“التواضع ما هو إلا المفتاح الحقيقي للنجاح؛ الأناس الناجحون يفقدون طريقهم في بعض الأوقات؛ فغالبًا ما يبالغون في الاستمتاع بثمار النجاح. التواضع يَمنع الوقوع في هذا الفخ من الغرور والغَطرسة. الأناس المتواضعون يشاركون المَنزلة العالية والثروات، ويحتفظون بتركيزهم وتعطّشهم لاستكمال رحلة النجاح”.

مدرّب السلّة الأمريكي “ريك بيتينو”

(1)

لم يُدرك صديقي الأردني طالب الدكتوراه بإحدى الجامعات الأمريكية المرموقة مقدار ما سبّبه سؤاله الذي طَرحه عليّ مِن حيرة في رأسي، ربما لأن سؤاله نَفسه ظلّ يلح عليّ منذ سنوات ولم أجد له جوابًا شافيًا حتى الآن، ربما، لا أعرف حقيقة!
لماذا يَصعب التعامل مع المثقّف العربي على المستوى الشخصي والنَفسي والفكري؟

 

بمعنى آخر، لماذا هذه “الذات المنتفخة” لدى كثير من المثقّفين العَرب، بينما نَصطدم بحجم التواضع الذي نراه من المثقّفين الغَرب أو حتى غير الغَرب من الشرق الأقصى؟! سألني صديقي وهو يأمل أن يَجد الجواب عندي!

عاد سؤال صديقي بيّ خمس سنوات إلى الوراء، عندما كُنت أدرس بإحدى الجامعات الأوروبية ما كتبه إدوارد سعيد عن الاستشراق Orientalism في كتابه الذي حَمل الاسم نفسه، وكيف يَرى ويصوّر الغَرب الشَرق في كثير من الدراسات الأدبية والفلسفية وأيضًا في الثقافة العامة ككلّ.

وكنت أغتاظ كثيرًا وأنا أحاول أفنّد تلك الثنائيات المتناقضة والقوالب النمطية التي وَضعها الغرب لوَصف العلاقة بين الشَرق والغَرب: فالشَرقي أو الـ Orient المُنحدر من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، يمثّل افتقاد العقل ورجاحته مع عدم القدرة على التفكّر وتدبّر الأمور، فضلًا عن تصويره على أنه كسول وتابع ذليل يحتاج دائمًا إلى من يُرشده إلى طريق الصواب، كما أنه سلبي إلى أبعد الحدود وصعب الفهم وشهواني أيضًا؛ حيث ساهمت أعمال مثل “ألف ليلة وليلة” في ترسيخ تلك الصفة النمطية بشكل كبير!

وفي المقابل، هناك الغَربي أو الـ Occident، وهو المنحدر من أصول أوروبية والذي يمثّل عكس الصفات السابقة كلها؛ فهو عاقل ورزين ومتحضّر ومتواضع وأيضًا أعلى شأنًا وسموًّا وغيرها من الصفات الإيجابية الأخرى!

ولكن، بشكل أو بآخر، ورغم كرهي لهذا التصنيف الجائر وتأييدي لنقد إدوارد سعيد لدراسات الاستشراق والصور النمطية الخاصة بها، إلا أننا لا يُمكن أن نغفل كليًّا أن بعض الشرقيين، لا سيما النخبة المثقّفة منهم، يحاولون دون وعي منهم تَرسيخ تلك الثنائيات المتناقضة سابقة الذكر، لا سيما تلك المتعلّقة بالذات و”الأنا” المنتفخة في مقابل “تواضع” الغَربي، بل إن قلّة منهم الذين تعلّموا في جامعات غربية، يتقمّصون دوّر الغَربي في دراسات الاستشراق تجاه أبناء وطنهم، وهو أمر مثير للدهشة ويدعو إلى الحُزن والرثاء في الوقت نفسه!

وفي السطور القليلة المقبلة، أحاول – من وجهة نظري- أن ألقي الضوء على الأسباب التي قد تكون وراء تلك الغَطرسة التي تجتاح بعض المثقفين العرب، دون اللجوء إلى التعميم غير المُجدي، مع الأخذ في الاعتبار أن تعريف المثقّف هنا لا ينطبق على الأدباء والأكاديميين فحسب، وإنما يتوسّع المصطلح ليشمل النخبة المتعلّمة تعليمًا مرموقًا من المجتمع.

ابحث عن التعليم!

البيئة التعليمة في الوطن العربي تدعو إلى الرثاء، وقد يعزو إليها تضخّم “الأنا” واستفحالها عند المثقفين العَرب؛ فبخلاف ثقافة التَلقين والحفظ عن ظهر قلب للمناهج التعليمية، والاختفاء التام لما يُسمّى بالتفكير النقدي في العملية التعليمية بالوطن العربي، فإن علاقة المدرس وتلميذه أو الأستاذ الجامعي والطلاب يشوبها كذلك العديد من الشوائب والعيوب!

منذ ما يقرب من قرن أو أكثر من الزمان، كان الكُتّاب (بضمّ الكاف وتشديد التاء) هو الوسيلة الأشهر للتعلّم في الوطن العربي، بل قد تكون الوسيلة الوحيدة لتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ومع تطوّر العملية التعليمية في الوطن العربي، تغيّر شكل الدراسة ولكن لم يتغيّر الأسلوب!

كان المعلّم بالكتاتيب هو الآمر الناهي ويهابه جميع الطلاب بهيئته الوقورة من جلباب وعِمّة وعصا “الخيِزرانة” بين يديه، يستعد لإنزالها على أي من تلاميذه “الأغبياء” الذين لا يسيرون على نهجه وفكره “المستنير”! ذلك النمط في التعلّم سَرّب ثقافة الخوف والتلقين دون معارضة إلى العملية التعليمية بالأجيال التي تلتها؛ فطلاب الكُتّاب بالأمس باتوا مدرّسين اليوم بمدارس عصرية، مع محاولة اللجوء إلى ثقافة الخوف والتلقين نفسها في تعليم طلابهم وتلاميذهم!

والنَتيجة الحتمية لهذا النمط التعليمي، إلى جانب الشُح في الإنفاق على التعليم بمراحله المختلفة في الوطن العربي مقارنة بالدول الغربية، تَدني جودة التعليم بشقّيه الأساسي والعالي. وفي هذا السياق، أشار مَسح استقصائي بعنوان “اتّجاهات في دراسة الرياضيات والعلوم الدولية” TIMSS في عام 2007 إلى أن كافة الدول العربية الـ 12 المشاركة في المَسح الاستقصائي طلابهم دون المستوى المطلوب؛ فأقل من 1 بالمئة من الطلاب في سن 12 إلى 13 عامًا بعشر دول عربية وَصلوا إلى مستوى متقدّم في العلوم، مقارنة بنسبة 32 بالمئة في سنغافورة و10 بالمئة في الولايات المتحدة الأمريكية!

والذي ينطبق على التعليم الأساسي ينطبق أيضًا على التعليم الجامعي كذلك؛ فعدد الجامعات العربية المُدرجة في التصنيف السنوي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم، لا يصّل إلى خمس جامعات في أفضل الأحوال!

أما علاقة الطلاب بالأساتذة الجامعيين في الوطن العربي، فحدّث ولا حرج؛ حيث يتعامل العديد من الأساتذة، لا سيما في الجامعات الحكومية، وكأنهم ظلّ الله في الأرض، ولا أكاد أنسى تلك الواقعة التي سَردها ليّ أحد الأصدقاء أن أستاذًا بإحدى الجامعات المصرية الحكومية قال لطلابّه: “هل تعرفون الله؟ أنا هو الله بالنسبة إليكم فيما يتعلّق بالمادة التي أدرّسها وبالورقة الامتحانية؛ ما أقوله أفعله فلا تعصوني أو تخالفوني”!

بطبيعة الحال هذا “التشوّه التعليمي” – إذا جاز التعبير- أسفر عن مثقّفين عَرب “مشوّهين” بدورهم، لا يَعرفون معنى التفكير النقدي ولم يُخبّروه، مع معرفة علمية محدودة تجعل كونهم مثقّفين أمرًا مشكوكًا فيه من الأساس، إذا ما تم مقارنتهم بمثقّفين غَربيين أو غير غَربيين آخرين!

97 مليون أمّي في الوطن العربي!

نسب الأمية في الوطن العربي كبيرة للغاية؛ حيث بَلغت في عام 2014 الماضي 97 مليون أمّي تقريبًا لا يعرف القراءة أو الكتابة، أي بنسبة 19 بالمئة من عدد السكان البالغ 350 مليون شخص تقريبًا، وفقًا لتقرير أوردته منظمّة أليسكو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم).

وحسب تقرير أليسكو نفسه، فإن هناك 6.188 مليون صبي وفتاة في سنّ التعلّم الأساسي لم يلتحقوا بأي نوع من أنواع التعليم، ما يَعني أن مستويات الأمية ستزداد أكثر وأكثر في المستقبل. كما أكّدت المنظمة أن نسبة المتسرّبين من التعليم الأساسي في الوطن العربي هي الأعلى في العالم.

تلك النسبة الكبيرة من الأمّيين في الوطن العربي تجعل المثقّف العربي يَرى نَفسه في مرتبة ومنزلة أعلى بكثير من قرنائه، وهي الظاهرة التي تجلّت بشّدة مع الداعية إسلام البحيري الذي حصل على ماجستير في “طرائق التعامل مع التراث” من جامعة ويلز بإنجلترا وأثار بآرائه مؤخّرًا جدلًا كبيرًا في الأوساط الدينية المصرية والعربية، حيث قدّم برنامجًا فضائيًّا حول التراث يفنّد فيه المسلّمات الدينية الموروثة.

مشكلّة “البحيري” كغيره من المثقّفين العَرب أنه يَعتمد على أن الكثير من مستمعيه ومشاهديه لا يعرفون شيئًا عما يقوله، بل لا يعرفون شيئًا على الإطلاق، ما يجعله يبدو واثقًا وهو يُدلي بآرائه الدينية دون أدنى معارضة. وعندما تبرز تلك المعارضة في هيئة مناظرة تلفزيونية بين شيوخ من الأزهر وبينه، يظهر جليًّا تخوّفه من النقد ومهاجمة من ينتقده على طول الخطّ، علمًا بأن أبسط قواعد وبديهيات الباحث العلمي قابلية أن يتعرّض بحثه لسهام النَقد بصدر رحب، من أجل إثراء عملية البحث العلمي بشكل عام!

“البحيري” وغيره من المثقفين العَرب يعولون بشدّة على نسب الأمّية وكذا “أنصاف المتعلّمين” من أبناء الوطن العربي، وهو ما قد يفسّر تضخم الذات وانتفاخها عند هؤلاء المثقّفين.

 

وفي مقابل ذلك، قد تمثّل البيئة التعليمية القائمة على أسس دينية في الوطن العربي تهديدًا للثقافة والمثقّفين العَرب؛ ففي أحد المسوح الاستقصائية التي قامت بها مطبوعة “الإيكونوميست” في عام 2009 على البالغين المصريين، وُجد أن بالكاد ثُلث هؤلاء البالغين سمعوا عن تشارلز داروين ونظرية التطوّر، ويَرى 8 بالمئة فقط أن هناك قرائن ودلائل تَدعم نظرية التطوّر الشهيرة.

 

أما المعلّمون أنفسهم، فباتوا مشكّكين بدورهم في جدوى هذه النظرية. وفي مَسح ضم تسع مدارس مصرية يُدرَّس بها نظرية التطور ضمن المناهج التعليمية للتلاميذ في عُمر الـ 15 عامًا، لم يَصدّق مدرس واحد من ضمن 30 مدرس علوم تم إجراء مقابلة معهم، صحة أي من أفكار نظرية التطوّر. وفي إحدى الجامعات الخاصة بالإمارات، رأى فقط 15 بالمئة من أعضاء هيئة التدريس أن هناك دليلًا جيدًا يدعم نظرية التطوّر!

العنصرية والطبقية مرضان يتفشّيان بين المثقّفين العَرب…

إذا كانت دراسات الاستشراق تنمّ عن عنصرية كبيرة؛ حيث تَرى الغَرب في كفّة وكل ما عداهم في كفّة أخرى، فإن المثقّفين العَرب يرون أنفسهم في جانب والآخرين غير المثقّفين في جانب آخر. بمعنى آخر، يَرى المدافعون عن دراسات الاستشراق أن هناك ما يُسمّى بالطبقية الثنائية؛ فالآخر غير الغَربي يفتقد إلى “النظام والذكاء والعِفة والاحتشام الجنسي وأيضًا إلى التحضّر والتاريخ”، ما تسبّب في ظهور “الثنائيات الطبقية” مثل: “بلداننا في مقابل قبائلهم؛ ديانتنا في مقابل خرافاتهم؛ ثقافتنا في مقابل فولكلورهم الشعبي؛ فنّنا وآدابنا في مقابل حِرفهم؛ مظاهراتنا في مقابل شغبهم؛ دفاعاتنا مقابل إرهابهم”.

وبالمثل، في مجتمع عنصري سلطوي شمولي بطبعه يُقيّم الآخر وفقًا لمكانته المادية والعلمية وحسبه ونَسبه، وأيضًا بدرجة قربه من النظام الحاكم والسلطة، فإن تلك الثنائيات الطبقية تَظهر واضحة بشدّة بين المثقّف العربي وعامة الناس، بل وبين المثقّفين العَرب بعضهم البعض!

الأمثلة عديدة التي تبيّن مقدار العنصرية والطبقية المتفشّيين بين العَرب، لا سيما مع الأقليات والأجناس الأخرى. الصحفية “منى الطحاوي” كَتبت في عام 2008 مقال بجريدة نيويورك تايمز الأمريكية بعنوان: “العنصرية: السر الوضيع للعالم العربي”؛ حيث تَسرد بعض الوقائع العنصرية من مصريين ضد السود، قائلة: “نحن شعب عنصري في مصر ونحن ننكر هذا بشدّة… ففي مصر والعالم العربي، هناك ثقافة الصمت تجاه الحوادث العنصرية التي تعكس سلبية المجتمع العربي”.

أما في مجتمع المثقّفين العرب، فلا يمكن إنكار التعليق العنصري لوزير الثقافة المصري “عبد الواحد النبوي” الذي أصدره منذ أسابيع قليلة، في حق أمينة أحد المتاحف بالإسكندرية؛ حيث وَصف وزير الثقافة أمينة المتحف بالـ”تخينة” أو السمينة، قائلًا:
“أنا عندي مشكلة مع الموظفين التخان”!

وما يَحدث في مصر تجاه السود، يَحدث أيضًا تجاه الأكراد في بعض البلدان العربية، بل يَحدث أيضًا أن ينحاز المثقّفون إلى الدولة والنظام الحاكم فيتبنون وجهة النظر السياسية للأخيرة، وينعتون المختلفين مع وجهة النظر السياسية تلك سواء كانوا مثقّفين أو غير مثقّفين، بأقذع العبارات العنصرية والطبقية.

هل يَكون المناخ السبب؟!

قد يظنّ البعض أن هذا ليس سببًا على الإطلاق، ولا يمت بصلة للذات المنتفخة عند المثقّفين العَرب، ولكن العديد من المؤرّخين والباحثين يرون أن المناخ يحمل بين طيّاته أيديولوجيات بعينها؛ حيث لطالما حُدّدت شخصية أجناس متنوّعة عبر التاريخ من خلال المناخ؛ حيث فسّر البعض انتصارات الإسكندر الأكبر على الإمبراطورية الفارسية على أنه حَدث بفضل هِمّة وقدرة الأوروبيين على الانتصار مقابل الشخصية “الأكثر لينًا” للآسيويين!

وبالمثل، أنهى المؤرّخ “إليسورث هانتنغتون” في كتابه “الحضارة والمناخ” لعام 1915 بهذه الكلمات: “إذا ما تمكّننا من التغلّب على المناخ، فإن العالم كله سيصبح أقوى وأكثر نُبلًا.”! ويُرجع “هانتنغتون” نظريته “الطبقية العنصرية” إلى المناخ وتقلّباته؛ حيث يَرى تفوّق الجنس الأبيض على الأسود، كما خَلُص إلى أنه ما مِن أمة ارتفعت إلى أعلى درجات الحضارة إلا في المناطق التي يكون فيها الحافز أو الدَافع المناخي كبيرًا؛ فالمناخ المفضّل عامل أساسي للحضارات العظيمة!

وإذا ما انتهت النظريات التحليلية السابقة إلى أن سُكان المناطق الباردة أكثر همّة ونشاطًا من غيرهم من سكان المناطق الحارة، فإن ذلك ينعكس دون شك على مسار العملية التعليمية “العَصبية” وكذا على سلوك الأفراد ونزوعهم إلى الخمول في الوطن العربي، وهي بعض الأسس التي قامت عليها الفروق بين الشَرقي والغَربي في دراسات الاستشراق.

وإذا ما خَلصنا إلى نزوع بعض المثقّفين المقيمين بالدول العربية إلى الخمول والكسل بفعل المناخ، فقد يفسّر هذا اللجوء إلى الذات المتضخّمة والغطرسة، بخلاف العصبية الزائدة، كأسلحة للاستعاضة بها عن الثقافة المحدودة ومستويات التعليم المتواضعة، إلى جانب العوامل الأخرى السابق ذكرها. وقد يفسر هذا أيضًا أن المثقّفين العَرب الذين يعيشون في البلدان الغربية ينتشر بينهم مَرض الذات المنتفخة بدرجة أقلّ من أقرانهم المقيمين في البلدان العربية.

 

في الختام، العوامل السابقة ما هي إلا مجموعة من ضمن عوامل كثيرة أخرى تساهم بشكل كبير في تكوين “الذات المنتفخة” عند المثقّفين العرب، ويتبقى أن نَجد حلًّا جذريًّا لهذه المشكلة المعقّدة العويصة، انطلاقًا من أن وَضع اليد على المشكلة ذاتها يساهم بشكل كبير في حلّها، ولو بعد حين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد