بعد اكتساح مواقع التواصل الاجتماعي عالمنا وحياتنا، وإحكام السيطرة على غالبية أدوات التأثير في وعي وإدراك الفرد، والتحكم بكثير من توجهاته وآرائه، وبعد تمَكُّن هذه المواقع من تحليل الأفراد، سلوكيًا ونفسيًا، لدرجةٍ قد لا يتصورها العقل، وبعد تشَّكل المجتمعات الرقمية بشرائحَ كبيرة ومتنوعة، ومن باب ما يسمى استثمار مساحة الحرية الموجودة، والفضاء الواسع، برزت ما تسمى بـ«الحملات الإعلامية الفكرية»، وسَلَكت منهجًا وطريقًا واحدًا منذ ظهورها، خاصةً من قبل التيارات الفكرية والأيديولوجية في عالمنا العربي، ولم تتغير حتى هذا الوقت، كان هذا الطريق المزين بـ«الإنجاز المُوَثَّق»، والمفعم بلغة الأرقام المبهرة، والمُغري بدوره لمن يبحثُ عن طريقٍ سهلٍ يُخفي كثيرًا من العيوب والأكاذيب، ويعطي انطباعًا بالخبرة والإبداع.

بعد دراسةٍ دامت سنوات عديدة، لعددٍ ضخمٍ من هذه الحملات، كان لها القاسم المشترك الأبرز وهو «مضيعة الوقت والجهد والمال»، فأول ما يُسلك في هذا المنحى التجهيز المسبق للحملة فيُبدَأ باختيارِ اسمٍ و«لوجو» للحملة وشعارٍ، و«#هاشتاج»، ومحتوىً مرئيٍ ومسموعٍ ومقروء، وذلك بعد تحديد المسار الفكري للحملة عبر تحديد الأهداف القريبة، والبعيدة، الجمهور المستهدف، النطاق الزمني، وغيرها من الإجراءات التي أصبحت روتينية لغالبية هذه الحملات، قد يأخذ الإعداد شهورًا من الجهد والمال، والعامل الأهم في هذه المعادلة «غرف التغريد» و«الترويج المدفوع»، حيث يستند نجاح هذه الحملات على هذا العامل بشكلٍ أساسي، والذي بدوره يحقق ما يسعى إليه القائم بهذه الحملة وهو «نجاحٌ موثقٌ بأرقامٍ خيالية»، لا يستطيع أحدٌ تكذيبها، بينما يختفي أثر هذه الحملات تمامًا بعد أقل من شهر على نهايتها، متجاهلةً كلَّ ما قد خُطط له من تأثيرٍ بعيد المدى، وتفاعلٍ غير محدود، وتضامْنٍ غير مشروط، وانتشارٍ بلا قيود.

غالبًا ما تربح المنصات الإلكترونية كـ«فيسبوك» آلافِ الدولارات لترويج المحتوى عليها، ولها بعد ذلك الصلاحية بتحجيم كلِ ما وصلتَ إليه من قوةٍ وزَخم، بل حتى تغيير آراء الأفراد والمجتمعات التي أثَّرت هذه الحملات بهم عبر تمرير محتوىً يناكف محتواك، بل تستطيع حذف كل المحتوى والمنصات المتفاعلة بليلةٍ لا ضوءَ للقمر بها، وهي من تحدد الجمهور الذي ستصل إليه، والتفاعل الوهمي، والحقيقي، ولأسباب كثيرة أخرى، فالمعركة بهذه الطريقة خاسرة تمامًا.

كيف تكون أنت الرّْبَّان؟

لا شك أن المساحة الرقمية المتوفرة، والتي يمكن من خلالها العمل على أكثر من مسمى «حملة إعلامية»، بل ترسيخ فكري وتغييرٍ للآراء، لتصل للقيام بثورات فكرية، وحتى تغييرات شعبية، لكن كيف؟ وما هي السبل؟ وكيف تلعب الدُّول هذه اللعبة باحتراف؟

للإجابة على هذا السؤال نحتاج للعديد من الدراسات التي قد يطول تفصيلها لكن يمكننا أن نلخص أجزاءً منها ومناقشتها بعددٍ من النقاط.

أولًا: الحملات الآنية واللحظية «المتزامنة مع الأحداث»

لا يمكن لصناعة الحملة الرقمية عبر التجهيز المسبق أن يحدث نجاحًا، مقارنةً باستثمار الأحداث الآنية والتي قد تكون أكثر نجاحًا وأصوب وأكثر تأثيرًا، لكنَّها تحتاج لجهدٍ وجاهزيةٍ عالية، فتبدأ من ترصُّدِ الحدث، والتفاعل معه عبر عددٍ من المؤثِّرين النُّقاد «ليس بالضرورة أن يكون لهم هوية فكرية»، والذين يكتفون بتسليط الضوء على هذا الحدث، وتوجيه الجمهور للتفاعل باتجاهٍ واحد، بـ«هاشتاج» يحقق الهدف، وبطبيعة ما يسمى بـ«العدوى الرقمية» للكتابة، ستتحول القضية لحديث العديد محدثةً حملةً شعبيةً، «مجهولة الهوية»، ينتقل صداها للعديد من المؤسسات الإعلامية الكبرى، محققةً الانتشار، والشمولية اللازمة، وهنا يمكن العمل على ضخ موادٍ إعلامية تتحدث عن الحدث، وتواكبه بحيث يستمر بها الضغط وإيصال الرسائل المطلوبة.

ثانيًا: رصد المؤثرين

الخطوات السابقة نجحت بها عددٌ من الدول، خاصةً تلك التي باتت تملك ما يسمى «ذبابًا إلكترونيًا» يدعم أي حملةٍ كانت، فهي تتبَّعُ أثرَ كلِ مؤثرٍ على مختلف المساحة الرقمية، تقرِبُهم، وتحاول التأثير عليهم، (كوميديين، ممثلين، ناقدين، رياضيين…)، وذلك عبر عدد من المؤتمرات والتكريمات التي يحظون بها، والكثير من الدعم وتشكيل ما يسمى نواة «مجموعات الضغط».

ثالثًا: غُرف التغريد

عادةً تُكوِّن ما يسمى بـ«غرف التغريد» العامل الرئيس للحملات الإعلامية بعد الدفع للإعلانات المموَّلة، وأقلُّ ما يمكن وصفها أنها مضيعةٌ للوقت، فهدف هذه الغرف عادةً الوصول لـ«ترند» على مواقع التواصل، بنشر مئات من التغريدات تحمل «هاشتاغًا» معينًا، عبر جمع عدد من أصحاب الحسابات، والنشر لعشرات المرات بهدف تحقيق «ترند»، وقد يتحقق ذلك، لكن دون أي وصولٍ حقيقي للتأثير والتفاعُلِ والانتشار، فـ«الترند» الحقيقي هو الذي يكون مُحصِّلةَ تفاعلِ عشراتِ الآلاف من الحسابات المختلفة والأفراد، ويحدث فضاءً رقميًا متنوعًا يسلِّط الضوء، وقادرًا على الضغط وتغيير النمط الفكري.

رابعًا: الابتعاد عن النمطية

صنعت العديد من التيارات الفكرية نمطًا واحدًا لها في ممارسة الإعلام الرقمي، فهي تناشد بذات الشعارات، وتسعى بالتكرار المعروف، وباتت تَنُشدُ التفاعل في أوساطها بالمرتبة الأولى، في ذات المجتمع الرقمي، كمن يدور في دائرةٍ مغلقة، فتسلك ذات المنهجية، وتعزز بذات الطريق، بالرغم من حقيقة الفشل المغلَّفِ بالنَّجاحات الكاذبة، فبالنسبة لنا كمتابعين أصبحنا نعرف من شعارات هذه الحملات ماهية القائمين عليها، وأولها ونهايتها، بل المتفاعلين معها.

خامسًا: البحث العلمي ودراسة المجتمعات الرقمية المتشكِّلة

من المهم جدًا دراسة طبيعة مجتمعاتنا الرقمية، نمط التأثير بها، توجهاتها الفكرية، وسلوكها الرقمي، بمختلف الفئات العمرية، خاصّةً فئتي المراهقين والشباب، والذين تجاوزوا منصاتٍ باتت تقليديةً بالنسبة لهم كـ«الفيسبوك»، واتجاههم نحو تطبيقاتٍ ووسائل أخرى توفر لهم الخصوصية والمحتوى الجاذب، ومن صعوبة البحث الكلي في هذه المجتمعات، عمدت الكثير من الدول شراء هذه المعلومات من مؤسسات متخصصة، أو من منصات رقمية بشكلٍ مباشر كـ«جوجل»، «فيسبوك» و«إنستجرام»، وحتى «آبل، سامسونج» وغيرها، فباب العلاقات العامة مع هذه المؤسسات، بابٌ مؤثر، وهامٌ جدًا، لمن كان يرجو العمل بالاتجاه الصحيح، مع أنه يحتاج للجهد والمال، لكنه بشكلٍ قطعي أفضل مما يصرف على الإعلانات الممولة.

أخيرًا: التغيير والجرأة ومعادلات الصراع

لعل جُلَّ ما نحتاجه اليوم هو التغيير، تغيير الأفراد، والمنهجية والعقول، وتغيير تلك الصورة النمطية عن مفاهيم الإعلام الحديث، بينما تتسارع وتيرة التغيير في وسائل الإعلام الإجتماعي، لتجعلها صعبةَ الدراسة والمتابعة، مازالت الكثير من التيارات الفكرية تستخدم هذه المنصات كمن يستخدم «الراديو» وسيلةً معرفية وحيدة، في زمن العالم الرقمي، فهي لا تتجرأ على التجربةَ، وليس لديها النية في استكشاف ذلك، ولا تغيير مصادر معرفتها، في حين من يتسلّم المقاليد فاقد لما يمكن أن يعطيه، أو «وفي حين صراعها ومحاربتها لقضاياها، قد تجد نفسها خاسرة في أهم ميادين الصراع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد