نحن نعشق المؤسسة الأمنية، لكننا لا نذبحها، نعشقها لأنها أحد أعمدة استقرار الوطن، فمن يسعى لتجريفها والعبث في ركائزها، بدلًا من دعمها وتمكينها.

إيقاف القاطرة

لا أتحدث عن المخابرات كجهاز وظيفي لمواجهة معارضي سياسات الحكومة، أو وسيلة لإيقاف قاطرة الإصلاح، بل عن مؤسسة حقيقية نراهن عليها باعتبارها أردنية الهوى والهوية في وطن يبحث عن الاستقرار والخروج من أزمات كبرى تعتمل في داخله، وتحيط بحدوده.

نعم. أكاد أجُن! لماذا وصلنا إلى هذا الحد الرفيع من التشكيك في الدائرة؟ هل مطلوب عدم الثقة بالمؤسسة خدمة لجهات غير وطنية تريد تسفيه وتنميط صورة مثالية يحفظها الأردني العادي عن المؤسسة ودورها في حماية البلد؟
هل هذه دائرة محمد رسول الكيلاني، ومضر بدران؟ فما نراه منذ سنوات، يمكن وصفه بالكارثي، المؤسسة التي نراهن عليها، هُزت زمن سميح البطيخي، وكانت طرفًا في حروب بالوكالة في زمن محمد الذهبي، وليس نهاية بزمن عدنان الجندي.
ثمة من يريد قتلها أو إضعافها، وإفشال دورها، وكأنما وجودها يشكل جلمودًا صخريًا لا يتزحزح، يقف عائقًا دون تطبيق بعض المشاريع أو الأفكار، بشكل ممنهج ومدروس، وإلا كيف يمكن تفسير تورط ثلاثة من مديريها بملفات كادت أن تصيب الدولة بمقتل.

من الذي يعبث؟

هنا ببساطة يتم تجريف دور الجهاز، وتوجيه من جهاز يقوم على الفعل المعلوماتي بالدرجة الأولى، إلى جهاز وظيفته استخبارية فقط، ما أنتج أفعالًا فوضوية تحتضن مشروعية ووجود السياسي على حساب الأمني.
فهل يعبث السياسي في الأمني، بحيث تتقدم رؤيته وتفرض سيطرتها، مما يجعل من المؤسسة المخابراتية هدفًا مستباحًا، لاستثمار كل متربص انطلاقًا من فكرة المشاريع، وليس نهاية بفكرة استغلال المنصب، مع أن السياسي مهما بلغت عبقريته لن يصل لطريقة تفكير الأمني، فكيف تم استغلال الأمني هنا، وهل بات ضروريًا التخلص من مهرجي السياسة ضرورة وطنية لأن الضرر الناتج جراء وجودهم أكثر من غيابهم، سيما وأن أغلبهم يعتمد في رؤيته السيطرة على الفعل المخابراتي، لا كما يعتقد الشعب بسيطرة الأمني على السياسي وتحركاته. أم أن المشهد برمته ليس إلا تشابكًا للمصالح بين الأمني والسياسي، فكان تدخل الأدوار سببًا في هذه الصورة. المعضلة هنا أن الأمني هو الخاسر الدائم هنا، من شعبيته، ومن كوادره، ومن مشاريعه، في حين يجلس السياسي متفرجًا يستمتع في فعله!
لو أعيد تشبيك المراحل السابقة مع بعضها يعتقد أن هناك أيادٍ تعبث وفق منهجية مدروسة لتشويه عمل الجهاز، من خلال توريط بعض الأفراد فيها، إلى جانب صراع الأذرع، فهل للدولة العميقة دور؟ وهل الفريق الأحمر محترف إلى هذه الدرجة؟
هذه الأفعال تمنح كل متربص حافزًا للتدخل في صلب عملها، كما تقود الحكومة لإصدار قرارات لا شعبية ترتبط بمصالح دوائر مصلحية مغلقة، دون تفكير جدي بما ينشأ عنها، يمنح الدوائر الاستخبارية الدولية أو تلك المقيمة في السفارات داخل الأردن الأفضلية والأرضية الخصبة لتحليل المشهد الداخلي، لتطبيق الأفكار والقرارات التي لا تخرج عن أطر فرض السيطرة والاستغلال.

صراع المصالح

كل هذا يتأتى كنتيجة متوقعة لسذاجة السياسي الذي يحاول فرض سيطرته على الأمني، فلا يجد أمامه إلا تشابك المصالح معه، فقلة المعرفة، وبناء القرارات على أوهام افتراضية اعتقدوا بحقيقتها مكنت من بناء صورة متماسكة لأفعالهم، مع أنها غير ذلك، خصوصًا تلك القرارات التي تتعلق بإيصال الحقيقة المجملة لصاحب القرار، لا انطلاقًا من حقيقة الداخل وواقعه، بل من زاوية منحه ما يحب ويرضي مسامعه -هل كل مستشار مؤتمن يقول الحقيقة- أي أن الدور لا يتخطى حاجز الاستخبار مع إسقاط أو تجميد دور المعلومات في بناء الحقيقية، مما ينُتج فعلًا وقرارًا تزويريًا للحقيقة، يرونها قابلة للاحتواء في حين أنها لا تقبل السيطرة، لتكون حتمية السقوط في خانة الاتهام كما حصل مؤخرًا، فالقرار الباطل الذي بني على أفكار كاذبة، ومصالح فردية لا يحمي وطنًا، كما لا يساعد قائدًا على حماية عرشه، كل هذا من أجل حماية كرسي المسؤول الأمني بالاتفاق مع السياسي.

رسالة الملك

لا أحد يعلم آلية اختيار مدير المخابرات، هذه المعلومات ما زالت تخضع للسرية، لكنها لا تخضع للموهبة أو الخبرة والمقدرة على إدارة المشهد، ففي المقام الأول يتم الوثوق بالشخص أكثر من اللازم، تصير الكفاءة عنصرًا لاحقًا لا أصيلًا في الاختيار، لكنها تُمنحه حيزًا للحركة، يتم توجيهها، لكنها تُمنع من تشكيل رؤيتها، في وقت محدد مدروس، هذا مع التركيز المستميت على الكاريزما والنرجسية في شخصية المكلف دون الأخذ بعين الاعتبار التواضع، فتكون النتيجة تكرارًا لكل الشخصيات السابقة، وتكرارًا للنتيجة.
إن كان الأمر غير ذلك، كيف يمكن تفسير كل هذه الفوضى التي أنتجت خلال 20 سنة الماضية، وقادت لاعتقال اثنين من مديري المخابرات بعد تورطهم في قضايا داخلية كبرى، وتقريع ثالث بعدما خرج بعض من ضباطه عن دائرة سيطرته، فكانوا سببًا في إقالته، بعد رسالة موجعة وجهت له.
نعم، رسالة الملك الأخيرة لمدير المخابرات السابق، واللاحق تدعو للبكاء والحزن، صياغتها قاسية، موجعة، واتهاماتها خطرة جدًاً، كان من الممكن تلافيها بأخذ إجراءات داخلية احترازية مُسبقة، ومن ثم عقابية رادعة لمن ساند وتورط في إنتاج الفوضى داخل الدائرة، والدولة، أصابت واربكت المطبخ السياسي برمته، خصوصًا بعد التقارير التي تم تداولها بسرية تامة.
كان من الممكن عقد محاكمات داخلية دون إظهارها للعلن في زمن الانترنت و«السوشيال ميديا»، تحول دون وقوع المؤسسة في مساحات الاتهام المباشر.

فضاء للحركة

فهل الدائرة كذلك؟ أم هي دائرة معلوماتية وطنية يجب أن تبقى فوق الشبهات، وإن كان ثمة من يعبث في قلب مرتكزاتها وأدوارها فإنه يمثل ذاته، لكنه لا يمثل عقيدة مؤسسة.
لكن يبقى السؤال من هو الذي أشار على الملك في كتابة الرسالة القاسية وتوجيهها للدائرة واتهام -بعض- أفرادها، مع أن المستشار يمتلكُ المقدرة على التأثير في جعل اللغة تصالحية وطنية لا تسوق الاتهامات، بل تقود الدعم للحفاظ على الصورة الإيجابية.

النتيجة الفعلية هنا والمؤسفة لا تخرج من خانة أن كل تبديل أو تعديل على جسد الاجهزة الأمنية والسياسية، يكون أسوأ مما سبقه وأكثر فشلًا، فالذي يُشير لا يخاف الله ويريد إبقاء المشهد رماديًا غير واضح المعالم، خصوصًا أن كل قادم لا يخرج عن مسار من سبقه، فالغالبية لا يملكون الرؤية، وليست لديهم الإرادة للتحرك وفق فهمه ومعرفته وخبرته وشخصيته ومبادرته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد