ابتداءً، قبل الإجابة عن هذا السؤال الكبير، لنبحث من الناحية الفلسفية، والنفسية، والفطرية، عن جذور الخلاف بين الناس، وعن طبيعته، وصلته بالخِلقة البشرية، وعن نشأته، ولماذا نشأ؟ ولماذا هو موجود بين البشر جميعًا بدون استثناء؟

التعريف اللغوي:

خالفَ عن يُخالف، خِلافًا ومُخالفةً، فهو مُخالِف، والمفعول مُخالَف (للمتعدِّي).

• خالف الشَّيءُ الشَّيءَ: غايَرَه، باينه، عكس وافقه، كان ضِدَّه ولم يُوافقه: خالف العاداتِ والتقاليدَ،

– خالف ظاهرُه باطنَه.

• خالف الشَّخصَ في الرَّأي.

1 – عارضه أبدى رأيًا مناقضًا لرأيه.

• خالف الحقَّ: ابتعد عنه وحاد.

اختلاف:

1 – مصدر اختلفَ/ اختلفَ إلى/ اختلفَ على/ اختلفَ عن/ اختلفَ في.

اختلفَ

• والمفعول مُخْتَلَف (للمتعدِّي)  اختلفت الأذواقُ تغايرت، تفاوتت وتناقضت، لم تتّفق.

– اختلاف المذاهب الدينيّة، «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ. إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ»: متضارب مضطرب.

• اختلف الصَّديقان في الرَّأي: تغايرا، ذهب كُلٌّ منهما إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، لم يتَّفقا.

لا يختلف فيه اثنان: أمر مُسلّم به.

• اختلف عن أخيه في طباعه: تغاير، لم يُشابهْه.(1).

وهكذا يتبين لنا أنه:

لا فرق بين الخلاف والاختلاف من الناحية اللغوية البتة.

التعريف الفقهي والاصطلاحي:

فمعنى الخلاف والاختلاف هو: المضادة والمعارضة وعدم المماثلة، وهذا المعنى هو الذي جاء في نصوص القرآن الكريم.(2).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: «ولفظ الاختلاف في القرآن يراد به التضاد والتعارض»(3).

وعليه فيكون الخلاف والاختلاف في الاصطلاح هو: «أن يذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر»(4).

تشابه الخلاف والاختلاف في المعنى:

فيمكن القول بأن الخلاف والاختلاف، يراد به مطلق المغايرة، في القول، أو الرأي، أو الحالة، أو الموقف.

والخلاف أعم من «الضد »؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كلُّ مختلفين ضدين(5).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»(6).

أسئلة فرعية:

بعد هذين التعريفين، نطرح هذه الأسئلة الفرعية:

1- هل الخلاف أصيل في الكينونة البشرية؟

2- هل يمكن إلغاؤه من النفس البشرية؟

3- هل يمكن السيطرة عليه، وتوجيهه نحو صالح المجتمع؟

الآية الكريمة التالية:

تبين لنا سر الخلاف البشري، وتجيب عن السؤال الأول، بشكل واضح، لا لبس فيه.

«وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ»(7).

فالله تعالى قد قضى وقدر واختار، أن يجعل الناس مختلفين في كل شيء، في الفهم، والإدراك، والوعي، والعقل، والتفكير، والاختلاف في القابلية للسير في طريق الحق، أو السير في طريق الضلال، وفي اختيار الخير، أو اختيار الشر.

هدف الاختلاف:

لم يشأ الله تعالى أن يجعل البشرية كلها، نسخًا مكررة متشابهة، متماثلة، متطابقة!

مع أنه قادر على أن يفعل ذلك، ويجعل الناس كلهم أمة واحدة – كما ذكر ذلك تعالى في القرآن الكريم ست مرات – ولكن هذا لا يحقق الحكمة من الخلق، ولا يظهر امتياز شخص عن آخر، وتصبح الحياة حينئذ، مملة، سقيمة، رتيبة، متجانسة، ليس فيها تفاعل، ولا تنافس، ولا تسابق، ولا إبداع، ولا ابتكار.

ولكنه شاء سبحانه وتعالى، أن يجعل الاختلاف بين الناس، هو سبب الخلق، حينما يؤكد «ولذلك خلقهم».

الاختلاف غريزة فطرية:

إذن الاختلاف هو: سمة فطرية، وصفة غريزية أصيلة، ومتجذرة في الكينونة البشرية، لا يمكن إلغاؤها، أو طمسها، أو إزالتها من النفس البشرية؛ لأن ذلك يؤدي إلى:

إلغاء الهدف الأساسي من الخلق! وإلغاء الامتحان، والاختبار، ليتميز الناس بعضهم عن بعض.

وهذا هو الجواب عن السؤال الثاني.

قال ابن القيم – رحمه الله – عن الاختلاف: «فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية» «ووقوع الاختلاف بين الناس، أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم، وأفهامهم، وقوى إدراكهم..»(8).

«فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(9).

الاختلاف ليس معيبًا ولا منكرًا:

الاختلاف بين الناس، في كل مناحي الحياة، ليس شيئًا معيبًا، ولا منكرًا، ولا مدعاة للبغضاء، والعداوة بين الناس، أو لتمزيق لحمة المجتمع، أو للصراع، والنزاع، والشقاق – كما يظن بعض الناس – بل هو إكسير الحياة، وهو الذي يبين تفاضل بعض الناس، وتمايزهم عن البعض الآخر.

وهو الذي يعطي للحياة جِدَتَها، وحيوتها، وتألقها، ونضارتها، وتجددها، ويحفز الناس، على الابتكار، والإبداع، وإلى التفنن، في اختلاق طرق متجددة في الحياة.

اختلاف الفقهاء:

فعلى سبيل المثال: اختلاف الفقهاء في الاجتهاد، كان له فائدة كبيرة للمسلمين، لتسهيل أمور عبادتهم، ضمن الحدود الشرعية، بدون تجاوزها، أو التفريط فيها.

ويظهر هذا الأمر جليًّا، وواضحًا في الحج.

فبالرغم من أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يحجْ إلا حجةً واحدةً، وهي حجة الوداع، في السنة العاشرة من الهجرة، إلا أن الفقهاء، استنبطوا منها أحكامًا مختلفة، ومتغايرة، وأحيانًا قد تظهر – لمن ليس لديه إدراك ووعي كامل – متناقضة!

رحمة الله في اختلاف الصحابة:

ولكنه قدر الله تعالى، هو الذي جعل الصحابة، رضوان الله عليهم، تنقل في أحاديثها، روايات مختلفة، عن كيفية الحج، الذي حجه الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعن شروطه وأحكامه، وأركانه كما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله:

«يا أَيُّها الناسُ خُذُوا عَنِّي مناسكَكم، فإني لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بعد عامي هذا»(10).

ليستنبط الفقهاء فيما بعد، أحكامًا مختلفة، لتمكن جموع المسلمين، منذ ذلك الوقت إلى يوم القيامة، بشكل سهل، ويسير، وسَلِس، وضمن المناسك التي رآها الصحابة، رضوان الله عليهم، دون زيادة ولا نقص.

فلو نقل الصحابة، رضوان الله عليهم، طريقة واحدة في أداء مناسك الحج، لجعل في ذلك حرجًا كبيرًا على المسلمين، ولأصابهم العنتَ، والشدةَ، والمشقةَ، أضعاف ما يصيبهم الآن، وفيما بعد!

فلو نفر الحجيج في وقت واحد، من مزدلفة، أو لو رموا الجمرات، في وقت واحد، أو طافوا بالبيت الحرام، في وقت واحد، لكان أمرًا في غاية الصعوبة والمشقة، ولكن قدر الله تعالى، وحكمته البالغة، ورحمته الواسعة بهذه الأمة المختارة، قضت بوجود هذا الاختلاف الحميد، الميمون بين الصحابة، رضوان الله عليهم.

اختلاف الناس رحمة:

ولهذا قالوا اختلاف العلماء رحمة.

نعم إن الاختلاف سواء عند العلماء، أو عند غيرهم، رحمة للبشر جميعًا.

لأن الله، عز وجل، لا يمكن أن يقدر شيئًا على العباد، يسبب لهم العنت، والمشقة، والحرج.

«وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ»(11).

«رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ»(12).

وقال ابن عابدين- رحمه الله-: «الاختلاف بين المجتهدين في الفروع – لا مطلق الاختلاف – من آثار الرحمة؛ فإن اختلافهم توسعة للناس، فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر»(13).

وروي عن عمر بن عبد العزيز قوله: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولًا واحدًا كان الناس فيِ ضيق، وأنهم أئمة يُقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان فيِ سعة»(13).

فوائد الاختلاف:

1- الاختلاف يؤدي إلى تلاقح أفكار الناس معًا، وإلى الاجتهاد، في إبراز، وإظهار الأفكار القوية، للرد على أفكار الآخرين، وهذا يؤدي بدوره، إلى إثراء أي نقاش، أو أي جدال، في أي موضوع من الموضوعات.

2- الاختلاف يؤدي إلى عرض حلول متعددة، ومتباينة، في حل معضلة من المعضلات الاجتماعية، أو السياسية، أو الإدارية، أو العسكرية، واختيار أفضلها، وأقومها، وأصلحها.

3- الاختلاف يعزز، ويقوي لحمة المجتمع، ولا يُضعفها، وينشط العقول، ويدفعها إلى مزيد من التفكير، لاستخراج أثمن، وأغلى، وأحكم ما عندها.

4- الاختلاف يدفع إلى التحرر، من القيود الاجتماعية، التي أصبحت غير مناسبة، وغير ملائمة لوقت من الأوقات، والتحرر من القيود السياسية، والإدارية الروتينية، السقيمة، البليدة، المتحجرة، فيدفع بالعقول النيرة، إلى تغييرها، وتبديلها إلى الأحسن، والأفضل.

مساوئ الاختلاف:

1- تمسك كل فرد برأيه، والتشبث به، والإصرار عليه، والاستهانة برأي الآخرين، وعدم التنازل عنه، أو تبديله، أو تحويره، ليتوافق مع رأي الآخرين.

2- حصول النزاع، والخصام، والصراع، والشقاق، بين الناس، وقد حذر الله تعالى المؤمنين من هذا الأمر فقال:

«وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ»(14).

3- امتلاء القلوب بالعداوة، والبغضاء، والضغينة، وتنافر النفوس، وتباعد الناس، بعضها عن بعض، بالرغم من ترديد المقولة المشهورة «الخلاف لا يفسد للود قضية».

لكن هذه المساوئ المشينة، لا تحصل إلا في المجتمعات البدائية، المنغلقة، المحرومة من الهدي الرباني.

وبتعزيز، وتقوية الصلة مع الله تعالى، تزول هذه المساوئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد