في السابع عَشَرَ من فبراير (شباط) سنة 2011 قامت الثورة الليبية ضد ظلمٍ قائم وحاكمٍ جائر، وكان الموقفُ رهيبًا بين تلك الجموع التي تخرج كل يومٍ حتى امتلئت الساحات والجبهات لنصرة دين الله أولًا ورفع الظلم عن هذا الوطن، كان حينها التيّارُ الذي يُعرف بالسلفي ونُطلق عليه في ليبيا المداخلةُ نسبةً لشيخهم ربيّع بن هادي المدخلي صامتًا دون أي موقفٍ ممن يستهزئُ بكتاب الله وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وَسَلَّم! وظهر موقفهم بعد مدة بلزوم البيت واعتزال ما يحدث بمسمى فتنة وعدم الخروج عن ولي الأمر وهو في الواقع ظُلمٌ وجورٌ وعبث بدين الله عز وجل، استمر الوقت بهذا الشكل شهرين أو ثلاثة، حتى وصل الأمر بالقذافي أن يتحالف معهم وقد عَلِمَ من ابنه الساعدي، والذي كان قريبًا منهم أن موقفهم الاعتزال وعدم الخروج عن ولّي الأمر ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاحتضنهم النظامُ ويسّر لهم ما يحتاجون وعيّنهم في كل المساجد وفتح لهم أبواب الدعوة لفكرهم والتركيز على موقفهم في عدم الخروج عن ولي الأمر وتحذيرُ الناس من ذلك، ولكن يأبى الله إلا أن يُتِمَّ نورهُ ويرفع الظلم عن عباده وينصرُ دينهُ ورسولهُ الذي استهزأ به ذاك المستبد.

تحررت ليبيا وانتهى النظام وسارت الأمور على ما يرام إلى بداية سنة 2014 بدأت تظهر بعض القِوى العسكرية التي تضمهم في طرابلس وبنغازي بشكل خاص ومناطق أخرى وبدأ الخبيثُ يظهرُ مجددًا في المشهد، محاضراتٌ وجلساتٌ ودوراتٌ لهم وتجمعات، إلى أن ظهر المجرم الانقلابي حفتر، وأعلن عن عمليته المشئومة التي سمّاها الكرامة فكان هذا التيّارُ ذراعهُ الديني ومؤيده وناصره في بنغازي وغيرها، وبدأت تلك القوى العسكرية في عمليات القبض ورفع شعار الإرهاب وشمّاعة الخوارج لمحاربة خصومهم وكل من هو ضدّ أفكارهم بدعوى أنهم هم السلفية الجادة وسالكي الطريق السليم وغيرهم مخالف، حرّقوا بيوت المشائخ وقتلوهم في بنغازي، أحرقوا كل الكتب ولا كُتب إلا كتب مشائخهم، وفيّ طرابلس استولوا على كل المساجد؛ مما جعل الكثير من المصلين ينفرون من المساجد التي يتواجد فيها هؤلاء إلى أن خلص الأمر ببعضهم ليصلي في بيته، كثّفوا من الدورات والمحاضرات للشباب وكما يعلم الجميع أن ليبيا بلدٌ مسلمٌ وسطي، ولكن ما خلّفهُ النظام طيلة 42 عامًا من منعٍ للدعوة وتضيقٍ على الملتزمين والمشائخ جعل أجيالًا تخرجُ هشّة الحجة وضعيفة الدين وقليلةَ الفهم وعقيمةَ العقل مما لبّس عليهم هؤلاء ببعض الكلمات المعسولة والخطابات الخشبية، وهذا لا يعني أننا نعاني نقصًا في العلماء والدعاة، وإنما نعاني نقصًا ومرضًا في نفوس المسؤولين والأنظمة ونعاني من سلبيةٍ جعلتنا نرى المنكر، ولا نغيره بل نتفرّج عليه بصمت.

إن الدعوة الوسطية السليمة قائمةٌ وباقية لا تموت، يحفظها رب العزة ويسخّرُ لها عبادهُ الصالحين، مهما قرّرت الحكومات، واتفقت الأجندات، وتفاهمت العصابات، ومهما كادوا لها من مكائد ومفسدات سيحفظها ويحميها الله من فوق سبع سماوات.

ويذهب بنا السرد إلى أن بدأت هذه المجموعات المنحرفة بالقبض على التوجه والفكر وبمجرد حديث عنهم أيضًا، إلى أن خُطف فضيلة الشيخ الدكتور نادر السنوسي العمراني من قبل هذه المجموعات الضالة وقُتل الشيخ الفاضل بين أيديهم في نوفمبر 2016 ، قتلوه لأنهم عَلِمُوا أن هذا الرجل وأمثاله من علماء البلد سيقفون سدًّا منيعًا أمام أفكارهم وضلالاتهم، ولم يكتفوا بذلك بل أصبحت سطوتهم على النائب العام ومؤسسات الدولة ووضعت قضية الشيخ نادر وغيره على الرّف إلى يومنا هذا.

كانَ تأثيرهم وتلبيسهم واضحًا على الكثير من الشباب لدرجةِ أن تتناقش معهم فيقولون لك أن هذه الفرقة الناجية وأنهم الوحيدون على الحق وغيرهم على باطل، حينما تكون العقول فارغة من السهل استقبال حججهم غير المنطقية، ومع هذا عامةُ الناس أصبحوا يبغضونهم لأفعالهم وباطلهم وتصنيفهم للناس، لا شيء يُشغلهم غير تبديع غيرهم وتجريحهم وخلق الفتنة باستمرار بين الناس.

حينما تستمع لمن كان سجينًا عندهم وخرجَ وهم نادرون فتسمع عن جرائم قتلٍ وأساليب تعذيب حيوانية وأفعال لا تمتُّ لديننا الحنيف بأي صلة، لهم أقطابهم في ليبيا ممن يأخذون عنهم الفتاوى وتضليلُ الناس وخلق الفتنة بينهم.

وفيّ هذا الأيام نسمع ونرى قرارات في بلادنا وغيرها من البلاد بشأن إيقاف التعليم الديني، ففي ليبيا أصدر وكيل وزارة التعليم قرارًا يقضي بإيقاف التعليم الديني من معاهد شرعية ومدارس دينية، وفيّ ذات الوقت نرى في موريتانيا إغلاق مركز تكوين العلماء وجامعة عبدالله بن ياسين، وهذه القرارات الساذجة ستفتح الطرق وتُسهل المسارات للتيارات المنحرفة لنشر أفكارهم والدعوة لمنهجهم وأقطابهم.

والله غالبٌ على أمره، الله رب العالمين خير حافظ لدينه.

أخيرًا لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكُم النار، فهؤلاء ظلموا أنفسهم وظلموا عباد الله ولازالوا يمارسون الظلم بطرقٍ متعددة ومختلفة فاحذروهم وقفوا أمام دعوتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات