كتب «كارل ماركس» في عام 1882 رسالة أثناء إقامته في الجزائر إلى رفيقه «إنجلز»، وقد مضى على دخول فرنسا للجزائر أكثر من 50 عامًا، كتب رسالة يصف فيها الشعب الجزائري؛ فحواها «إن هناك مجموعة من الجزائريين يجلسون على طاولة متهالكة، يحتسون القهوة ويلعبون الورق، وهذا هو الانتصار الوحيد الذي سجلته الحضارة ضدهم»!

هذه الرسالة تحمل في طياتها إشارة إلى أنه رغم مرور أكثر من 50 عامًا على دخول فرنسا للجزائر، إلا أن الشعب الجزائري لم يتأثر بالغزو الفرنسي.

مع بداية الاستعمار الفرنسي للجزائر عام 1830 بأمر من «شارل العاشر» ملك فرنسا، وبقيادة الجنرال «دي بورمن»، الذي صرح أنه سيبسط هيمنته على الجزائر، والقضاء على الثورات الشعبية في ظرف ستة أشهر، لكن هذا الحلم لم يتحقق إلا بعد مرور أكثر من 85 عامًا، وبالضبط في سنة 1916 نظرًا للمقاومة الشعبية الشرسة والباسلة من كل مناطق الجزائر.

بعد فترة المقاومة الشعبية أرادت فرنسا أن تثبت عبثًا للعالم أجمع أنها سيطرت على الجزائر عسكريًّا واقتصاديًّا، لكن في الجهة المقابلة بقي النسيج الاجتماعي والديني على حاله، من حيث إنه يتزين بروح الدين الإسلامي، ويتعطر بالعروبة.

لم يتجاوب الشعب الجزائري مع الإعانات والمساعدات التبشيرية، ولا للتعليم الذي وفرته فرنسا في مدارسها، ولم تستطع التأثير حتى في العمال الذين نقلوا للعمل في فرنسا؛ أملًا في انصهارهم في المجتمع الفرنسي، حتى اتَهم الفرنسيون الشعب الجزائري بأنهم يعيشون على هامش التاريخ، بحجة رفضهم لفرصة الانصهار في الحضارة الفرنسية.

حاولت فرنسا جاهدة طمس الهوية الوطنية، وهدم البنية الاجتماعية، عن طريق الترويج للهجة العامية على حساب اللغة العربية الفصحى، وكأن التاريخ يعيد نفسه، حاول مجموعة المستشارين في وزارة التربية الوطنية إلى التفكير في الاستعانة باللهجة العامية؛ بحجة أن الطفل يفهم لغة المنزل، ولا يفهم اللغة العربية الفصحى، من أجل تمرير المادة العلمية، وفي الحقيقة هي عملية حقن عضلي لمخدر، من أجل طمس أحد أهم مقومات الثقافة والفكر وهي اللغة.

كما حاولت فرنسا فصل اللغة عن الدين عن طريق الترويج للإسلام الفرنسي، الذي أظهرته أكثر يسرًا وتحضرًا وانفتاحًا على المجتمعات الأخرى، وهي موجة يتبناها الغرب أيضًا بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؛ بحجة نشر الإسلام المتسامح والمعتدل.

حاولت فرنسا كذلك التأثير على المظهر والشكل العام للشعب الجزائري؛ عن طريق الألبسة التي كانت تقدم في شكل إعانات للأسر الفقيرة والمحتاجة، وتعتبر الموضة الحديثة هي السلاح الأنسب لتمرير مثل هذه المشاريع في العصر الحالي.

في عام 1930 قام «لاكوست» بتحضير حفل لمرور 100 سنة على احتلال الجزائر، وعلى أن الجزائريين باتوا قابلين للاندماج في المجتمع الفرنسي، هذه التظاهرة كانت بحضور مندوبين من كل المستعمرات للاقتداء بالتجربة الفرنسية في الجزائر.

اجتمع الحضور في مسرح كبير لمشاهدة الفتيات الجزائريات بالزي والمظهر الفرنسي، ولكن الدهشة والصدمة كانت كبيرة، حين خرجن بالزي الجزائري التقليدي والمحتشم، استفاقت في صدورهن تلك النعرة الوطنية، حين أحسسن أنهن يستخدمن لطمس وتشويه الهوية الجزائرية.

تُفضي كل هذه الأمثلة إلى أن الحجر الفكري والتغريب الثقافي، لا يمكن أن ينجح بالقوة والتدبير، بل بالعكس قد يجعل الشعوب أكثر تمسكًا بمقومات الهوية؛ وهي اللغة، والتاريخ، والدين، والعادات، والتقاليد.

حامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع، وتعتبر الثقافة هي الرافد الأساسي لأي حضارة؛ فالثقافة هي تأثير الإنسان على ذاته، من خلال المقومات الأساسية؛ وهي اللغة، والدين، والتاريخ، والعادات. أمّا الحضارة فهي تأثير الذكاء والعلم على الطبيعة، ومن الطبيعي إذا كان ذلك الذكاء والعلم مجردًا من المقومات والقيم الأساسية والأصلية؛ فإن ذلك قد ينتج حضارة مشوهة، وناقصة من الناحية الإنسانية والأخلاقية، وهو السبب الرئيسي في زوال أي حضارة عبر التاريخ.

الذي نعانيه اليوم ليس غزوًا فكريًّا وثقافيًّا بفعل القصد والتدبير والتخطيط، بقدر ما هو عبارة عن موجة هائجة تعزز من قوتها، التكنولوجيا المتطورة وما عجزت عنه الحروب الدامية والغزوات في القرون الماضية، نجحت فيه تكنولوجيا الإعلام والاتصال في سنوات فقط.

أكبر خطر يواجه أي ثقافة ليس الذي يأتي من الخارج، بل هو ذلك الذي ينبع من الداخل، ويتطور بصفته قناعة واعتقادًا، حتى وإن كان دخيلًا، وأكبر خطر على الثقافة هو التقليد الذي ينبأ ببداية الانسلاخ عن الأصل الثقافي، ويتعزز أكثر في ظل غياب الإبداع الذي يقودنا في الأخير إلى الذوبان في معتقدات وعادات غريبة عنّا.

كل مجتمع متحضر يسعى جاهدًا إلى أن تحتل ثقافته أكبر مساحة ممكنة من النفوس والعقول، دون أن يكون لتلك الشعوب دافع شرير، أو طبع هدام ومدمر للغة، والدين، والمعتقدات، بل هو إحساس بالسيطرة والتأثير، ومن ثم الاستسلام دون مقاومة، ودون استخدام أي شكل من أشكال العنف والقوة.

إن بناء أي حضارة في المجتمع يعتمد على المقومات الذاتية للثقافة؛ وهي اللغة، والدين، والتاريخ، والعادات؛ التي تعتبر الركائز الأصلية لأي حضارة، والسير نحو مجتمع متحضر بثقافة دخيلة، وليست نابعة من أعماق المجتمع والتاريخ، وغير مرتكزة على عقيدة راسخة يشبه الإبحار دون أشرعة، ودون مجاديف، وعندها يصبح الوصول محالًا.

إن من أصعب أنواع التغيير هو تغيير المعتقد، أو حتى المساس به، وهو الأمر الذي يبعث نوعًا من الطمأنينة، لكن إذا لم نواجه الموجة القادمة من الغرب، والتي تسبح فيها مجتمعاتنا دون مقاومة؛ فقد تقودنا إلى شواطئ ومرافئ غيرنا، وتجعل منا مثل الغراب الذي حاول أن يقلد مشية الطاووس فلا هو بمشيته، ولا بمشية الطاووس.

التاريخ حافل بكل أنواع الغزوات العسكرية، لمختلف الحضارات، التي كان فيها الشاهد الأكبر الدماء التي سالت، والجثث التي دفنت وأحرقت، كما دوّن التاريخ أزمات اقتصادية مفبركة؛ لتركيع وتجويع الشعوب لا تختلف كثيرًا في مضمونها عن الغزوات والحروب الدامية، لكن لم يكتب التاريخ يومًا عن الحرب أو الغزو الذي هو أكثر وأكبر خطرًا، غزو ليس له مكان ولا ميدان، هو غزو شامل وسلس؛ إنه الذوبان والانصهار، بل التحلل تمامًا في معتقدات وعادات العدو، طمعًا في الالتحاق بذيل الحضارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد