوة المتمثلة في هيام عباس الممثلة الفلسطينية الإسرائيلية، والتي أظهر ذلك الدور قدراتها غير العادية في الانفعالات، ونقل كل ما تشعر به، وكل ما يجري لمشاهد بقوة؛ فيتأثر ويتوحد معها، تمتلك أداء يجعلها نقطة رئيسة في إهدار أبعاد الفيلم، وقد تملكت دور المرأة الصادمة التي تحوط حول بيتها ولا تخاف، وتكتم كل مخاوفها وحزنها داخلها، ودائمًا تنتظر زوجها ليعود، وريثما يحدث ما تنتظره تظهر صلابة وقوة لا يتملكها أحد، ويظهر الفيلم في أول مشاهده عدم تأثرهم بالدم ألا القليل منهم وهو الصغير الفتاة التي تعيش على الحرب وتخاف من كل شيء حينما ترى الموت بنفسها، أما الأم والجد فهم اعتادوا الدم واعتادوا الحرب، فقط شغلهم الشاغل الدفاع عن أهل البيت.

تتبع هيام إجراءات صارمة وقت حدوث انفجار أو حدوث طلق نار بالقرب منهم، وتجمع البيت سريعًا لكي يختبئوا، وتجد صعوبة في الحصول على الماء، والمعاناة، ومع ذلك لا تفقد صوابها، وتتمالك أعصابها وحزنها، وتشيخ مع الثواني في الفيلم لما تحتمله من معاناة، ولديها الابن الصغير الذي لا يتعدى السبع سنوات، والذي يعيش في الحرب، ويتشكل وعيه بداخلها، فينام ويستيقظ على طلق النار والانفجارات، التي تصير شيئا عاديا حينما تسمعها، وأنت نائم لن تنتفض، ولن تحرك ساكنًا، بل لن تزعج أحلامك، أو ربما كوابيسك بشكل أدق.

البيت محاط بقناصات، واثنان من أهل البيت يخططان لكي يسافرا ليلًا، ويبتعدا عن سوريا، ويبقيا الأمر سرًا، وتخبر الفتاة الأم بذلك، وتكتم الأم علمها بأن الزوج قد تم قنصه في الخارج وهو ملقى أمام البيت. وفي البيت ينشب محاولات من الدراسة، بالرغم من الموت حولهم، وبالرغم من ضياع المستقبل، ومحاولات للتواصل من خلال الإنترنت والاستماع للموسيقى، محاولات بسيطة للحياة، معقودة على أمل ينتظرونه. تعقد الأم بصرخاتها قولها بأن لن تبرح هذا المنزل، ولن تتركه لأحد مهما كان.

توضح من خلال ذلك مدى تعلقها بالشقة التي تمثل الحياة والوطن في ذلك الفيلم ومدى تمسكها ودفاعها وعدم التسليم لأي شخص مهما يكن، وتتبع بقوتها وتحملها وجلدها ما يجعل هذا البيت، بالرغم من كل ما يتعرض له قائمًا، فهو يتعرض لضرب وانفجارات من حوله، لكن يبقى قائمًا، وتبقى الحياة فيه مهما قتل، ومهما اغتصب من فيه، ومهما حدث من حوادث وهجمات.

يصعب على حليمة وزوجها السفر، ويصعب عليهما ترك المكان، ويشعر زوجها بالعار؛ لأنه يريد الهرب بزوجته وطفله الرضيع من خارج البلاد والحرب قائمة، يتسلل من وطنه ويهرب، ويصير لاجئا، ويبكي بحرقة لتفكيره في ذلك، ويبين تعلقه الشديد بالأرض التي تحمله، ومدى حزنه حين يترك الوطن المنهار، فيترك الوطن منهارا مدمرا، وزوجته تتحرك محطمة.

الزوجة حليمة التي في اقتحام للمنزل قد احتمى الكل في المطبخ، ونسوا الرضيع في غرفة، فواجهت المعتدين وحدها، وضربهم وخلعهم لثيابها واغتصابهم لها بقوة، دون أن تفشي عن تواجدهم بالداخل، وتحمي البيت بجسدها وشرفها حتى يرحلوا ويتركوها ملقاة وتحمي طفلها الرضيع، وتبقى صامدة لا يهتز لها جفن، صلبة تحمل خوفا لوقت طويل على ابنها وعلى حياتها وعليهم أيضًا, وينهار جسدها من الضرب الذي تلقاه وتتقبل صدمات بمعرفة مصير زوجها وتفقد رشدها وأعصابها وتخرج في مواجهة المدافع والقناصات والقذائف لتنتشل زوجها من الخارج لتجد فيه النبض وتجد بعض الحياة فيه، وتسعى مستكملة حول أملها بأن تهرب وتنقذ نفسها وتنقذ وطفلها الرضيع قبل أن يعيش في رعب وتهديد وبين الخطر والحياة وبين كل يوم تحت وابل الرصاص الذي اعتاد على صوته هو والقذائف.

البيت معرض في أي وقت لاقتحامه وتستمر الحياة وتبقى الابتسامه على وجوه الأطفال والشباب والخوف والاضطراب على وجه الأم والبنت الكبرى والجد. تنهار أم يازين التي تقوم هيام عباس بدورها في داخلها حينما لا يعود الأب وتتحمل وتقاوم أن تخرج منها الدموع لكي تبقى صامدة مهما مات ما بداخلها.

وفي الجانب الآخر يتشكل لدينا أعظم وأصعب مشاهد الفيلم وهو النهاية حينما يقف الأب يـتأمل الشارع وصوت يشبه العصافير والغربان في ساعة الشروق، ويبقى صامتًا بلا حركة ولا تعبير، وتتكوم في عينيه الدموع، وهو يتأمل الشارع ويستمع للطيورة، يتأمل ويدخن ويبكي بحرقة، ولا يسمح للدموع بأن تتحرك أو تخرج، يتأمل الوطن والأمل والموت، الوطن الذي ينهار، والحياة التي بات من المستحيل أن تكتمل، والأمل الذي يبقيهم على قيد الحياة، ويعاقرون بالرغم من أنه ترائى لهم أنه شبه مستحيل، والموت الذي يطاردهم من كل جبان، والمدافع والرصاصات. صاغ المخرج هذا المشهد بشكل غير اعتيادي اعتمد على الصوت والصورة، وكل الجوانب لينقل ما يريد أن يقوله، والذي يمكن تمثيله في وقت طويل للغاية، لكنه يعتمد على عبقريته وعبقرية من معه حتى ينقل الصورة كلها والمعاناة والأمل الضعيف والموت والخوف وكل شيء، معاناة أن تعيش تحت النار والرصاص والتهديد بالقتل والاغتصاب، ولا يخرح أحد من البيت، ويعود ولا يحلق سوى بصيص من الأمل، ويتراكم حولك العديد من الموتى، وتنسى لم تعيش، وما السبب، ولا تهتم، وتبقى حياتك مقترنة بآخر فرد قد يبقى معك، ثم تبقى جالسًا في انتظار الأمل، وتقول لن يأتي، وفي انتظار الموت قد يصيبك في معقلك دون أن تحرك ساكنًا، ودون أي خوف.

ينقل الفيلم ما تصنعه الحروب في الإنسان والتغيرات النفسية وآمال كل فرد، وحياة البشر العاديين، ضحايا الحرب والنار الذين يكافحون من أجل البقاء والمقاومة ضد الموت، كيف أن الحرب تستنزف الإنسانية، وآخر ما فينا، وكيف تسعى للتخلي عن كرامتك، وشرفك من أجل غيرك، كيف لا يوجد للخوف مكان، ولا للارتعاش حتى، كيف أن أحزانك وأحلامك لا يمكن إخراجها سوى أمام مرآة الحمام، ومصيرها المرحاض، قبل أن تخرج منه، كيف تعقد حياتك على أمل ينهار، وكيف ينشب ويولد البعض وسط النيران، وكيف يسعى الكل للهروب وهو يموت، أمل في حياة بسيطة، تتراءى لك كل مشاكل، ومعاناة الإنسان، وكل ما يمكن أن يتعرض له من اضطرابات نفسية وألم.

الفيلم يعكس حياة السوريين وحياة الوطن، قصة وطن يدمر، وأمل معقود، وموت في كل مكان، ومعاناة وحياة تستمر في السير، تحكي قصة الحروب والدماء وضحاياها ومعاناة الإنسان وما يجنيه من جراء كل هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد