القرآن الكريم كلام رب العالمين في صفائه الرباني وإشراقاته النورانية، فلا بد أن يكون معجزًا في كل أمر من أموره، فكل كلمة وكل حرف وكل آية وكل سورة تعتبر معجزة كبرى، لكن الكثير من الناس لا يدركون حقيقة ما فيه من علم. خاصة وأنه الصورة الوحيدة من كلام الله المحفوظ بين أيدي الناس حتى هذا اليوم. إلا أن حفظه من التحريف والتزوير لم يتحقق بفضل الإنسان، بل تحقيقًا للوعد الذي قطعه ربنا تعالى على ذاته العلية. والقرآن الكريم في الأصل كتاب هداية، عقيدة، عبادة، أخلاق ومعاملات، فبقاؤه محفوظًا لـ1400 سنة في لغة وحيه، دون أن يضاف إليه أو يحدف منه حرف واحد، وهذا في حد ذاته معجزة فريدة وعظيمة. فهم كتاب الله ليس بالأمر الهين، ولا بالطريق السهل واليسير، بل هو التزام ومسؤولية ودين كامل علومه كثيرة ومتنوعة يكمل بعضها البعض كما أنها تعتبر دوافع قوية مستمرة في الزمن، ورافعة دائمة للهمم.
 
إلا أن السطحية الفكرية والعقلية، سطحية العقل والتفكير المتمثلة في التعامل مع ظواهر الأمور، دون التعمق فيها والغوص عميقًا في معانيها والانحصار الضيق الدائم عند التعامل مع النصوص والصور في ظواهرها الخارجية فقط دون النفاذ إلى دواخلها، ودلالاتها ومكوناتها وأبعادها الأساسية، التي تعين على التصور الكامل والمعرفة الحقيقية للأمور، والحكم الصحيح عليها. سببها الرئيس انعدام العلم بكيفية فهم كتاب الله سبحانه وتعالى، ولهذا فمن الواجب علينا قبل أن نستفيض في تبيان صور الإعجاز العلمي يجب الكلام والتوضيح لخطورة القضية التي أجدلت الكلام في كثير من صور الإعجاز، حتى أضحت معقدة صعبة عسيرة على أذهان الخلق.
 
كل ما سبق ذكره يدفعنا دفعًا للحديث أولًا وقبل كل شيء عن كيفية وأهمية فهم القرآن بالنسبة للذي يريد أن يتزود ويرتقي في كمالات العلم والعبادة وقول من الله عز وجل؛ لأننا نتحدث عن أعظم مصدر من مصادر التشريع والعلم. فهو أصل الأصول، والكتاب الذي يعد مرجع الدين والعلم كله.
 
لكننا نصطدم بمعضلة الهجر أو الإعراض عن التفكر في كلام الله تهاونًا أو تكاسلًا، وعدم التأمل في آياته، والتروي من معانيه من غير المتخصصين أمر خطير. أما العارف، العالم، العلامة، الشيخ والفقيه الذي مكنه الله من علومه ويسر له أسباب تحصيلها فمصابه جلل، مصداقًا لقوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هٰذا القرآن مهجورًا) (الفرقان : 30).
 
فمن ضوابط فهمه الرجوع إلى تفسير السلف الصالح والصحابة، لأنهم عاصروا التنزيل ورأوا أحوال النزول، فهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال، التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما كبار علمائهم؛ الأئمة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس. ثم النظر في تفاسير أهل العلم. فبعد معرفة هذه الأصول الأربعة، هناك أيضًا اللغة، وخاصة جانب السياق، فهناك ألفاظ تأتي في القرآن ويختلف معناها حسب السياق، إذًا فهم سياق الآيات علم عظيم، كما أن تأمل السياق يعين على الفهم الصحيح، ويعد من أقوى أسباب الترجيح عند الاختلاف في وجوه التفسير، بمعنى أدق ينبغي معرفة أوجه اللغة العربية، وضبطها واختيار ما يناسب السياق، لأن بابه عظيم. أيضًا يلزمنا النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياته وضرورة فهمهما؛ لأنها مبينة كذلك لكلامه سبحانه، دون أن ننسى أحوال النزول وما يتعلق به المكي والمدني، وقصص النزول وأسبابه، وكذلك الناسخ والمنسوخ؛ لأن فيه المقيد وفيه المطلق، وفيه المجمل، وفيه المبين.
 
إذًا السياق هو الغرض الذي تضمنته الآيات، أي الذي ضمن في الكلام، مع القرائن التي حف بها من الخطاب والأسلوب وغير ذلك، كل هذا دال على عظمة كتاب الله. ولهذا فإن معرفة أحوال النزول وما يقصد به أمر غاية في الأهمية، وليس أسباب النزول فقط، نظرًا لاشتماله على عدة أمور، أولها مكان النزول. ثانيًا وقت النزول: هل هو من أول ما نزل، أم من آخر ما نزل. ثالثًا: فيما نزلت الآيات، في الأشخاص ونحو ذلك والديار. رابعًا سبب نزول الآيات.
 
المفردات القرآنية من أعظم العلوم التي ينبغي لطالب العلم معرفتها كذلك، بالإضافة إلى الدلالات التي تتعلق بها، والأهمية القصوى لفهم وضبط معاني القرآن وغريبة. ووجوب تفسير اللفظ بمعناه المعروف، وعدم صرفه عن ظاهره إلا بدليل، فهناك ألفاظ في القرآن تأتي على غير المعنى المشهور أحيانًا، ويكون لها معنى جديد زائد على المعنى اللغوي، فعند العرب سابقًا ألفاظ تأتي في القرآن بمعنى وتعرف بين الناس بمعنى آخر بعد نزول القرآن. أما الآن فسوف ننتقل إلى الكلام عن الناسخ والمنسوخ، النسخ في اللغة له معاني منها في المرتبة الأولى: الإزالة كقوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنىٰ ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ۗ والله عليم حكيم) (الحج : 52). ثانيًا هو نقل الشيء من موضع إلى موضع آخر، مصداقًا لقوله تعالى: (هٰذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ۚ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) (الجاثية : 29).
 
اختلفت ألفاض العلماء في تعريف النسخ، ولعل أكثرها ترجيحًا والأقربها صوابًا هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، ويشترط في النسخ أن يكون الحكم المنسوخ شرعيًا، وأن يكون الناسخ منفصل عن المنسوخ متأخرًا عنه، وأن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين، وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعد نسخًا، لكننا ينبغي لنا أن نعلم أن للنسخ مفهومًا واسعًا عند السلف، يشمل رفع الحكم بدليل شرعي، ويشمل تخصيص الحكم بدليل، ويشمل كذلك تقييد الحكم بدليل. قد اختلف العلماء حول وقوع النسخ في القرآن الكريم، أي النسخ الذي هو مفهومه الخاص. لكن السلف الصالح ربطوا فهم القرآن بمعرفة الناسخ والمنسوخ منه، وبمفهومه العام، كما شددوا على أهمية النبوغ في هذا العلم قبل الشروع في تفسير كتاب الله عز وجل.
 
إذًا فبعد الكلام عن الناسخ والمنسوخ ونظرًا لتسلسل الأدوات وتشابكها، يأتي الدور على أهمية فهم ما يسميه العلماء وجوه النظائر والأشباه ونحو ذلك، بمعنى آخر، النظر في الشواهد من القرآن والسنة، وهو أن نستدعي للنص ما يدل عليه من النصوص الأخرى في الكتاب والسنة. وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، أي توجد آيات لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا إلا من خلال آيات أخرى كما جاء في قوله تعالى: (والسماء والطارق. وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب) (الطارق : 1-3).
 
العنصر الموالي في قضية الإستشهاد هو أن نأتي بآية وآية أخرى، ثم نجمع بينهما، فنستخلص فوائد وأحكام. فنعرف بشكل إعجازي تفاصيل هذه القصة من خلال موضع آخل. كقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: (ولقد آتينا موسىٰ تسع آيات بينات ۖ فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسىٰ مسحورًا) (الإسراء : 101). ثم جاء تفصيل هذه البينات التسع في موضع آخر في قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين) (الأعراف : 133). وقوله عز وجل: (وما تلك بيمينك يا موسىٰ. قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها علىٰ غنمي ولي فيها مآرب أخرىٰ) (طه : 17-18).
 
يعتبر فهم مقاصد القرآن من خلال التفسير المقاصدي لون من ألوان التفسير، لأنه يبحث في الوصول إلى الغايات التي أرادها الله في كتابه، وتحقيق الوصول إلى مراده، سواء كان هذا المراد كليًا من خلال هداية القرآن العامة، أو جزئيًا في آية أو لفض. مقاصده هي الميزان والمعيار الذي لابد منه للمفسرين في مناهجهم وتفسيراتهم؛ فبمعرفتها ومراعاتها يضمن المفسر لنفسه ولتفسيره الدقة والسداد، نظرًا لأن اهتماماته ومقاصده واستنباطاته في نطاق مقاصد القرآن بلا زيادة ولا نقصان، كما تجعل الإنسان المتدبر لكتاب الله متمكنًا من تصور الآيات تصورًا موضوعيًا ومقاصديًا فيربط أجزاء الكلام من أوله إلى آخره في سياق واحد وفي مقصد واحد. عندها يصح الاعتقاد بأن النص القرآني قد أخبر مسبقًا بحقائق كونية وعلمية لم تكن العقول البشرية مدركة لها في زمن ثبوت النص القرآني وبعده إلى أن استطاع العلم لاحقًا الوصول إلى حقائق علمية بعد اتخاده كأساس للبناء عليه بما يتماشى والخلفية العقائدية للمسلمين التي تؤمن بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد