في كتاب “العرب من وجهة نظر يابانية” لصاحبه نوبو أكي نوتوهارا يقول واصفا حالة القمع المتغلغلة داخل المجتمعات العربية ما نصه: ” أعتقد أن القمع داء عضال في المجتمع العربي ولذلك فإن أي كاتب أو باحث يتحدث عن المجتمع العربي دون وعي هذه الحقيقة البسيطة الواضحة فإنني لا أعتبر حديثه مفيدا وجديا. إذ لابد من الانطلاق بداية من الإقرار بأن القمع -بكافة أشكاله- مترسخ في المجتمعات العربية”. إننا في أوطاننا العربية نعاني من مرض مزمن متأصل اسمه القمع، لدرجة أصبح رجل الشرطة في عداء مع المواطنين الذين يدفعون له راتبه من جيوب ضرائبهم، فبالرغم من أنه من نفس طبقتهم الاجتماعية، إلا أنه يتلذذ في ممارسة تسلطه وقهره على أبناء طبقته، فبيننا وبين الشرطة علاقة مبنية على الخوف والرهبة عوض الاحترام المتبادل؛ فبدل أن نجد رجل الشرطة يؤدي واجبه في حفظ الأمن المجتمعي، ومواطن يعيش حياته بشكل عادي له حقوق وعليه واجبات، نجد العكس من ذلك تماما، علاقة مبنية على القهر التسلط والظلم بكل أنواعه وأشكاله. فعلى حد تعبير د. مصطفى حجازي: فإن أزلام الإقطاعي أشد قسوة وأكثر بطشا منه اتجاه الفئة التي ينتمون إليها في الأصل والتي تنكروا لها كل التنكر بعد أن حظوا بالتقرب منه، وسنحت لهم الفرصة كي يلعبوا دور أدواته القامعة.

نحن المواطنون العرب أو الرعايا العرب – ليسموننا ما يشاؤون- كل يوم يمر علينا نحس فيه بالتفاهة؛ تفاهة الواقع، تفاهتنا نحن، تفاهات الحكومات… فأنت تحس بالتفاهة عندما تذهب للمستشفى ولا تجد طبيبا، تحس بالتفاهة أكثر عندما تجد الطبيب ولا تجد داخل المستشفى سريرا تنام عليه، تحس أنك مغبون عندما تجد -إن كنت من المحظوظين- الطبيب والسرير ولكن جيبك لا يحتوي على ثمن الدواء لعلاج مرضك. تحس بالتفاهة يوم تذهب للمحكمة وتجد أن القاضي لا ينصفك لأنك بكل بساطة لست ابن فلان وعلان، فتسر الألم والظلم في دواخلك. تحس بالتفاهة عندما يتم إدخالك لمخفر الشرطة وتتعرض للإهانات والحط من كرامتك، لا لشيء سوى لأن أباك ليس له نفوذ ولا جاه ولا سلطة حتى يخيف رجال الشرطة. تحس بالتفاهة أثناء دخولك إدارة من الإدارات لأجل قضاء بعض مصالحك فيتم تجاهلك ولا يُعار لك أدنى اهتمام فقط لأنك لا ترتدي بذلة أنيقة باهضة الثمن وحذاء ملمعا بالأسود، ورقبتك مدورة بربطة عنق على شكل جبنة مثلثة…

نحن الشعوب العربية يصدق علينا ما قاله الشاعر مظفر النواب في قصيدته ‘في الحانة القديمة’ عندما تساءل قائلا:

أيقتلكِ البردُ ؟

انا …. يقتلني نِصفُ الدفئِ.. وَنِصفُ المَوقِفِ اكثر

سيدتي نحن بغايا مثلكِ….

يزني القهر بنا..والدينُ الكاذِبُ.. والفكرُ الكاذبُ ..

والخبزُ الكاذبُ ..

نحن الذين نعاني الفقر والجوع والقهر والمرض ولا من يعيرنا أدنى اهتمام، نحن الذين نذهب يوم الجمعة للصلاة من أجل سماع خطبة تمجد الطغيان والعبودية تحت مسمى الالتزام بحبل الأمة والجماعة وتجنب الفتن ما ظهر منها وما بطن وإن لغونا فلا جمعة لنا، نحن الذين نذهب للمدارس والجامعات من أجل التثقيف فإذا بالمقررات تمارس علينا الاستحمار بلغة علي شريعتي حتى نظل على ما نحن عليه وتظل الأوضاع كما هي دائما وأبدا، نحن الذين ندفع الضرائب للدولة دون أن نرى نتائج ضرائبنا في حصولنا على الحق في مجانية التعليم والصحة والسكن، نحن الذين نستيقظ كل صباح ونحن نحلم بأبسط حقوقنا حتى صرنا نرى حقوقنا أحلاما لا يصل لها إلا ذوي الحظوظ الوافرة. والحق ما قاله شاعر القضية محمود درويش: سجل أنا عربي، أنا اسم بلا لقب، صبور في بلاد كل ما فيها يعيش بفورة الغضب.

ذات مرة كان حاكم عربي يُعالج في مستشفى من مستشفيات ألمانيا وكان بالغرفة المجاورة له رجل ألماني فاندهش من كثرة الحرس والاحتياطات الأمنية المشددة، فاستفسر عن الأمر وعلم فيما بعد أنه رئيس دولة فسأل عن عدد السنوات التي قضاها على كرسي الحكم، فأجابوه أنها 25 سنة فقال لهم: إنه رجل فاسد فقالوا له: لماذا؟ قال: لأن من يحكم هذه المدة ولا يستطيع أن يبني مستشفى يُعالج فيه إذا مرض فهو إنسان مفسد وديكتاتور. وبالفعل نحن من يصنع الديكتاتور، نحن الذين نغض الطرف عن ثرواتنا، نحن الذين نسمع ونطيع وكأننا خرفان، نحن الذين نمجد العبودية والتزلف، نحن… المتأمل في وضعية الوطن العربي يجد أن العلاقة التي تربط المواطن مع حاكمه، هي علاقة قائمة على القمع والقهر والخوف، لا الاحترام والثقة المتبادلة، فبسبب الآلة القمعية للحاكم، لم يعد المواطن قادرا على فتح فمه إلا عند طبيب الأسنان فقط، وهنا تتضح المهزلة في أبهى حللها وأكبر تجلياتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد