إنه لمن الطبيعي جدًا، أن تحصل خلافات سياسية بين بعض الدول، وعلى إثر ذلك، تقوم كل منها بحملة حرب إعلامية شرسة تجاه الأخرى، لا تُبقي ولا تذر، تحرق الأخضر واليابس، مما كان من علاقات حميمية ودية بينهم، ومتناسين ما كان بينهم من صفاء وحب وتعاون.

وقد يبلغ التشنج، وتوتر العلاقات بينهم، إلى حدود عالية جدًا، فتلجأ كل واحدة منهم، إلى شن هجمات تشويه كاسحة تُسوِّدُ كل منهم صحائف الأخرى، التي كانت بيضاء ناصعة.

وقد يتبادلون انتقادات لاذعة مهينة، وأحيانًا مُسفة، ويتراشقون بينهم اتهامات مقززة ومسيئة، وقد تكون بعضها لا أصل لها في الحقيقة، وإنما هي من الخيال الصِدامي، ومن قبيل المشاكسة، والمغالبة، والعمل على كسر هيبة كل منهم للأخرى، وتنكيس رأسها، وإذلالها، ووضع أنفها بالتراب، والتشفي بتحقيق أكبر عدد ممكن من نقاط الانتصار، وإلحاق الهزيمة بالأخرى.

وقد تحصل مقاطعة دبلوماسية، وتجارية، واقتصادية، وثقافية، وتعليمية بينهم، ويتوقف التبادل التجاري بينهم، وقد تتوقف الرحلات الجوية، والبرية، والبحرية، بل ويمتد الأمر إلى منع الطيران من التحليق في سماء كل منهم.

وقد تتوقف البعثات الدبلوماسية، والتعليمية، ويتم إغلاق المدارس التعليمية الخاصة بكل منهم، والمتواجدة على أرض الأخرى، وقد يتوقف إعطاء التأشيرات، مما يمنع دخول رعايا كل دولة أراضي الدولة الأخرى، مما يؤدي إلى تعطيل مصالح رعايا كل دولة، وخسارتهم للأموال الطائلة، التي أنفقوها على مشاريع تجارية، أو سياحية، أو عمرانية وسواها.

وقد تشتد الأزمة وتنمو بين الدول المختلفة، على نقاط معينة – قد تكون سخيفة وتافهة – وتتقاذف كل منها الاتهامات اللاذعة، والمهينة، والمشينة، ووصم كل منها بالخيانة، والعمالة لجهات أجنبية معادية، واتهامات بتأييد الإرهاب – تلك التهمة المستحدثة، والجاهزة لتوجيهها إلى كل مَن يختلف مع الآخر بالرأي – ودعم الجماعات الإرهابية، واتهامات بإفساح المجال لهم لنشر الأفكار الإرهابية، وتغذيتها بالأموال الطائلة.

واتهامات أخرى، بالسماح لتلك الجماعات الإرهابية الهاربة من البطش، والقمع، والتنكيل من بلدها، بفتح مراكز رسمية شرعية لبث سمومها، والتحرك في كل مكان، لتبليغ دعوتها إلى حيثما تريد، والسماح لها بإنشاء قنوات تلفازية فضائية، وإذاعات أثيرية، لعرض برامجها، ومشاريعها، ومخططاتها بكل حرية.

واتهامات أخرى لتلك الدولة التي تختلف معها بالعمل على تسهيل حركة، ونشاط بعض الجماعات المعادية لها، وذلك بالسماح لها، بعقد الندوات والمؤتمرات، واللقاءات والتي من خلالها تقوم هذه الجماعات بالتنديد، والاستنكار، وتهاجم الدولة الأولى، وتسفه أحلامها، وتفضح مخططاتها الإجرامية، الاستبدادية، الديكتاتورية.

ويستمر توتر العلاقات بين الدول المتصارعة سياسياً، وفكريًّا، وعقائديًّا، لأشهر عديدة، وأحيانًا لسنوات مديدة، لا تكف كل واحدة منها، عن انتقاد الأخرى، ولا تفوت فرصةً، ولا مناسبة – أيا كانت – إلا وانتهزتها لتشنع كل واحدة بالأخرى، ولا تدع أي فرصة، إلا واستغلتها للنيل من الدولة الأخرى.

وكل واحدة تدعي أنها على الحق المبين، وأن الأخرى على الباطل الزهوق، وأنها هي التي تحكم بالعدل والمساواة، وتحافظ على حقوق شعبها، وتكفل له حرية الكلام، والتعبير عن آرائه، دون خوف ولا وجل، ولا سجن، ولا اعتقال. وأن الأخرى هي التي تحكم شعبها بالحديد والنار، وتضطهدهم، وتقمع حرياتهم، وتمنعهم من حرية الكلام، والتعبير عن آرائهم.

وكل واحدة تأتي بالأدلة، والبراهين، والوثائق، والمستندات التي تثبت صحة ادعاءاتها، وتعرضها على الملأ أجمع، في المحافل والمؤتمرات الدولية، ولا تدخر كل واحدة منها جهدًا، أن تعمل بكل قوتها، على قهر الأخرى، وإذلالها، وتنكيس رأسها، ودس أنفها في التراب، أمام العالم أجمع.

وحينما تفعل أي واحدة ذلك، تشعر بالتشفي، والغبطة، والسعادة، وتتيه في الفضاء رافعةً رأسها بخيلاء، واستكبار، وافتخار؛ لأنها انتصرت على الأخرى، وهزمتها هزيمةً ساحقة ماحقة، ومسحت الأرض بكرامتها، ومرغت عزتها، وكبرياءها، وأنفتها بالتراب.

وهكذا تمضي الأيام والأعوام، والمشادات الكلامية، والإعلامية، مستعرة بينهم، قد تهدأ قليلاً كاستراحة المحارب، ليأخذ نفسًا عميقًا، ويتزود بمزيد من الطاقة، والقوة، ومن ثَمَ لينطلق بعدها كالثور الهائج، فيحطم كل شيء في طريقه، لا يلوي على شيء.

وقد يدخل على خط الخصام هذا بعض الدول للتوسط بين المتخاصمين، لإصلاح ذات البين بينهم، إلا أن هذه الجهود الخيرة، قد تبوء بالفشل الذريع – وغالبًا ما تبوء – نتيجة تمسك كل دولة بموقفها، وتعنتها، وإصرارها على عدم التنازل عن مطالبها قيد أنملة.

ثم فجأة  وبدون سابق إنذار، ولا إعلام، وبلا مقدمات، تعلن إحدى الدول المتخاصمة، أنها على استعداد للمصالحة، والتنازل عن كل ما سبق.

وكأنه لم يكن أي خصام، ولا خلاف بينهم، وتبدأ في تغيير سياستها 180 درجة، ويبدأ الخطاب وديًا، ولطيفًا، ورقيقًا مع عدو الأمس، وتبدأ بممارسة الضغط على الجماعات التي آوتها في بلادها، بألا تتكلم ضد عدو الأمس بأي سوء.

ماذا تعني هذه التبدلات الدراماتيكية السريعة، والمفاجئة، ليس هذا فقط بين دولتين متخاصمتين مختلفتين محددتين، معينتين، بل هذا يحدث بين دول العالم تقريبًا.

ثم يخرج أحد مسؤولي الدول المتخاصمة للإعلام، فيصرح ببيانٍ صادمٍ، ومثيرٍ للدهشة، والاستغراب فيقول: إن العلاقات الاستخباراتية بينها وبين الدولة المتخاصمة الأخرى، والتي كانت تظهر في الإعلام أنها عدوة شديدة العداوة.. هذه العلاقات الاستخباراتية لم تنقطع يومًا واحدًا بينهما على الإطلاق، طوال فترة الشقاق والخصام والعداء.

ماذا تعني هذه التغيرات السريعة في العلاقات بين الدول؟! وهل كانت حالة الخصام، والشقاق بينها عبارة عن مسرحيات، وتمثيليات هزلية، لتسلية الجماهير لديها، وتمتيعهم بحركات وألعاب سحرية، كما يجري على مسارح السيرك؟!

وماذا عن هؤلاء المستضعفين المساكين، الذي فروا بدينهم من بطش حاكمهم، ولجؤوا إلى نجاشي إحدى دول العالم، ليحميهم ويذود عنهم، ويدافع عن حِماهم، وأمنهم، وإذا به فجأة ينتكس على عقبيه، ويتصالح مع عدوه وعدوهم

أم أن المبادئ والقيم الخلقية، التي تزعم كل دولة، تمسكها بها، والعمل بموجبها، والتضحية في سبيلها، والثبات عليها، وعدم التفريط بها، ليست إلا كلمات جوفاء، تُستخدم للاستهلاك المحلي، ولخداع الشعوب، وتضليلها، والضحك عليها، والتدليس عليها، وأنها في سبيل مصالحها المادية، مستعدة للتخلي عن كل شيء، وتمزيق كل هذه الشعارات والمبادئ، ونسفها في اليم نسفًا.

ثم أليس بقاء العلاقات الاستخباراتية بين الدول المتصارعة، وتبادل المعلومات بينها عن شعوبها، لهو دليل كبير على أن مظاهر الخصام التي تطفو على السطح بينها، ليست إلا تمثيلًا في تمثيل، وليس له من الحقيقة أي نصيب؟!

وأن الحفاظ على نظام كل دولة، هو واجب وفرض عين على الدولة الأخرى، مهما اشتد الصراع الظاهري بينهما، وأنه من الواجب الحتمي على كل دولة، أن تبلغ الدولة الأخرى، إذا لمست أو اكتشفت أي خطر يهدد الدولة الأخرى المتصارعة معها، مما يشي بأن أمن النظام لأي دولة خط أحمر لا يجوز تجاوزه.

ثم أليس هذا دليل آخر على أن ثمة معلمًا واحدًا، أو حكومة خفية واحدة على هذه الأرض، هي التي ترسل أوامرها، وتعليماتها إلى كل دولة، لتختلف وتتصارع مع الأخرى، أو الأخريات؟! وبعد تحقيق الغرض المنشود من هذا النزاع، تُرسل هذه الحكومة الخفية أوامر وتعليمات أخرى، لنبذ الخلافات والتصالح، ونسيان الماضي، وكأن شيئًا لم يكن؟!

وأليس هذا دليل آخر على تأكيد، وتثبيت، وتوثيق وجود منظومة لعبة الأمم، التي تحدث عنها مايلز كوبلاند في كتابه الشهير «لعبة الأمم» الذي نُشر في عام 1969، والذي نفذت طبعته اللندنية الأولى في ثلاثة أيام فقط، والذي يصور فيه الأمم قطعَ شطرنج، يجرى تحريكها من قِبل وزارة الخارجية الأميركية، وبحسب سيناريوهات تتفق و«لعبة الأمم» عنوان كتابه.

هذا ليس كلام الكاتب، وإنما هو كلام مؤلف كتاب «لعبة الأمم» الذي كان له الدور الرئيسي في تجربة الانقلابات العسكرية في سورية./

فهو الذي حرض حسني الزعيم على الانقلاب ضد الرئيس شكري القوتلي في آذار 1949م، ثم كرَّت الانقلابات تترى. فبعد أربعة أشهر، قام سامي الحناوي بانقلابه ضد حسني الزعيم، وأعدمه فورًا، ثم بعد أربعة أشهر أخرى وفي نهاية 1949، قام أديب الشيشكلي بانقلابه ضد الحناوي، وأعدمه أيضًا.

وبعد ذلك توجه كوبلاند إلى مصر، وخطط مع عبد الناصر، للقيام بانقلاب ضد الملك فاروق في 23 تموز 1952م، وبقي لصيقًا به، يرعاه، ويوجههه، حتى نشر كتابه قبل وفاة عبد الناصر بسنة واحدة.

وينصح الكاتب، كل مفكر، وكل من يريد أن يعرف كيف تجري الأمور السياسية على وجه البسيطة، أن يقرأه، فقد قرأه الكاتب عقب ترجمته إلى العربية في 1970م، ثم أعاد قراءته الآن مرةً أخرى، فوجد فيه أشياء تشيب لهولها الولدان!

ويقول الناشر بالحرف الواحد على صفحة الكتاب الخارجية: إذا أردت أن تفهم لعبة الأمم، فعليك أن تضع نصب عينيك القواعد التالية:

1- إن من أول أهداف أي أمة، أن تبقى في اللعبة ولا تخرج منها.

2- وغالبًا ما تتصرف الأمة بصورة لا تهدف معها إلى إحراز أي نجاح في داخل اللعبة، بقدر ما تهدف إلى استمرار التأييد الجماهيري لزعيمها.

3- ومن السذاجة بمكان أن يُفسر أي تصريح رسمي حول السياسة الخارجية بصفاء النية، وخلوص السريرة؛ فالمناورة شرط أساسي لأي زعيم في اللعبة، فهو يُظهر ما لا يُبطن، ويقول شيئًا ويعني به شيئًا آخر. (لعبة الأمم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد