لا جدال أن مصطلح «حقوق الملكية الفكرية» هو مصطلح مستحدث، وغالبًا هو مصطلح مستورد وليس أصيلًا في ثقافتنا الإسلامية والعربية. وكما هو شأن الأشياء عمومًا، فإن مفهوم «حقوق الملكية الفكرية» له ما له وعليه ما عليه. فلا يقبل الترحيب به بشكل أعمى، كما لا يقبل رفضه تمامًا بسذاجة وسطحية. أي إنه يجب التعامل معه باعتدال، لا إفراط ولا تفريط.

في ظل العالم ذي الأيديولوجيات المبنية على التصورات ذات الفلسفات الاقتصادية في المقام الأول، وفي ظل الصراع على امتلاك أسباب القوة والتي تعتمد كثيرًا على امتلاك المعلومة، في ظل تلك الأجواء فإن فكرة حق الملكية الفكرية تكون مقبولة من حيث المبدأ، حيث تحافظ على جهود وإنتاج الفكر الهادف على اختلاف أنواعه.

عن طريق حقوق الملكية الفكرية تحافظ الدولة على نتائج الأبحاث العلمية التي تنفق عليها وتمولها من أموال الشعب، والتي هي أمانة يجب أولًا وأخيرًا أن تعود فوائدها عليه وحده دون غيره. وفي ظل التناحر بين الشعوب وفي ظل النزاعات والخلافات بين الأمم يكون الحديث عن أن «العلم لا دين له ولا جنس» من باب الترف الفكري. لذا كان تطبيق مفهوم حقوق الملكية الفكرية مقبولًا في مجال العلوم البحتة والتطبيقية، والتي يتنافس فيها العلماء ويتسابق فيها كل راع وممول للأبحاث العلمية.

لكن تطبيق مفهوم حقوق الملكية الفكرية قد اتسع نطاقه ليشمل كل سطر مكتوب، سواء كان هذا السطر ضمن العلوم التطبيقية البحتة أو ضمن الآداب والفنون الإنسانية، حتى تطرف فشمل المؤلفات التي توضح للناس دينهم وتاريخهم وحقائق حول وطنهم وغير ذلك من العلوم التي تهدف في أصل فلسفتها إلى بناء الإنسان، والتي غالبًا ما يكون هدفها الأصيل النهوض بمستوى الشعب قيميًّا وأخلاقيًّا.

ثم زادت المعضلة الأخلاقية وراء تطبيق مبدأ حقوق الملكية الفكرية على أعمال ليست أصيلة، بمعنى اعتماد الأعمال على تجميع كتابات الأقدمين، أو الانتقاء منها، أو التنسيق بين أجزائها، أو التعليق على هوامشها.

بل اشتدت الأزمة الأخلاقية حين تمت المطالبة باحترام حقوق الملكية الفكرية لمؤلفات علماء يستهدفون فيها شرح الكتب المقدسة، أو تبسيط شرح الشرائع الدينية، أو تيسير إعمار وتعمير دور العبادة بأساليب حث الناس على الذهاب إليها بعد نسيان الطرق المؤدية إليها سنين طوال.

إذا كان التنافس في العلوم التطبيقية مقبولًا وكان التكسب من ورائها معقولًا، فهل يقبل أو يعقل أن يشترط الداعية أو الواعظ أو المربي أو المهتم بإصلاح الناس التكسب من الدعوة والوعظ والإرشاد وغير ذلك؟ ضف إلى ذلك أن الغالب الأعم والذي يكاد يصل إلى أن يصير كل الإنتاج الفكري من هذا النوع هو مجرد تطفل على علوم الأقدمين المتمثل في التراث الذي هو بالفعل ملك الجميع.

وحتى يكون المثال أكثر وضوحًا، لنسأل أنفسنا؛ في مجموعة مجلدات في الفقه الإسلامي، كم نسبة اجتهاد المؤلف المعاصر في مجموع تلك الصفحات، والتي تطفل فيها بشكل يكاد يكون تامًا على إنجازات الفقهاء الأولين، ويمثل الجديد الذي قدمه بالفعل نسبة تكاد تنعدم من بين عشرات الآلاف من الصفحات المنقولة نصًّا من كتب التراث. ليبرز هنا سؤال مهم؛ أين الإنتاج الفكري في هذا العمل حتى نتحدث عن ملكية فكرية؟

وحتى هذا الجزء الذي أضافه الفقيه أو المؤلف، هو جزء خاص باجتهاده في توضيح رأي الشرع فيما يعلم فيما يخص القضايا المعاصرة، وهنا يبرز السؤال الأهم؛ ما مدى قبول طلب هذا الفقيه اشتراط «الدفع» مقابل «الفتوى»؟

إذا سحبنا هذا التصور على تفسير القرآن الكريم أو تخريج الحديث الشريف، أو شرح السنة النبوية، أو تلخيص التاريخ الإسلامي، أو توضيح قراءات القرآن الكريم، ونحو ذلك من العلوم الشرعية، كيف تكون النتيجة، وكيف يكون تصور وقوع الطالب بين مطرقة اشتراط الدفع من ناحية وسندان تجريم الاقتباس أو الطباعة من الناحية الأخرى؟

أعتقد أن مبدأ حقوق الملكية الفكرية يحتاج إلى إعادة نظر، وأؤكد أنني لا أدعو هنا إلى رفضه بشكل تام، بل على العكس، أدعو إلى حسن فهمه وحسن تطبيقه وإجادة الاستفادة منه، ومراجعة تطبيقه في جوانب معينة من الإنتاج الفكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد