لعل الخوض في التعريفات من أوعر الطرق المعرفية، غير أن تلك الإشكالية ليست حديثة العهد فقد بنيت فلسفة سقراط على إشكالية المفاهيم وتابعه أرسطو مؤسس فكرة (الحدود) الجامعة المانعة، والتي تكاد أن تكون المهمة المستحيلة، إذ إن التعريف ومحاصرة المعنى بمصطلح ثابت بينما مدلولاته لا زالت قيد الإنجاز أصلا من التعقيد بمكان جعل قدامى الفلاسفة في عجز عن وضع الحدود الجامعة المانعة لماهية ما، بل كلما بسط المعنى تعقد التعريف حتى قيل أن «أصعب الصعوبات تعريف البدهيات» ولكن كان لا بد من تحديد (رسم) على الأقل للمقصود من المثقف، بمعنى آخر تحديد تعريف بالضروريات على أقل تقدير.

الثقافة التخصص العلمي

فإن كان المثقف هو من توسع في دوائر تخصصه إلى الشأن العام كما يرى عزمي بشارة وهو شرط لازم، ولكن هل هو كاف؟ بمعنى آخر هل لا زال من الممكن أن نطلق على (شاعر القبيلة) مثقفا؟ كون القبيلة وطموحاتها تمثل شأنا عاما بمعنى من المعاني. والنقطة التي أريد أن أثيرها هنا هي مفهوم الثقافة بحد ذاتها وعلاقتها بمفهوم الهوية.

فالثقافة متجذرة في ثلاثة مفاهيم أساسية ملتبسة لا تكاد تستطيع الفصل بين مفاهيمها (الحضارة civilisation)، (الثقافة culture )، (المدنية citizen )، في علاقة جدلية في وعي المثقف لذاته ولأغياره الذي يخلق (أمة) فتكون (الهوية) هي الخلفية التي سينتمي إليها ويعبر عنها. فوعي الذات الجمعية (النحن) هي جزء لا يتجزأ من كينونة فهمنا للمثقف، الأمر الذي سيجعل مفهوم الثقافة متداخلًا مع شريكيه (الحضارة والمدنية).

إلا أنه ومن ناحية أخرى هنا بعض التخصصات والنشاطات الإنسانية لا تخرج عن كونها شأنًا عامًا كالرواية، والشعر، والتشكيل، والموسيقا، ومجمل الفنون الأدائية والتعبيرية والتصويرية، باستثناء الفنون الهابطة وصنوف الأدب الرديء فإن تلك الحقول تفرض على صاحبها أن يكون مثقفا، بما في ذلك العلوم النظرية والتجريبية البحتة حين تتداخل مع التساؤلات الوجودية الإنسانية، فعلم الفلك والفيزياء النظرية تحيلنا إلى كار ساغان الذي لم يتوان عن تذكير البشرية بمدى ضآلتها أمام الاتساع الكوني بالإضافة إلى الكثير من الأسماء التي يمكن ذكرها من الذين وسعوا من اختصاصاتهم العلمية البحتة لتشمل بذاتها جوهر الوجود الإنساني، وعلى سبيل الذكر لا الحصر (ريتشارد دوكنز، نيل ديغراس تايسون، ميشيل كاكو، بيل ناي).

الهوية الأخرى

ومع الأخذ بالاعتبار أننا نتحدث عن المثقف في ظل نظام رأسمالي تحكمه العولمة والرساميل ما فوق القومية، الأمر الذي يعيدنا إلى مشكلة (النحن) وشاعر القبيلة كأضيق تعبير عن (النحن)، إذ إن (النحن) لم تعد القبيلة ولا الطائفة ولا العرق ولا الطائفة الدينية ولا حتى القومية قد تعبر عن حقيقتنا وانتمائنا الوجودي، بل نحن أمام تشكل جديد لهوية إنسانية شاملة تضع البشرية جمعاء أمام مصير مشترك بل وماض مشترك، وعليه فإن صياغة الهوية الإنسانية تقع ضمن الأساسيات المكونة لمفهوم المثقف وجزء لا يتجزأ من تعريفه، وكل انتماء ما قبل إنساني ينبغي أن يجعلنا نتشكك في ثقافة مدعيها والعامل عليها، بل قد استشرف المستقبل بأن الانتماء القادم هو الانتماء الكوني باعتبار الإنسان جزءًا من غبار هذا الكون، بحيث ينبغي أن يدرك الإنسان أنه وأصغر ما يمكن تصوره كائنًا حيًا كان أو جمادا إنما ينتمي على قدم المساواة لهذا الوجود.

بالإضافة إلى ذلك ومن البديهي أن تتوافر لدى حامل المفهوم تلك الملكة في تحويل الواقع إلى منتج ثقافي مستدام، يكون معلما حضاريا للجمع البشري. فالمثقف بطبيعة الأشياء يحول الواقع إلى معنى حامل للقيم، لتضاف تلك القيم العليا إلى النتاجات الإنسانية، وبالتالي تتشكل المنظومة الحضارية والتي ستتحول إلى جزء من الهوية الإنسانية.

كما أن الشك قد يتطرق إلى شرطية التوسع إلى الشأن العام من ناحية أخرى، وذلك أن مصاديق المثقف تشمل المستقيل عنه (المثقف المستقيل) ، بيد أن ذات (التمنع) عن التدخل يعد في حد ذاته موقفا احتجاجيا ولا سيما في المناخات السياسية العربية، التي تحول دون إفساح المجال للمثقف في المساهمة في صياغة الهوية الإنسانية في ظل تلك القيود الدينية والسياسية، مما يعيدنا إلى أهمية الشرط المذكور، بالتالي يضيف البحث معيارا آخر وهو إنتاج الثقافة، فلا يكتفي بإسباغ الصفة لمستهلكها لا بمعنى إخراجه عن دائرة المثقفين بل لعدم القدرة على دراسته بالوسائل التقليدية التي يعد المنجز الثقافي مادتها الأساسية وهو ما ينطبق أيضا على (المثقف المستقيل)، رغم كونه ظاهرة عربية حقًا وتستحق الدراسة إلا أن هذا المقال لا يتمكن من التوسع إليه.

المثقف في المخيال العربي

وفي نقطة أخرى ينبغي التوقف عندها لاستكمال التعريف وهي المثقف كما رسمه مخيال المثقف العربي. وهنا سأعمد إلى ترصد عبارات تبدو غير متسقة مع منهجية معرفية قد يتبعها المثقف، وبمعنى آخر الترصد البريء لسقطات بعض المثقفين العرب عند تناولهم لموضوع المثقف، بحيث لا تنتمي تلك السقطات إلى حقل معرفي وإن كانت تبدو كذلك، إلا أنها تكشف عن المخيال الذي يتدخل في بعض الأحيان إن لم يكن في كثير منها في صياغة الأفكار ذاتها، ففي حين اكتفى محمد أركون في تعريف المثقف بالذي «يهتم بمسألة المعنى» ولا يخفى دلالة (المعنى) في الحقل التصوفي وتجليات اللفظ في عالم المثال، الأمر الذي يحيلنا لما سيأتي التطرق إليه حول قدسية الكلمة ومساحات المعنى الرمزية، بيد أن أركون شاء إدخال شخصيات بعينها في الحقل الثقافي دون التورط في ضبط المصطلح عربيا، بينما يكرر إدوارد سعيد صفة الحقيقي في مقابل المثقف المزيف! فـ«المثقف الحقيقي الحق ليس موظفا أو مستخدما منقطعا كليا لأهداف سياسة حكومية …» ليبدو المثقف مناضلا بالضرورة دائم الإزعاج للسلطات السياسية يضطلع بمهام تغييرية جسيمة معرضا نفسه لشتى أشكال العنف من السلطات مما قد يضطره للاغتراب (الهجرة) والتي تقترب كثيرا من السلوكيات النبوية حين تتقارع المهمة الربانية مع السلطات القائمة، كما أن عزمي بشارة في لحظات تبدو انفعالية شمل جمهور القراء في المفهوم مستعملا اللفظ في غير ما أسس له في الدراسة ذاتها الموسومة بـ(المثقف والثورة) غلب بها الوجه الثوري الطموح أو ما يعبر عنه بشارة بـ(الشأن العام) على الأدوات المعرفية في قراءة الواقع ونقده حين يقول «وإن فئات قارئة ومطلعة كانت في صلب الثورات ولا سيما في أوساط الشباب المثقف». بينما تأخذ شخصية المثقف (مصطفى سعيد) في رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) بعدًا انتقاميًا فينقل الطيب صالح بطله المثقف من ساحة الصراع الثقافي إلى مستوى الانتقام الجسدي وبقي مثقفا عنده.

سلطة المعرفة

يمكن سوق الكثير من الأمثلة من هذا النحو التي تبدو خروجات عن المستوى المنطقي للمفهوم، ولعل عدم القدرة على ضبط اللفظ ليتحول مفهوما، ومن ثم مصطلحا يعود إلى إسباغ الوعي العربي المبني على إرث حضاري ضارب في قلب التاريخ يقوم على التمجيد (النبوي) للقائمين على سلطة المعرفة، بمعنى آخر ما قد نعتقده خللا، هو في الواقع محاولة لتبيئة اللفظ، وإن كان الجابري دعا إلى «تبيئة المفاهيم الحديثة في ثقافتنا» ولكن جرت التبيئة تلقائية على غير ما قد يتمناه مفكر أبستمولوجي كالجابري.

التمهيد التعريفي السابق ليس بحثًا إجرائيًا، بل إضافة إلى ذلك مدخل إلى المشروعية التي يفرض من خلالها المثقف العربي نفسه ليكون موضوع بحث، الذي يرتكز على متلازمة الوعي العربي وسلطة المعرفة، بمعنى آخر تلك العلاقة الجدلية بين المنفعل والفاعل، وبين الذات والموضوع، والمعنى والمثال، وبين القابل الذاتي والفاعل الخارجي. فقد تأسس الوعي العربي على تقديس الاعتراف بهيمنة سلطة المعرفة وبالتالي تسربت إلى حاملها. منذ فجر التاريخ والمخيال العربي ينسج حول موضوع المعرفة حقولا من التقديس والتدنيس كما في آدم التوراتي الذي نازع الرب مكانته بسلطة المعرفة، كما نازع آدم القرآني الملائكة بكلمات تعلمها وجهلتها الملائكة.

 لا يعني هذا أن شعوب العالم كانت أقل اعتناء بالمعرفة بل المقصود هنا تلك الصيغة الميثولوجية التي قدمت بها المعرفة وحاملها في الوعي العربي وتلك المهام الخلاصية التي أناطتها بالمتسيّد على المعرفة، ولا سيما أنها ارتبطت باللغة فتقدس معها الحرف والكلمة، وليبدأ الوجود بكلمة، ويفتتح النص المقدس باسم، هكذا تربع المثقف على عرش المعرفة فبدا خالقا للمنظومات المعرفية المتماهية مع الحقول الدلالية في اللغة ذاتها، بل تجاوزها إلى مختلف الدوال الإشارية في المساحات التي لا تغطيها المنظومة اللغوية ابتكارية كانت أمًا تراثية، وعبر التاريخ البشري كونت اللغة ذاتها وخلقت أوليات الهيمنة، ومن الطبيعي أن يدخل حاملها الاجتماعي أي المثقف كعنصر طبيعي في عمليات البناء لما هو جديد وعامل هدم لما هو قديم، وبما تحمله المعرفة من قدرات سلطوية تحولت إلى ركن لا ينفصم عن المنظومة الرأسمالية الحديثة، وبالتالي تجادلت مع السلطات السياسية من جهة وسلطة الجماهير من جهة أخرى، حين تستطيع هذه الأخيرة أن تحرر ذاتها سواء في المناخ الديمقراطي أو الثوري على حد سواء.

الخلاصة:

خلص المقال أن المثقف هو ذاك المتسيد على سلطة المعرفة، ذو الهوية الأرحب، المنتج للمعرفة والعامل في الحقول الثقافية أو من توسع إلى الإنسانيات محولا الواقع الجامد إلى معانٍ مستدامة.

المراجع

عزمي بشارة، المثقف والثورة، ص9

محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص4

إدوارد سعيد، صور المثقف، ص92

محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص10

انظر رواية مواسم الهجرة إلى الشمال للأديب الطيب صالح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة, فلسفة, نقد

المصادر

عزمي بشارة، المثقف والثورة، ص9
محمد أركون، الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد، ص4
إدوارد سعيد، صور المثقف، ص92
محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص10
انظر رواية مواسم الهجرة إلى الشمال للأديب الطيب صالح
عرض التعليقات
تحميل المزيد