إن المشاكل التي تواجهنا أكثر تعقيدًا وعمقـًا من أن تُحل بشكل اعتباطي، أو بمعرفة أناس لا يملكون الخبرة والعلم والحكمة الكافية.

 

 

 

 

 

من المثقفون؟

 

ارتبطت لدى كثيرين كلمة (المثقفين) بكلمة (النخبة) التي تحمل كثيرًا من الدلالات السلبية الظالمة لها بالتأكيد، فبفعل استساغة الأفواه الإعلامية لها واستخدامها ككلمة لها مدلولات هجومية وتشهيرية، ترسخ في عقول كثيرين طبيعة (المثقف) أو (النخبوي) الفاسد والباحث عن مصلحته بالضرورة عن طريق تملقه للحكام وتبريره لأفعالهم،

 

 

 

 

 

وزُج بمعظم الصحافيين والإعلاميين والأكاديميين (الظاهرين منهم في الوسائل الإعلامية) وأعضاء مراكز الدراسات ومستشاري الوزراء والرئيس في زنزانة واحدة لا تفرق بينهم ولا تكاد ترى الفرق بين الصادقين منهم والمدّعين.

 

 

 

 

 

 

وبالنسبة لي، لا أكاد أكتشف كلمة من الكلمات التي تم توظيفها إعلاميًا حتى أتناسى تمامًا المدلول الدارج لها – مثل كلمتي (الإرهاب) و(العولمة) – و أبدأ في اتخاذ معنى آخر أستعملها وأفهمها في سياقه، وذاك يتطلب – بالطبع على عكس ابتلاع المعنى الدارج – بذل بعض المجهود العقلي:

 

 

 

 

 

 

بالطبع لم يُرَد هنا من كلمة (مثقف) المجيد للقراء والكتابة أو المتعلم تعليمًا جيدًا أو الحاصل على شهادة عليا فقط.

 

 

 

 

 

 

ولم يُقصد أيضًا هذا الذي امتهن وظيفة (المثقف)، أي الصحافي أو الدارس للسياسة والاقتصاد أو الفلسفة والتاريخ أو حتى القارئ الشره للكتب، إن كل هؤلاء “متعلمين”، بمعنى أن لديهم ما لا بأس به من العلم والثقافة، ولكنهم قد لا يُعدّون من المثقفين (الذين يمكنهم قيادة حركة الإصلاح) إلا إذا أضفنا اعتبارات أخرى.

 

 

 

 

 

 

ومن أجل أن تتضح هذه الاعتبارات، علينا تقسيم من يُطلق عليهم (مثقفين) إلى أربعة أقسام بشكل متدرج، ففي كل قسم نضيف صفة (أو اعتبار)، فنصل في القسم الرابع إلى الصفات التي يجب أن يتحلى بها المثقف المؤهل للمساهمة في حركة الإصلاح.

 

 

 

 

 

 

الأول، وهو الأكثر عددًا والأوسع انتشارًا، يضم – على حد وصف الدكتور علي شريعتي – “الذين يقومون بعمل عقلي أو ذهني و ليس عملاً عضليًا”؛ أي يمكننا إدخال معظم أولئك الذين يستطيعون القراءة والكتابة والحساب إليهم، فهم موظفو البنوك والمحاسبون والمهندسون والأطباء والأخصائيون الاجتماعيون والمدراء والمعلمون وغيرهم، وهؤلاء لا يمكننا وصفهم بالمثقفين أو المفكرين أو المستنيرين، بل هم بالأحرى “متعلمون”.

 

 

 

 

 

 

والثاني، وهو نوع أقل انتشارًا من الأول، يضم أولئك الذين يشتغلون بالثقافة والصحافة والنشر، فهؤلاء مثقفون و أحيانًا مفكرون، ولكنهم ليسوا بالضرورة “مستنيرين”. دعوني أفصل هذا الأمر أكثر من ذلك، فأقول:

 

 

 

 

 

إن العالم بالشأن العام، والحاصل على قدر لا بأس به من العلم والثقافة والإحاطة بالأمور، هو بالتأكيد ممن استطاعوا تكوين “رؤيتهم الخاصة للعالم”، أي رؤيتهم لتاريخهم وهويتهم وموقعهم من التاريخ ورؤيتهم لما يجب أن يكونوا عليه ومالا يجب أن ينحدروا إليه، لكن هؤلاء ليسوا بالضرورة “مستنيرين”.

 

 

 

 

 

 

 

و قد وصف الدكتور علي شريعتي معنى كلمة “المستنير” فقال: “تعني ذلك الذي لا يتصف بالتقيد والتوقف ولا يفكر بجمود عقائدي، بل يفكر بوضوح وسعة أفق، ويميز عصره والأرض التي يقف عليها، وموقع البلد الذي ينتمي إليه والمشاكل التي تطرح في مجتمعه ويستطيع تحليلها وتقديم الأدلة لها، وإفهامها للآخرين”.

 

 

 

 

 

 

وقد أشار الدكتور علي شريعتي إلى الجمود العقائدي، وهو ما يتصف به كثير من دعاة الثقافة والاستنارة. فلا شك أن من يفكر بجمود عقائدي هو بشكل أو بآخر صديق للدكتاتورية ومؤمن بامتلاك فريقه “الحقيقة المطلقة”.

 

 

 

 

 

 

على المثقف لكي يمكننا أن نطلق عليه “مستنيرًا” أن يؤمن ببعض المبادئ البديهية أولاً، منها أن المصلحة العامة هي دائمًا فوق المصلحة الخاصة، فالمثقف لا يعمل في مؤسسته من أجل راتبه، بل يعمل من أجل خدمة المؤسسة ومن ثم تقديم أفضل خدمة يمكنه من خلال المؤسسة تقديمها إلى البلاد. بل يجب أن تكون رؤيته قائمة على هدف سام يصب في مصلحة العامة وليست قائمة على مصلحة فريق أو مجموعة أو حزب ما.

 

 

 

 

 

 

إن المستنير عارف ومستوعب لمشاكل بلاده الحقيقية وهموم شعبه وهو قادر على تحليلها تحليلاً دقيقـًا وقادر على استنتاج حلول معقولة وعملية وواقعية لها، و قادر على معرفة أعداء وطنه الحقيقيين إذا كان له أعداء، وقادر على معرفة أفضل طريقة لحماية بلاده وهويته من شرهم، وأهم من ذلك كله، يكون له حس فطري وقلب طيب وضمير حي يفرق بهم بين الحق والباطل، ويدفعه ذلك كله إلى الانحياز للحق ضد الباطل، وعدم الحياد عن القيم السامية الضرورية مثل الصدق والأمانة والإيثار.

 

 

 

 

 

 

فهذا هو المتعلم المثقف المستنير، وهو النوع الثالث.

 

 

 

 

 

 

 

أما النوع الرابع، فهو “المتعلم المثقف المستنير الفاعل”، وهو يملك كل مقومات النوع الثالث ولكن يزيد عليها بواحدة غاية في الأهمية، وهي الشعور “بمسئولية المثقف” والرغبة في اقتحام المجال العام والحرص على التأثير فيه. فمسئولية المثقف تجاه مجتمعه، التي ألّف فيها عالم الاجتماع والمثقف الإيراني الدكتور علي شريعتي كتابًا رائعًا بعنوان “مسئولية المثقف”، هي التي إذا كان شعور المثقف بها ملزمًا له، نقلته من النوع الثالث إلى الرابع.

 

 

 

 

 

 

إن التعرض لمثل هذه القضايا الكبرى بنيّة فك ألغازها، لن يستطيع أن يضطلع به إلا هذا النوع الرابع: (المتعلم المثقف المستنير الفاعل). ليس لأن غيرهم لا ينبغي أن يضطلعوا بها، بل لأنهم مهما فعلوا، لن يصلوا إلى النتيجة المبتغاة.

 

 

 

 

 

 

لماذا يجب أن يقود المثقفون حركة الإصلاح؟

غني عن الذكر بالطبع أننا لا يمكننا الطعن في فائدة المساهمات التي لا غنى عنها لمختلف قوى وأفراد المجتمع ومنظماته أو الدولة في تحسين بعض الظروف أو حتى المساهمة في مناقشة وغربلة الأفكار. لكني في الأصل أتحدث عن قضايا أساسية، قد لا يستطيع أو يرغب أحد في تحمل مسئوليتها غير فئة معينة من المثقفين.

 

 

 

 

 

 

 

إن حضارتنا العربية/ الإسلامية في مأزقها الحالي غارقة في عدة مشكلات لا يستطيع الصحفي أو الوزير أو الناشط السياسي أو رئيس الدولة – ليس حتى دراستها و إبداء الحلول لها – بل مجرد تعيينها وتعديدها. بل قد يفتقد هؤلاء القدرة على التأكد من ترتيب أولويات الإصلاح ذاته. يمكن أن يجيبوك عن سؤال (هل يتعين البدء بالإصلاح السياسي أولاً، أم الإصلاح الاقتصادي، أم الإصلاح الديني، أم الاستقلال عن التبعية للدول الكبرى؟) بسرعة وبكل ثقة. وقد تكون الإجابة عن اقتناع كامل.

 

 

 

 

 

 

ولكن الاقتناع الكامل هذا قد لا يعني بالضرورية أنه مبني على فهم عميق للسبب الذي استدعى اختيار تلك الإجابة بالذات، وقد لا تدل هذه الثقة بالضرورة على الإلمام بماهية ذلك الإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو الديني، أو كيفية تحقيقه.

 

 

 

 

 

 

 

 

فلنأخذ مثالين ولنبدأ بالإرهاب، فالسلطة السياسية لا يمكنها وحدها أن تفهم ملابسات استشرائه ولا جذوره التاريخية. ولا يمكنها بالتالي تحديد المنهج الأمثل لمكافحته، ومع من عليها أن تتحالف في مواجهته، إلخ… بالمثل، فإصلاح التعليم لا يتأتى بتعيين وزير تبدو على سحنته النباهة والحنكة، أو مجرد زيادة الإنفاق على التعليم أو إدخال الحواسيب إلى الفصول. فإصلاح التعليم يتوقف على ما نريد أن يكون المجتمع عليه في المستقبل.

 

 

 

 

 

 

 

 

فمثلاً إذا أراد القائمون على الأمر تشكيله بحيث ينتج مجتمعًا صناعيًا ميكانيكيًا لا يهتم إلا بالكفاءة ولا يهدف للوصول إلا إلى القوة المادية، ليس عليهم إلا زيادة جرعة العلوم والحساب واللغات والتقليل من جرعة الفن والآداب والدين والأخلاق، والعكس صحيح.

 

 

 

 

 

 

 

وإذا انتقلنا إلى قضية كبرى مثل الصراع العربي الإسرائيلي، لوجدنا أن القادرين على حل هذا اللغز هم فقط الملمين بالديانة اليهودية وبالمفاهيم الصهيونية وتاريخ وجذور الحركة، والعالمين بكل من ظروف الحركة الاستعمارية وأهدافها الأساسية وعلاقتها بالآباء المؤسسين للكيان الصهيوني، وتاريخ اليهود الأوروبيين وأحوالهم وعلاقتهم بمجتمعاتهم وبالأنظمة المتعاقبة عليهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

وإذا كنا بصدد إيجاد حل قاطع لهذا الصراع، فهل علينا استلهام انتصار صلاح الدين على الصليبيين أم انتصار نيلسون مانديلا على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؟ أم كلاهما معًا؟

 

 

 

 

 

 

 

إذا اضطلع بهذه المهام أشخاص هم أشبه بالموظفين البيروقراطيين، وإذا تم سحب الثقة من المثقفين المتخصصين في دراسة هذه الشؤون وأصحاب الرؤى الجادة في حلها، لن نتقدم خطوة واحدة تجاه حل هذه المعضلات، أو على الأقل سوف نفعل ما نجيده وهو تأجيلها لحين ميسرة، أو الحديث عنها بلغة اختزالية استسهالية تضلل أكثر مما تهدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد