نعم الآن وقد أصبحنا عندما نتعمق ونمعن النظر في بواطن الأمور نجد من المتناقضات والمتشابكات ما يجعلنا ندور في فلك فضاء واسع وأفق متسع بذاته أصبح لزامًا علينا أن نكون أكثر وعيًا بالحيل النفسية التي يلجأ لها البعض لتمرير أفكارهم الناقصة أو المغلوطة أحيانًا مستغلين وهج الهالة التي يخلقونها لتكون حولهم والذين يتعمدون بشكل أو بآخر اللجوء لهذه الأساليب عند عدم منطقية طرحهم وحلولهم فلا بد إذًا من استخدام بعض الإضافات والتي ستعطي انطباعًا إيجابيًا عند المتلقي سيغطي بلا شك على العوار الموجود، ولعلنا سنتعرف معًا على أبرز هذه الإضافات أو إن شئنا الدقة فلنقل “الحيل”.

1- التشدق

في الحقيقة والواقع البحر فيه قواقع هذا ما يفعله البعض ليمرر أفكاره إليك ويخلق هالة حول كلماته لتجد أنه يصر بالفعل على أن يوصل لك فكرة (أنا أفصح منك لأنني أكثر اطلاعًا منك) لتجد نفسك وقد وقعت أسيرًا لهذه الهالة المصطنعة والتي تجعلك غالبًا ما تكمل الاستماع أو قراءة كتاباته للنهاية لا لشيء إلا لأنها تحتوي على طرح بشكل مختلف كليًا عما تعودت عليه بل وقد تجد البعض في كتاباته يختار من المصطلحات ما يجعل القارئ في تحد ذاتي لفهم المقصود وكأن المراد هو استعراض عضلات الكاتب ومدى تمكنه من مفردات اللغة لتجده يكرر وباستمرار مصطلحات مختلفة تحمل نفس المعنى.

ونحن هنا يجب أن نقول أن بعض التيارات الدينية تستخدم المبالغة في الفصاحة للغة العربية للتأثير على المتلقي وبالمقابل نجد بعض المنتمين للتيارات اليسارية يستخدم وبشكل كبير مصطلحات وجمل وحكم باللغة الإنجليزية ليؤكد لك وبشكل خفي أنه متمكن مما يقوله ويعيه جيدًا ومن مصادر مختلفة فليس كل من نمق كلمات مقاله أو حديثه و جعل بدايته أو نهايته ضبابية الشكل هو بالضرورة كاتب مخضرم وناشط ومفكر.

2- التمنطق

هو الحل السحري في وسط الضجيج والصخب الإعلامي فلن تجد سوى صوت العقل للمتلقي لكي تمرر أفكارك له دون وعيه. هنا حيث يسهل تمثيل الدور وببساطة شديدة ينجح مع الكثير لأن من يستخدمه لن يقنعك بشكل مباشر ولن ينتقد أيضًا ما يريد انتقاده بشكل مباشر ولا عجب أن ترى وبشكل ملحوظ تغير أفكار المتلقي بسهولة شديدة مع هذا النوع الذي يعمل بشكل خفي لتجد أن صاحبه يتعمد أن يجرد لك كل ما هو مقدس أو ما تعتبره من الثوابت ليجعلها مسائل فيها نظر إذا تمت مناقشتها بشكل عقلاني لتخضع للتحليل والتقييم بدون أن نخلق حواجز مسبقة وهنا نجد على سبيل المثال استخدام هذا النوع بكثرة في الدعوة للأديان وهو أساس المناظرات الفكرية التي يقيمها من يدعون للإلحاد وقد يكون بشكل أقل حدة في الجانب السياسي لنجد بعض البرامج وقد رفع الهدوء شعارًا له.

3- التحايد

هو من أخطر الأنواع المستخدمة قديمًا وحديثًا فهنا حيث شعار المسافة الواحدة يكون حاضرًا ليسلب انتباه المتلقي ويجعله مقتنعًا أنه سمع وبشكل كاف وجهة النظر المختلفة والتي تؤكد له أنه على الصواب هذا ما يفعله البعض حين يعرض وجهة النظر المخالفة له ولا مانع أيضًا من خلق بعض المساحات للآخرين ليعرضوها ليكون الغرض من هذه المساحة هو إيهام المتلقي أنه ليس أنا من يوجهك بل أنت من تقرر بعد أن تسمع ومن الطرفين طواعية دون تدخل مباشر وهو ما يجعل قرار المتلقي قناعة يصعب بالفعل تغييرها مستقبلًا لأنها أصبحت قرارًا شخصيًا. نلاحظ هنا أن القنوات الإخبارية تتخذ هذا الأسلوب وبشكل ملحوظ لتنفي عن نفسها تهمة أنها مسيسة وهو ما يخالف الواقع بكل تأكيد.

4- التعاطف

العقل والعاطفة في صراع أبدي هنا يلجأ البعض للعب على وتر العاطفة حين يكون صوت العقل عاليًا ليجعل المتلقي ينساق وبسذاجة مفرطة لما يخالف المنطق والفطرة السليمة فهنا يقع المتلقي فريسة هالة خلقت له لتجرده من اتخاذ القرار بشكل سليم وليس التفكير فهنا قد يقنعك الشخص أنه بالفعل يتفق مع أفكارك ووجهات نظرك جدًا لأنها منطقية حقًا لكن ليس كل شيء يجب أن يكون بالمسطرة والقلم فلا مانع من وجود بعض الفوضى لكي تتزن الأمور ليتضح لنا هنا أن من يستخدم هذا الأسلوب يبتعد كل البعد عن كل ما هو منطقي وعقلاني لأنها بالنسبة له معركة خاسرة فهو يركز على السطحيات من الأمور ليخلطها بما يخلق له حالة تستحق التعاطف ولعل أبرز الأمثلة قديمًا هو ما تروجه إسرائيل في ما يسمى بالهولوكست ومؤخرًا ما خطاب مبارك عنَّا ببعيد.

5- التعامق

التفاصيل والمزيد المزيد من التفاصيل ليكون وبامتياز الحشو هنا هو سيد الموقف فلا مانع من أن يقوم بملء الفراغات بالكثير والكثير من الفرعيات التي لا فائدة منها إلا أنه يصر على إيصال فكرة أن الموضوع ليس بسيطًا وسطحيًا كما تظن فهو معقد التراكيب وذو عوامل كثيرة مستترة عنك لذلك لا تستغرب صعوبة الربط بين الحديث وتفريعاته، هذه الحالة يتم صناعتها ليبدي لك توافقه معك وبشكل كبير في ما تعتقده لكنه وبشكل خفي يدس المغالطات في التفريعات وكأنها سبب أو نتيجة مسلم بها لما تكون مقتنعًا به.

وقد تجد أحدهم يكتب مقالًا رتب كلماته فقط بشكل منظم ليظهر مدى الجدية في الطرح وإن كان محتواه صفر على الشمال اللهم إلا كلمات تخرجك من صورة إلى أخرى ومن مشهد إلى آخر حيث أن كل واحد منهم ضبابي بحد ذاته فلا يفهم المغزى ولا يعرف الغرض أصلًا ليترسخ في نفوس القراء الشعور بعمق الكاتب وتبحره في بواطن الأمور وهو على عكس الحقيقة، تذكر جيدًا ليس كل من نمق كلمات مقاله وجعل بدايته أو نهايته ضبابية الشكل هو بالضرورة كاتب مخضرم وناشط ورمز وربما جعله البعض مفكرًا في أغلب الأحيان. غالبًا ما يستهدف بهذه الطريقة العوام من الناس لأنهم الأكثر عرضة لفخ التفلسف.

6- التآرخ

هل شاهدت فيلمًا جديدًا مع أحد أصدقائك الذين سبق وأن شاهدوه؟

هذا بالضبط ما ستشعر به عند الاستماع لمن يستخدم هذه الطريقة فهو يهدف وبشكل واضح لإيصال مفهوم أن الزمن يعيد نفسه وأن ما حدث سيحدث ثانية بلا شك بعيدًا عن المتغيرات والمؤثرات أيًا كانت فهو يتعامل مع الأحداث كصورة جامدة ستكرر نفسها مرارًا وتكرارًا لتجد أن هذا الشخص يغرقك في وحل الماضي القديم بدون ربط منطقي مع المستقبل القريب ناهيك عن البعيد لتعيش حالة انفصامية غريبة ستبهرك وبلا شك ستبهر الكثيرين لأنها حالة جديدة لن تشعر بها إلا مع من يستخدم هذا النوع والذي يؤثر في المثقفين بسهولة لقدسية التاريخ والموروثات القديمة التي نسمعها فقديمًا وحديثًا قالوا “موش أنا اللي بقول التاريخ بيقول كدا”.

7- التماهي

صديقي أنا لست منهم أنا أشبهك، هذه هي الفكرة الأساسية لهذا النوع الرائج جدًا فلا عجب (وإن كان لا حرج في ذلك) أن ترى بعض رجال الدين وقد لبس البدلة عوضًا عن زي الأزهر المعروف ليصل لشرائح أكثر اتساعًا، والبعض قد يتبسط بدرجة مفرطة للوصول بنجاح لفئات معينة فها نحن نجد أحد الإعلاميين وهو يتحدى أحد الشخصيات العامة بمعرفة عدد عيدان الجرجير في الربطة الواحدة وهو هنا يتحداه في البساطة، فهي فن لو أتقنته تأكد أن أفكارك وإن كانت مغلوطة وشاذة ستجد وبلا شك لها صدى مسموعًا.

8- التشويق

هو كلمة السر لسلب انتباه المتلقي لمجرد خلق مساحة كافية لطرح الأفكار الشاذة والمستنكرة فلا سبيل للتأثير على المتلقي هنا سوى أن تمرر هذه الأفكار مغلفة بشكل شيق لنجد المسلسلات أو الأفلام أو الروايات هي أرض خصبة لهذا النوع ليتم تمرير أفكار قد لا تؤثر بشكل مباشر في الوعي لكن مجرد تكرار هذه الأفكار يجعلها تنزل من منزلة الثوابت التي لا يمكن التخلي عنها إلى وجهات نظر تقبل النقاش.

9- التراقم

“وكله بالأرقام” بعد أن ازدحمت أفكارنا بالضجيج والصخب الناتج عن الصراع الذي يفتقد للعقلانية كانت لغة الأرقام هي العنوان لصنع حالة من التوازن اللازم للإقناع، لكن علينا ألا نقع في فخ المتراقمين الذين لا يهمهم إلا الإحصائيات التي تخدمهم فقط ليذكرها لك واحدة تلو الأخرى دون ذكر أي مصدر لها، بل والأغرب أن تجد أن لغة الأرقام تستهويهم لدرجة أن يقوم دائمًا بتقسيم الأشياء إلى قسمين أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة حتى وإن كانت أقل أو أكثر من ذلك لن يذكر لك إلا هذه الأرقام لوقعها على المتلقي وبيان تماسك الموضوع.

10- التهريج

الفخ الحقيقي الذي يجعل من الجميع لا يدركون أنهم قد تغيرت قناعاتهم بالفعل لذلك نجد الصحف لا بد أن تخلق مساحة للكاريكاتير لأنه برغم مساحته الصغيرة لكنه يقوم مقام أعتى المقالات في تمرير الأفكار وخلق وعي جديد ولعل الفن الساخر له احترامه وهيبته لدى المثقفين فها هي المسرحيات الساخرة أصبحت ذات صيت عال ليلحقها بعد ذلك الأفلام الساخرة لتكون مادة دسمة بحق تحتوي على العديد والعديد من الأفكار التي يتم تمريرها تحت غطاء التهريج ولعل أبرز الأمثلة هنا البرنامج الساخر المعروف والذي أغلق مرات ومرات لا لشيء إلا لتشكيله خطرًا حقيقيًا على وعي المشاهد.

الآن علينا أن نكون أكثر وعيًا بالحيل النفسية التي يلجأ لها البعض لتمرير أفكارهم الناقصة أو المغلوطة أحيانًا مستغلين وهج الهالة التي يخلقونها لتكون حولهم والذي يتعمدون بشكل أو بآخر اللجوء لهذه الأساليب عند عدم منطقية طرحهم وحلولهم فلا بد إذًا من إضافة بعض البهارات التي بلا شك ستعطي انطباعًا إيجابيًا عند المتلقي سيغطي وبلا شك على العوار الموجود.

الآن وقد تعرفنا على أبرز الحيل الفكرية لاختراق الوعي أثق أنك تستطيع الآن أن تعرف وبسهولة كم أسلوبًا استخدمت في هذا المقال؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد