قانون الإهتمام العام للمواطنين والتغيير

إن شعوب العالم العربي والشرق الأوسط كانت تعيش في نوم، وإهمال، وغفلة جماعية عن القيام بدورها في المساهمة في الشأن المجتمعي العام، على المستوى المحلي لأوطانهم، كالقضايا والمواضيع والمصالح «السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الاستراتيجية، التعليمية، الأمنية، الدينية، البيئية، الفكرية، الصحية، الخدمية، الثقافية، التاريخية وغيرها من مجالات الحياة العامة في المجتمعات التي تجمعهم بعضهم مع بعض». فكانت الأنانية عنوان الأفراد المواطنين في المجتمعات العربية الإسلامية، وأصبح كل واحد منهم ينهض يوميًّا من فراشه وهمه الوحيد هو نفسه، فيهتم بشؤونه الخاصة ومواضيعه الفردية الشخصية؛ ليعيش هو رغد العيش فيُؤمن مصالحه الشخصية، مما جعل محور اهتمام الأغلبية واقع أنفسهم وشؤونهم الشخصية، وتركوا الاهتمام بشؤون المجتمع العامة وواقعه، فقدموا مصالحهم الشخصية على المصالح العامة للمجتمع، وهذا هو أحد تعريفات الفساد الحقيقي.

فما الذي حدث نتيجة لذلك.. وما هو الواقع العام الموجود حاليًا في المجتمعات العربية الإسلامية؟

الذي حدث أننا أنتجنا أنظمة حكم سياسية ديكتاتورية، حكمت شعوبها بالحديد والنار لمدة تتراوح بين 20 إلى 40 سنةً، استغلت فيها هذه الأنظمة إهمال الشعوب وجهله بالمواضيع، والقضايا، والمصالح، والشؤون العامة للمجتمع، من أجل تثبيت أركان حكمهم، وإطالة أمده سنين عددًا. هذه الأنظمة استطاعت أن تكرس روح الأنانية في المواطنين؛ فأصبح الأفراد مهتمين فقط بواقعهم الشخصي «أنفسهم، وأسرهم، وذويهم» مما جعلهم يهملون، ويغفلون، ويتركون واقع المجتمع العام وشؤونه ومواضيعه الرئيسية، فنجحت هذه الأنظمة الديكتاتورية في تكريس ثقافة الأنانية في الموطنين، التي ترتكز بالتحديد على تقديم مصالح الفرد الشخصية على المصالح الجماعية العامة للمجتمع.

أما الواقع الموجود حاليًا في المجتمعات العربية الإسلامية، هو أن هذه الأنظمة الديكتاتورية صنعت لشعوبها واقعًا مزريًا جدًّا، فأذاقتها ويلات الفقر المادي والمعنوي، انتشرت الأمية في مجال إنتاج الأفراد لمعارف جديدة «فازداد عدد المهندسين والأطباء، وأصحاب الحرف المهنية الصغيرة، وقلَّ عدد المبدعين في الابتكارات والمفكرين النقديين، والمكتشفين، والباحثين»، انشترت الأوبئة والأمراض غير الطبيعية في أجساد الشعوب، مثل السل، وفقر الدم، والإيدز، والأمراض العصبية الدماغية وغيرها، اعتقل أغلبية المُنادين بالحقوق والخدمات، ومحاربة الفساد الجيوسياسي في المؤسسات الحكومية، واعتقل المبادرون بالإصلاح الفكري والسياسي في هيبات السجون؛ مما صادر الحريات العامة للمواطنين، انفردت شرذمة واحدة من شرائح المجتمع بالغناء الفاحش، وتملك البيوت والسيارات جراءْ اكتسابهم أرباحًا مادية بطرق غير شرعية؛ فتضاعف عدد الفقراء، وازداد عدد الأغنياء، مما جعل الصدقة مجرد أضحوكة يضحك بها هؤلاء على هؤلاء، زاد عدد المتسولين في الطرقات العامة والأحياء الداخلية.

هاجر ولجأ أغلبية الكفاءات العلمية والخبرات المهنية إلى دول الغرب، وبعض دول الخليج، من أجل الحصول على التقدير والاحترام، والخدمات، والحقوق، والحياة الأفضل، استشرت الجريمة المنظمة، والفساد المؤسسي المهيكل في مؤسسات رجال الأعمال الخدمية، والاستثمارية، مثل التهرب الضريبي، وبشرعنتهم لأنفسهم الرشاوى والابتزازات المالية، التي يقدمونها للمؤسسات الحكومية كمبادلة منهم لتحقيق أرباح مالية قصيرة الأجل، وتسيير عمل مؤسساتهم يوميًّا ليزيدوا بها الطاقة الإنتاجية.

زاد معدل العاطلين عن العمل بسبب سياسة التوظيف والتعيين في المؤسسات الحكومية والخاصة، المبنية على معيار الانتماء «الحزبي السياسي، أو العرقي المناطقي، أو الطائفي المذهبي، أو الأسري، أو العشائري، أو الاجتماعي»، مما خفض الإنتاجية العامة للدُّول، وارتفع على إثْرها معدل الديون السيادية للدُّول «هذه الديون ستدفعها حكوماتهم الديكتاتورية مستقبلًا بجمع ما يسمي بمال الضرائب من مواطنيهم»، صنعت أنظمة إعلام محلية موالية للأنظمة الديكتاتورية العربية وحاشيتها ومن لفَّ لفها، مهمتها غسل أدمغة المواطنين بمعلومات وبيانات كاذبة مضللة، وصحف أخرى تُمجّد نظام الحكم وولي الأمر وزبانيته وحاشيته، مثل الفيض النهري في تمجيدهم بالقول «الرئيس أو الأمير، الملك، القائد، البطل، المجاهد المتفاني، الخادم، المبجل… إلخ» ألا يخجل هذا المُّطبّل المنافق.

صنع رجال دين كهنوتيون، مهمتهم بحث نصوص دينية من التراث الإسلامي «الروايات التاريخية» لمنع الناس من الخروج السلمي على الحاكم «يُسمُّونهُ ولي الأمر»، ويقولون إنها ستؤدي لفتنة عامة، ثم يبررون ويشرعنون لظلم الحاكم باسم منع الفتنة، ويزيدونا أيضًا بالقول إنكم أيها الشعوب عليكم بالصبر على الحاكم حتى لو أخذ مالك وضرب ظهرك.

تأسست مؤسسات عسكرية أمنية في أغلبها حارسة للحاكم، وحاشيته، ونظامه، وعصابته، تراقب وتتجسس على المواطنين في الأحياء، والطرقات، والبيوت، بدلًا من أن تحمي وتحرس حريات المواطنين وأمنهم، وتطلعاتهم، ثم بعد ذلك يطلقون على هذه المؤسسات مصطلح «مؤسسات وطنية». أليس هذا بهراء يا سادة!

ازداد معدل الخرافات، والأساطير، والأوهام الدينية في المجتمعات مثل إيمان الأغلبية بدخول الشيطان جسد الإنسان وسكنه داخله، وتحكمه فيه؛ فصنع لهم رجال الدين عدوًّا يمتكلهم، وهم لا يقدرون على شيء، زاد معدل الاكتئاب والإحباط النفسي، وإدمان الشبكات الاجتماعية الإلكترونية، والمشروبات والمأكولات المخدرة، زاد معدل إدمان العرب لثقافة الكلام والقول النعيقي، بدلًا من ثقافة القول والفعل لتغيير الواقع في المجتمعات العربية؛ مما جعلهم يستبيحون الغيبة والنميمة، والجدل والثرثرة الفارغة؛ فانتشرت السيئات المجانية، فامتلأ رصيد الأفراد بالسيئات المجانية في حساباتهم، استباح ضباع، وأشباح، ومجرمو العالم مجتمعات العالم العربي والشرق الأوسط؛ فأخذوا نفظهم، وغازهم، ومواردهم الطبيعة بواسطة توقيع صفقات قذرة مع السياسيين الخائنين، فأورثنا هؤلاء الضباع الديون والأنظمة الديكاتورية السياسية، ودعموها بالمال والإعلام.

زرع الكيان الصهيوني المجرم الفاشي الإرهابي في قلب العالم العربي الإسلامي؛ ليكون معول هدم وزعزعة استقرار للشعوب العربية، وتسلح بأسلحة نووية فتاكة وتكنولوجية تجسس متطورة؛ ليفتت ما بقي من وحدة واستقرار في مجتمعات الشرق الأوسط والعالم العربي، وهو الآن في أشد لحظات فرحه؛ لأن الشعوب العربية إما تحكمها أنظمة ديكاتورية «متوشحة بشعارات الإسلام أو العلمانية» وإما تحكمهم أنظمة عسكرية أمنية تلاحقهم أمنيًّا.

كل هذه النتائج جعلت شعوب المنطقة تعيش واقعًا مريرًا «مزريًا ضنكًا» تحيط بها التحديات من كل حدب وجانب. وبعد كل هذا لا يريدون للشعوب العربية أن تنتفض على هذا الواقع أعلاه. هل نُفصّل لكم شعوبًا على أهوائكم، وابتساماتكم الماكرة أيها الحكام العرب، وحاشيتكم اللصيقة.

السؤال: كيف استطاعت الأنظمة الديكتاتورية السياسية «العربية» أنْ تُدْخل مواطني شعوبها في نوم عميق عن القيام بدورها في الشؤون المجتمعية العامة، مما صنع هذا الواقع المرير الذي أشرنا إليه بالأعلى؟ أو ما هو العامل الذي استغلته هذه الأنظمة لكي تنفرد بالشؤون المجتمعية العامة؟

هذه الأنظمة استطاعت أن ترمي بشعوبها في نوم عميق لسنين عددًا؛ بسبب أنها استغلت عاملًا رئيسيًّا. هذا العامل هو ثقافة الأنانية «الأنا» الموجودة عند الأفراد في المجتمع. وهو عامل فردي، ونعني به عدم اهتمام الأفراد المواطنين بالمواضيع والقضايا والمصالح التي تخص الواقع والشؤون الجماعية العامة للمجتمع وإهمالهم لها مثل «السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الاستراتيجية، التعليمية، الأمنية، الدينية، البيئية، الفكرية، الصحية، الخدمية، الثقافية، التاريخية وغيرها من مجالات الحياة العامة في المجتمع»، ثم اهتمامهم بالشأن والقضايا والمصالح الفردية الشخصية، مثل السعي إلى الرزق يوميًّا لأنفسهم، وتأمين حماية أسرهم وذويهم، مما جعل الشؤون المجتمعية وقضاياها، والخدمات والمصالح العامة رهنًا لأهواء الحاكم ولي الأمر «الشخص الفرد الإله» وحاشيته، ورجال الدين المتملقين، والأجهزة الأمنية، ورجال أعمالهم المتحالفين مع الحاكم استراتيجيًّا أو مصلحيًّا. وأدّي هذا إلى تحكُّم المجرمين من السياسيين، ورجال الدين، وجهابذة أجهزة الأمن السلطانية، لواقع المجتمع وسياساته، وخدماته، ومعدل تطوره، فسخروا كل شيء لمصالحهم. هذا كله جعل الشعوب العربية سلبية، ومنكفية على رأسها في التراب، وغير قادرة على معرفة الواقع المجتمعي العام وتغييره؛ لأنها أساسًا لا تهتم به فكريًّا وأهملته عمليًّا. يقول المفكر والكاتب السعودي إبراهيم البليهي في كتابه «بنية التخلف، 1995» فيما معناه: «إنّ اهتمامات الناس في المجتمع تحدد أنشطتهم، ومساراتهم، وقدراتهم، وبذلك تتحدد نهضة المجتمع وتطوره عن تخلفه وتحجره». من هنا نفهم القانون التالي الذي أسميه «قانون الاهتمام العام والتغيير»:

«كلما زاد معدل اهتمام الناس في المجتمع بالمواضيع والقضايا والمصالح التي تخص الواقع والشأن الجماعي العام، زادت معرفتهم بواقعهم العام، وزادت قدرتهم على المساهمة في تغيير سياسات ورؤى وممارسات نظام الحكم السياسي في مجتمعهم، ومن ثم سيتغير الواقع العام للأفضل. والعكس صحيح؛ كلما تراجع معدل اهتمام الناس في المجتمع بالمواضيع والقضايا والمصالح التي تخص الواقع والشأن الجماعي العام، قلَّت معرفتهم بواقعهم العام، وضعفت قدرتهم على المساهمة في تغيير سياسات ورؤى وممارسات نظام الحكم السياسي في مجتمعهم، ومن ثم سيفقدون الرغبة والقدرة على تغيير الواقع العام، ويكون الميدان العام مخصبًا لأهواء السياسيين الديكتاتوريين، والمجرمين، والفاسدين، فيتحكمون في الشأن العام ثم يأتون ليضيقوا على الأفراد في شؤونهم الخاصة مثل رفع معدل الضرائب عليهم».

لنضرب مثالًا على هذه القاعدة الواقعية

شعوب العالم العربي كانت تعيش في أنانية كاملة لمدة 20 إلى 40 سنة تحت أنظمة حكم ديكتاتورية، صنعت لهم واقعًا حنظليًّا. كان كل فرد يهتم بالشؤون والمواضيع والمصالح والقضايا الشخصية له ولأسرته وذويه، فقلّتْ معرفتهم بالواقع المجتمعي العام، وضعفتْ قدرة التأثير على تغيير سياسات ورؤى وممارسات أنظمة الحكم السياسية نحو مواطنيهم، وبالتالي انفرد سدنة الحكام وأنظمتهم، وحاشيتهم، والمجرمين، وضباع الخارج بالشؤون العامة للمجتمع والميدان العام فتحكموا به، فوضعوا مصالحهم وأهواءهم قبل مصالح المواطنين، فحكموا الشعوب العربية سنين عددًا بالحديد والنار والمكواة. ولكن بمجرد أن تغيرت اهتمامات الأفراد المواطنين في المجتمعات العربية؛ فأصبحوا يهتمون بالشؤون والقضايا والمواضيع العامة للمجتمع، حتى زادت معرفتهم بواقع المجتمع العام، وزادت قدرتهم على التأثير في تغيير سياسات ورؤى وممارسات أنظمة الحكم السياسية، فاستعملت هذه الشعوب أداة تغيير واقعية تسمى بالانتفاضة ووسائلها مثل «الاعتصامات الجماعية الشعبية السلمية، الإضرابات الجماعية عن العمل، المظاهرات الشعبية السلمية، الاحتجاجات الشعبية على سياسات الحكومات الديكتاتورية»، فقاد هذا إلى سقوط القشرة الخارجية لطاغية اليمن «علي عبد الله صالح» وليبيا «القذافي» وتونس «بن علي» ومصر «حسني مبارك» وبشير «السودان»، وما زال الحراك يشتعل ضد طاغية مصر «السيسي»، وسوريا «بشار الأسد»، وليبيا «حفتر» وباقي ملوك وأمراء الخليج العربي أصحاب السعادة والسّمُو، الذين يحكمون الشعوب بالأنظمة الديكتاتورية الملكية، المعتمدة على القبضة الأمنية ومحاربة الإرهاب، أو المتوشحة بشعارات الدين والعقيدة. هنا انتقل مواطنو الشعوب من الاهتمام فقط بالشؤون والمواضيع والمصالح «الخاصة الشخصية لكل فرد منهم» إلى الاهتمام بالمواضيع والقضايا والمصالح التي تخص الواقع والشأن المجتمعي العام، فحدث التغيير. 

وتعليقًا على ما يدور في العالم العربي، فالذي حصل في هذه الدول هو صحيان فكري شعبي، وليس ثورة سياسية شعبية، بمعنى أن الشعوب العربية استرجعت اهتمامها بالواقع المجتمعي العام لدولهم، وكسرت حاجز الخوف من سلطان الحاكم وأجهزته الأمنية وشعاراتهم الدينية الكاذبة؛ فخرجت إلى الشوارع بانتفاضة عارمة لتطالب بأشياء محددة، فالصحيان الفكري الشعبي يقود إلى تحقيق مستحقات محددة يطلبها الشعب، مثل إطلاق سراح المعتقلين، إزالة ظاهرية خادعة لرموز النظام السابق، إلغاء قانون الطوارئ وحظر التجوال، منع رموز النظام السابق من المشاركة في الحكم، وغيرها. أما الثورة السياسية الشعبية من قبل المواطنين تقود إلى نظام مؤسسات ديمقراطية مبنية على المواطنة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات لم تأت بعد.

لأن الدولة العميقة في هذه المجتمعات ما زالت حاكمة بمؤسساتها، ونفوذها، وعلاقاتها، وممتلكاتها الباطنية من المكتب الخلفي، وتعمل على إخبات روح الانتفاضة بإطلاق ثورة مضادة، يضع تكتيكاتها أجهزة الأمن التابعة للنظام السابق، وتمولها دول خليجية إقليمية مارقة، بعد أن يأخذوا التصريح طبعًا من أسيادهم في واشنظن وإسرائيل. لهذا نحن لا نشتري ما يردده العامة في الشوارع والمتفلسفون في برامج التلفزيون، وأذناب الدولة العميقة، بتوصيفهم بأن ما حصل في هذه البلدان «ثورة سياسية شعبية» بل هو صحيان فكري شعبي من قبل المواطنين. 

الآن يا سادة وبعد كل هذا، هل ستهتمون فقط بواقعكم الشخصي اليومي «شؤونكم، ومواضيعكم، ومصالحكم»، أم ستضيفون عليها الاهتمام بواقع المجتمع العامة «الشؤون، والمواضيع، ومصالح المجتمع العامة» فيصبح هذا برنامج حياة مستمرًا لا تتركونه أبدًا.

ألا تبصرون ضباع الداخل، وضباع الخارج تلتف حولكم؟

استيقظوا من نومكم وقوموا إلى مهامكم الشخصية والمجتمعية العامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد