إنه من الصعب بمكان على السواد الأعظم من العامة والدهماء، استيعاب، سلاسل الأحداث التي تحدث بين الفينة والأخرى هنا أو هناك، وسبر غورها يتطلب متابعة دؤوبة وتركيزًا وحسًّا مرهفًّا، وقدرة على استحضار المخزون المعرفي، وكذلك إمكانية فائقة على الربط المناسب للقضية المراد تحليلها تفصيلًا دقيقًا، وكي تبدو منطقيًّا، يجب التلكؤ فى توقيت الطرح المعرفي التحليلي ـ في بعض القضايا ـ على المتلقي، الذي يتلفح وهم الروايات الرسمية، المُعززة إعلاميًّا فى الغدو والآصال، ريثما يتهيأ لتصور آخر غير، ويستفيق من وخزة الإعلام الرسمى.

الروايات الرسمية

ثمة مشاهد لا تحصى، قديمًا وحديثًا، عند تمريرها على المنطق والعقل، تستعصي على الإدراك إذا ما طرحنا جانبًا الروايات الرسمية في حينها. أحداث منهاتن مثال صارخ، أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي فُرض بسببها الحصار الجائر على أطفال ونساء وشيوخ أهل العراق مثال، الدعم الإعلامي المُكثف للرواية الرسمية في كل مشهد تجعله حديث الحين، وعندما تفطن القوى، التي تقف وراء المشهد أن الرأي العام تستميله روايتها الرسمية، تسارع بالإجراء التنفيذي التي مهدت له، قد يكون هذا الإجراء قانونًا صارمًا، وقد تكون الحرب، وقد تكون الجزية ونهب اقتصاديات الآخر، ولدينا أمثله أخرى تتفق مع ما نود طرحه نُرجئ الحديث عنها لاحقًا.

تبدو منطقية المشهد، عندما نعود إلى الوراء، حيث التكثيف الإعلامي الرهيب على جيوش اللاجئين من أقطار عربية وإسلامية، مثل سوريا والعراق وأفغانستان واليمن. وأخرى، وكيف لعب الإعلام في أوروبا دورًا خبيثًا في بث مشاهد اللاجئين عبر حدود أوروبا، وبشكل خاص حدود اليونان والمجر وتركيا، وكيف كانت الهجمة الشرسة للأحزاب اليمنية التي ألهبت الداخل الأوروبى وزادت من وتيرة الغضب الاجتماعي تجاه المسلمين، وخاطبتهم باسم الوطن الذى يُراد استلابه، وهي تعلم أن المجتمعات الأوروبية تربت منذ نعومة أظافرها على عين الدولة، على الشوفونية، البديلة عن دين الله في الأرض.

ملابسات وحقيقة الفعل الإرهابي

بادئ ذي بدء، نحن لا نتماهى مع أى عمل يحمل في ملابساته وحقيقته الفعل الإرهابي، ولكنا معنيون هنا بما هو من مخرجات العقل المخابراتي، العمل الذي قام به الشاب الشيشاني بوصفه ردة فعل، جاء منقوص الدلالات إعلاميًّا، كما هو منقوص سياسيًّا، سبقه خطاب تحريضي ـ غير ناضج ـ من مسؤول يمثل أعلى سلطه في هرم النظام الفرنسي، الرواية التي تأتي من طرف واحد، وفي الوقت ذاته هو الخصم، ليس هذا فحسب، بل يمتلك من الأدوات ما يُمَكِّن له فرض روايته الرسمية، ولو على الداخل الفرنسي، روايه لا ينبني عليها سوى استنباط ما يبغيه مخرج المسرحية القابع وراء الكالوس، أو يمكن القول، الذي يفتعل حدثًا ما ويهيئ له مناخًا مناسبًا كي تتمخض عنه النتيجة المرجوة، وفق حسابات مدروسة سلفًا قد تكون سيكولوجية اجتماعية.

وعلامة الاستفهام هنا، لماذا قتلت الشرطة الفرنسية الشاب الشيشاني ولم تلق القبض عليه حيًّا؟ حتى يستدرجه محترفو التحقيقات، ولكي يعلموا خلفيته ومن وراءه، وتلك من أبجديات العمل الشرطي، ليتسنى للمتلقي تحديد ملابسات الحدث، ببساطه ثمة غايات أخرى، فالمراد هو وقوع حدث إرباكي، يتبعه سلسلة من الإجراءات القانونية، وبالطبع الدعاية السياسية لإمانويل ماكرون للجلوس فترة أخرى في الشانزليزيه، وهذا هو كنه القضية.

قيم العلمانية والديمقراطية

وبالطبع كانت العلمية مسوغًا لعدة قوانين منها أن الرجل الذي لا يستجيب للفحص الطبي على يد طبيبة، أو المرأة التي ترفض فحصها طبيًّا على يد طبيب ذكر سيجري تغريمهم 5 آلاف يورو عقابًا لهم، وهذا مُنافٍ تمامًا لقيم العلمانية والديمقراطيه، وتدخل صارخ فى حق اختيارات الإنسان، لكن معلوم أن المسألة إذا كان أحد طرفيها الإسلام والمسلمين؛ تبددت المفاهيم، وطويت القوانين، وتجمدت الأعراف.

ثم يتبعها حادثة الكنيسة في ـ نيس ـ بملابسات أكثر غموضًا، لكنها أكثر دلالة على أنها من مخرجات رجال المخابرات، ومدى مقدرتهم على استدعاء الإرهاب وقتما وحيثما شاؤوا! فتاريخ فرنسا المعاصر منه، والفائت، خير شاهد على إجرامها وهندسة افتعال الذرائع خطوة أولية للولوج إلى المبتغى، والجزائر شاهد دامغ على إجرامها ـ العشرية السوداء ـ وكيف خططت فرنسا لخطف سفيرها في الجزائر، ذريعة لتتغول في دماء أهلنا بالجزائر.

مشهد آخر في العاصمة الهادئة فيينا

تلا المشهد الفرنسى، مشهد آخر في العاصمة الهادئة فيينا، وبالتحديد في الحي الأول الذي يُعد من أرقى الأحياء، وهو مركز العاصمة، يمر عليه كل من يدخل النمسا زائرًا أو سائحًا، وأحد معاقل الجالية اليهودية، المشهد أشبه بالقص واللصق، ليس فيه حرفية من ناحية الأداء، لكن داخلية النمسا كانت أكثر ذكاءً من مثيلتها في فرنسا، حيث ـ أشركت ثلاثة أشخاص، فلسطيني وتركي مسلمان، وآخر نصراني في عملية إنقاذ أحد رجال الشرطة ـ لتمتص غضبة الداخل النمساوي لضمان سلامة المجتمع، وحتى لا تكون التكلفة باهظة، لكن كيف لشخص بعمر العشرين أن يحصل على الأسلحة الثقيلة التي أشار لها الإعلام نقلًا عن وزارة الداخلية؟! نتج من الحادث أربعة قتلى وإصابات تخطت العشرين شخصًا.

التناول الإعلامي

إذا أمعنا النظر في التناول الإعلامي، المقروء والمسموع والمُشاهَد، لن تخرج بتفاصل حرفية، سوى أنه مسلم ولديه تعاطف مع الدولة الإسلامية ـ داعش ـ وأن الهجوم كان بجانب ـ معبد يهودي ـ وكان هناك حرص شديد من الداخلية بعدم التصوير والبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يُعلن حتى الآن ما الغرض من هذا الهجوم ومن المقصود، ليس هناك، غايه، مقصودة، ضمنيًّا، سوى وضع الإسلام فى بؤرة الكره والامتعاض والنفور، ومزيد من خنق المسلمين والتضييق على دور العبادة ـ وقد كان ـ ومن جانبي لا أستبعد ربطه بحديث ماكرون على قناة الجزيرة الذي فضحه، وبعد ردة فعل الشعوب الإسلامية غير المتوقع لدى فرنسا وحلفائها ونجاح المقاطعة، ومن قبليهما اعتناق مريم ـ صوفي سابقًا-الرهينة الفرنسية لدى مالي، للإسلام، وبحسب الإعلام ثمة زيارة مرتقبة للرئيس ماكرون للعاصمة فيينا تلبيةً لدعوة المستشار النمساوي، سبستيان كورتس، الاثنين القادم،  لتجاذب طرفي الحديث عن الإرهاب ومحاربته.

فتناولات ميديا الغرب، في معظمها، أراها مقاسات مُعلبة، وليست بتفاصيل إعلامية نزيهة، تتأرجح بين مفهومين رئيسيين، ديماجوجية بغيضة ودجماتية لقيطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد