يعد الإنسان كائنا عاقلا بالفطرة، وهي ميزة وهبه إياها الله سبحانه وتعالى، وأساس الجزاء والعقاب، في جميع الديانات السماوية والقوانين الوضعية أيضا، ويستكين الإنسان بطبيعته، لكل الأفعال والتوجهات الفكرية والمبادئ العقائدية، التي لا تناقض آراءه ومسلماته العقلية، باعتبارها حقائق مطلقة في نظره، قد تستلم جاهزة كوراثة فكرية، أو تنشأ وتتنامى بطريقة تراكمية، لتصبح وجها آخر لليقين، وبانتقال هذه المسلمات والآراء من العقل الفردي إلى العقل الجماعي، برزت الصراعات الفكرية وتنوعت، وخلقت الفرق والفئات، وكان الخوض في المسائل الجدلية، ميلادا لتيارات فكرية في مجالات عديدة، حاولت أن ترسم الرأي والاجتهاد في المسائل الفكرية على شكل قانون عقلي يطابق قوانين الرياضيات والفيزياء، فعندما يتحول الرأي إلى مسلمة فكرية تطفو إلى السطح بذرة التطرف، ويصبح الإنسان خاضعا لأفكار ومدافعا شرسا عنها، ويرتدي عنوة رداء الأيديولوجيا، وهو لم يسلك يوما طريقا أو منهجا منطقيا للوصول لمسلمة بداية من الشك وصولا إلى اليقين.

يبدأ التطرف الفكري من نقطة يتحول فيها الاختلاف المشروع إلى صدام، ويغذي هذا الصدام العديد من المنبهات، التي تعيش في دواخل الكثير منا، أفرادا كنا أو جماعات، وقد لا نعيرها أدنى اهتمام، وهي نتاج لكثير من العوامل، أهمها التنشئة الاجتماعية، والنظام السياسي، فالتسليم بالانتماء لطائفة دينية أو فكرية أو سياسية، دون وضعها في ميزان العقل والمبادئ، هو تطرف في أقذر صوره، وهو عبودية للتصورات الذهنية الموروثة، وعبر حقب زمنية كثيرة، عاشت الإنسانية أشكالا مختلفة من التطرف الفكري، حولت المسلمات الفكرية إلى مسلمات عقلية، بداية من صراع قابيل وهابيل، وصولا إلى صراع النظريات والمذاهب والرؤى والأيديولوجيات.

ولا يزال العالم يحصد وزر التطرف الفكري، والإسلاموفوبيا وكراهية الآخر، والعنصرية التي نرى مظاهرها في كل بقاع العالم، ونرى معها حملات استعراضية تدعو لنبذها، لكنها لم تحاول أبدا أن تضع حدا لنهايتها، وقد يكون كل واحد من أبنائنا مشروعا مؤجلا لعنصري أو متطرف، وتساهم العديد من العوامل البسيكولوجية والسوسيولوجية، في تقديمه غنيمة للسذاجة، فالقناعات والآراء تحتاج إلى إعادة رسكلة، لتتخلص من شوائب يخلفها صدام الاتجاهات الفكرية وتغيراتها، ولأن الأيديولوجيا هي صناعة فرد موجه، مسلوب الإرادة، يرى في نفسه ثائرا وحاميا لفكره وطائفته، وتختلف أنواع التطرف ودرجاته باختلاف نوعية الصراع، وفي الغالب يكون التطرف ظاهرا كالتطرف الديني والأيديولوجي، وقد يكون خفيا وكامنا، تبرز ملامحه عندما تجتمع أطراف الصراع وظروفه، ويستحيل معها التعايش الفكري.

إن آثار ومخلفات حروب الآراء والأفكار قد تكون أشد وقعا من حروب الأسلحة، لأنها تلامس على المدى البعيد غريزة الأنانية وحب الذات بداخلك، وتعمل على إنتاج قوالب فكرية وثقافية، وترسم معالم الشخصية الفردية والمجتمعية، بقناعاتها ومقدساتها وصراعاتها، فوجود الاختلاف مع مسلماتك الفكرية، هو نقد جاهز ليقينية المبادئ الفكرية، وهي أحد ححج دعاة المخبر والتجربة، لرفض تصنيف العلوم الإنسانية على أنها علم، لأنها تفتقد للموضوعية وتقوم على أساس الأفكار والآراء النسبية، ولا يمكن أن ترتقي لدرجة المسلمات العقلية المطلقة، فتقييم أفكارك وقناعاتك هي خطوة أولى لتفكيك أسباب التطرف، وهي أيضا قفز على حدود خداع الذات بداخلك، فانزع مئزر الذاتية عند عتبة كل نقاش فكري أو رأي مخالف، لترى عالما مجردا من التعصب، ولتعرف أن التطرف لا يخص طائفة أو دينا أو جنسية معينة، بل هو ظاهرة عالمية وجب نبذها ومحاربتها، لأنها تشكل خطرًا على الإنسانية جمعاء، وتهدد هوية ومستقبل أجيال بأكملها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد