أخطر ما يمكن أن يشعر به الكاتب هو إحساسه بالخوف من كتابة فكرة تخالجه، والأخطر عندما يحاول تنقيحها من كل ما يمكن أن يثير التصادم بينه وبين القارئ، ربما لحساسية الفكرة، أو تناوله لواحدة من تابوهات المجتمع المحرمة، أو ربما لأنه سيتصادم مع فئة كبيرة من القراء لن تبخل بمهاجمته.

بدأ الأمر عندما شعرت بالتردد من الكتابة عن موضوع ما، تذكرت وقتها شرطة الفكر في رواية “1984”، الشرطة التي تحاكمك على أفكار لم تصرح بها حتى، ولكن في الواقع الذي نعيشه هم يلبسون ثوب الأصدقاء والقراء في مجتمع جُبِل على العنصرية في فقه الحرية.

من الصعب أن تُحسب على فئة المثقفين وفي نفس الوقت تنادي بالحرية للإخوان والإسلاميين وقد آمنت بشرعية حكمهم، من الصعب أن تجهر بهذا وتنادي به، سيتهمونك بالنفاق والاضطراب والكذب وعدم النضج، سيتم رجمك ودفنك وقذف أمك وأختك وجميع نسوة عائلتك، لا يجوز في فقه المثقفين أن تكون منتميا إليهم وفي نفس الوقت تؤمن بالحرية للإسلاميين، وأنهم بشر لهم الحق في التعبير ولهم الحق في الخطأ والصواب، نحن في مجتمع يمارس أفراده النازية الثقافية على جميع من هم خارج الطاولة المستديرة، ولأصدقك القول وأكون صريحة معك فأنا لن أعترف بعنصرية الإسلاميين تجاه الليبراليين، لن أعترف بإسطوانة “أيوة مهو لو الإخوان كانوا فضلوا في الحكم كانوا هيعملوا فينا نفس اللي عملوا السيسي”، فالرد هنا بسيط جدا: “ما الذي فعله الإخوان في فترة حكمهم؟!”.

لنتفق مبدئيّا أنني ضد الحكم الصادر ضد الشاب أحمد ناجي قلبا وقالبا، وعندما تبدأ بسرد اتهاماتك تجاهي بأني إخوان وتتناول شرفي وشرف أجدادي وآبائي بكل ما هو بذيء تذكر أنني أوضحت تلك النقطة جيدا، وأعلنت منتهى تضامني مع حرية “ناجي” الذي حكم عليه بسبب بضع صفحات كتبها ونشرها.

ولنتفق ثانية أنني أعلن مدى رفضي لتلك الحماقة التي كتبها مطلقا عليها “أدبا”، والتي جعلت أصدقاءه ومعارفه يطلقون عليه كاتبا، لنرفع سويا لافتات الحرية جنبا إلى جنب مع “ناجي” ولكن لنرفع معها اللافتات الرافضة للحماقات التي كتبها وأسماها “أدبا”.

لا تحاول أن تتلاعب معي في منطقة أنه فنّ وإبداع، ولا تحاول إقناع نفسك أنني أنتمي إلى فئة الإسلاميين المتخلفين ومن الطبيعي أن أتبنى هذا الرأي، سيدي أنا أعترف منتهى الاعتراف وأكن كل الاحترام لروايات مثل “ظل الأفعى” “شيكاغو” “النبطي”.. تلك الروايات التي تحتوي جنسا فجّا وصريحا مفرودا في عدد لا بأس به من الصفحات، ولكننا لا نستطيع أن نقول إن هذه الروايات ليست أدبا، هي بالتأكيد “أدب”، هل هناك مثل “غادة السمان” في مشاهدها  الجنسية المكتوبة في رواياتها ولا نستطيع أن نسلب منها صفة الأدب، ولكن صدقني أن رواية أحمد ناجي “استخدام الحياة” -والتي حكم عليه بالسجن بسببها- ليست أدبا على الإطلاق، تستطيع أن تكتبها في مدونة أو “نوتس” على الفيس بوك، أو بضع تغريدات على “تويتر”، تستطيع أن تسردها كسيرة ذاتية وتدع أحد الكتاب يصيغها في كتاب بلغة أدبية وعربية لائقة، ولكن لا تكتب هذا السخف ثم ترفع لافتة “الحرية للإبداع”!

أنا سأرفع معك لافتة “الحرية للإنسان أحمد ناجي”، ولكنني سأمزق لافتة “الحرية للمبدع أحمد ناجي”!

المثقفون في بلداننا يعتنقون منهجا متعصبا في العنصرية، من صوره ما قيل عن أعرق وأقدم مقاهي المثقفين في وسط البلد “مقهى ريش” أن صاحبته تتخذ لنفسها كرسيا بجانب باب المقهى وأمامها ورقة مكتوب فيها أسماء الزوار والمرتادين المسموح لهم بدخول المكان، وأي شخص آخر خارج تلك القائمة يتم منعه من الدخول!

كنت أكتب في أحد أشهر المجلات الشبابية والتي تنادي بالمساواة والحب وترفع أغنية “حب روح للناس يا حب خلي الناس تحب والله مالينا غيره” شعارا لها، ما إن وقع الانقلاب العسكري على الرئيس الشرعي للبلاد حتى تم تجنبي من معظم أعضائها بشكل صادم، أبسط أشكال التجنب تمثلت في “ديليت الفيس بوك” أو التوقف عن محادثتي.

أحد زملائي من الكتاب الشباب المشهور والذي حققت إحدى رواياته أعلى المبيعات لفترة زمنية ليست بالقصيرة تعامل معي بمنتهى القسوة لأنني كنت أقف موقفا واضحا وقويّا وصريحا مع الإخوان ومع اعتصام رابعة، الغريب أن هؤلاء هم نخبة المثقفين المصريين الذين نستقي منهم الآراء والأفكار ونتشرب منهم العنصرية، العنصرية التي جعلت الفيس بوك يهيج على الشاب “عمار مطاوع” -أحد الشباب الإسلاميين والمختص بملف الفتيات المعتقلات- لأنه فقط عبر عن رفضه للعنصرية التي يتم التعامل بها مع قضية “أحمد ناجي”، أخطأ “عمار” في عدة تعبيرات شوهت وجهة نظره نعم، ولكن لماذا لا نتقبل أن هناك من يرفض هذا الهراء، وهناك من يرفض أن يتم التعامل مع الحرية بعنصرية، لماذا يتم التغاضي عن مجهودات الشاب المضنية في التعريف بالمعتقلات وصنع ملفات شخصية عنهن حتى لا ينساهن الناس، ويُختصر شخصه في مجرد رأي أبداه مع تأكيده أنه يرفض قضاء السيسي ودولته وحكومته.

الحرية في زماننا حكر على مرتادي مقاهي وسط البلد، والقائمين على ميريت، وحاملي الزهور إلى علاء ودومة.

أجرت قناة بي بي سي حوارا مع عبد الرحمن منصور الذي أدار صفحة “كلنا خالد سعيد” لفترة من الزمن، سألته المذيعة: “هل شاركت في اعتصام رابعة؟؟”، لا تتخيل كيف تحول لونه للأحمر والأزرق والأصفر وهو يضطرب في ردوده: “ممم رابعة ولا النهضة..”، “ممم أصل أنا منزلي قريب من رابعة”.

الرجل هنا ليس خائفا فهو ليس مقيما في مصر الآن، ولكن أحيانا يصيبنا الخوف من أن ينسى الآخر جميع مواقفنا ومجهوداتنا ويرفض آراءنا وتوجهاتنا التي تضامن معها في بدء الأمر لمجرد معرفته بأنك تدعم الشرعية أو أنك تدين مجازر السيسي ضد الإسلاميين.. صرنا نخاف من رفضنا أكثر من خوفنا من اعتقالنا.. لقد كنتُ خائفة جدّا من كتابة هذا المقال حتى لا تتهمني بالأخونة وتمحو تاريخي بالكامل معك، تمحو مقالاتي التي أعجبتك سابقا وترفض أي مقال يعجبك لاحقا.. نحن نعاني من أزمة حريات ليس مع السلطة، ولكن مع أنفسنا.

في 2016، انتشرت شرطة “العنصرية الثقافية”، ينتشرون بين أروقة “بوستات” الفيس بوك، وعلى مقاهي وسط البلد، وفي أبنية دور النشر العميقة، يحتكرون الحرية لأنفسهم ويسلبونها من غيرهم، هؤلاء هم من أعدوا كرسي السلطة بمنتهى الترحاب للعسكر، وسلبوا الديمقراطية من أهلها لمجرد أنهم لا يشبهونهم ولا يلائمون عمق دخانهم الثقافي المبعوث من أزقة شوارع فكرهم.

ربما على أحدهم أن ينتبه قبل أن يكفر الجميع بهؤلاء المثقفين.. وما إن يكفر الناس بالأدب وبالكتب فبشّر بضياع المجتمع في ظلام الجهل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد