لا شك أن العقول النيرة المتفتحة الناضجة هي ترجمة لحالة فكرية راشدة، فلا هي مراهقة ولا هي متجمدة في مكانها الفكري لا تقدم أو تؤخر، بل تصنع أساليب فكرية وتُشدد على أهميتها. حتى تحولها من فكرة لثوابت وأصل، ونحن في هذا المقال نناقش ظاهرة الجمود الفكري.

دوافعه مع وصف الدواء والبداية بالتعريف

الجمود هو الثبوت وعدم الحركة يُقال جمدت عاطفة الرجل فلا حراك فيه ومن ثم فالجمود الفكري هو ذلك التوصيف جمود بلا حراك أو تجدد يضيف أو ينقذ أو يتراجع ويقيم ماضيه.

ولعل هذا الكثير من الحركات والكيانات -إلا من رحم ربي- في بعض البلدان ويقينًا أهل مكة أدرى بشعابها لكن المقياس ليس له مجال من الإعراب خصوصًا في هذا المقال، لأن الدساتير والرؤى والأطروحات والسعي لترك مناطق العطل والجمود الفكري تحتاج إرادة صادقة وكفى.

فلا هي تنازل عن ثوابت ولا خيانة لدماء الشهداء بل هي تلبية ورفعة وراحة بال.

أسبابه

أولًا: ضعف البصيرة

ضعف البصيرة وعدم الإلمام الكامل بفقه الحياة التي لا تقف أو تتعطل، فعلى مدار الساعة هناك أحداث تستلزم معها حراكًا فكريًا ونشاطًا توعويًا وليس ضيق أفق وشعارات رنانة، ولابد لمن يحلحل هذا الركود والقعود إلى فهم وبصيرة.

ثانيًا: التوسع الفردي

والمقصود أن البعض يتوسع فرديًا في كيان أو حركة مثلاً فيكبر ويصبح الآمر الناهي بحكم موقعه داخل القيادة، فيكون توسعه على حساب مشروع الأمة الجامع، التي بلا شك الكثير من الحركات والكيانات هي دافعة لتصوره، وتكون كطوق نجاة لهذا الترهل الذي تحياه الأمة، فضلاً عن انحسارها وكسرتها، لذلك فالعمل المؤسسي المنضبط ضمانة حقيقية لعلاج الجمود والقعود.

ثالثًا: الاستبداد السياسي

إن المعارك السياسية القائمة بشيء من العنف ضد كل ما هو رافض للظلم والمنادي بالحياة الكريمة هي أيضًا من أسباب الجمود فلا خطوة للأمام، أو للخلف من شدة الوضع، لكن الأمل أن يكون هذا الركود يقابله نشاط في الفرقة وعدم السعي لتوحيد الكلمة والتحام الراية فإذا كان الطغاة أصحاب قبضة قوية، فالسعي للتوحد بمثابة رد صادم لهم.

رابعًا: غياب الأبحاث

من المحزن أن الحركات لا تهتم بالجانب البحثي  على مدار سنوات، ولا زالت حتى اللحظة موضوع البحث العلمي والدراسات ورؤى واستشراف المستقبل.

كل هذا ليس في الإطار الاهتمامي لهم، وتلك مصيبة ربما أوردت أصحابها المهالك

في كثير من البلدان، مع عظمة فضل البحوث والعلوم السياسية الاستشرافية، ولربما وجودها قد هوّن الخسائر أو قلل من حجم الصعاب خصوصًا بعد ثورات الربيع العربي.

خامسًا: محاولات فرض الرأي

إن الجمود الفكري منبعه نفسية عقيمة منهزمة قدراتها قليلة، هي تعلمها فتسعى لفرض هذا الواقع على الجميع بالترهيب تارةً وبالترغيب أخرى، وفي كل الأحوال تلك مصيبة فكرية، فإسلامنا علّمنا أن توظيف الطاقات وفق قدراتها فلا مجاملات في العمل، لأن الأمور كلها مغارم وليست مغانم «كما كنا نفهم». لذلك فسيادة اللوائح والشورى هي ضمانة رحيل المعطل ذي القدرات الضعيفة وفتح المجال لصاحب التخصص، فالاحترافية جزء من حسن الفهم.

العلاج

إن علاج أي شيء في المجال الفكري هو التفكير خارج الصندوق بشكل كبير فلا داعي لتأصيل الفروع وتثبيتها على أنها أصول وثوابت من الدين، فنلبسها لباس القدسية، ومعها يصمت أي شخص يدعو للتقدم والتطور.

الأمر الثاني: حتمية الرجوع لكبار الأئمة من العلماء والمجددين والفقهاء الثقات.

والقبول بأطروحاتهم ونقدهم الذاتي، والعمل على إصلاح كل شيء يعطل زوال هذا الجمود الذي طال وأصاب الجميع في بيئة غير محدثة في زمن التحديث والتطوير وطلوع الفضاء.

ثالثًا: التسلح بسيرة مفكري ورواد التغيير والتطوير من هذه الأمة ومدارسة تاريخهم في مناهج التربية والنشرات الصحفية، وإلقاء الضوء عليهم حتى تعي الأجيال الحالية واللاحقة فضل جهادهم وجهدهم في تكوين رؤية إسلامية حديثة ومحدثة.

رابعًا: الانفتاح على كل التيارات والشخصيات الفكرية الموجودة مع مختلف التوجهات فما بيننا أكثر مما يفرق شملنا، والحوار معهم يُثري ويضيف للطرفين ليبقى الناجح هو الأوطان والدعوات بلا تخوين أو مزايدات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد