عرفت المنظومة العسكرية والأمنية لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» تطورًا هيكليًا وميدانيًا منقطع النظير خلال السنوات الخمس الأخيرة، من خلال الإنجازات المهمة لمختلف الألوية والتشكيلات الأمنية والعسكرية. هذا التطور الإستراتيجي والتكتيكي هو امتداد طبيعي لعمل دؤوب ومهني استمر لسنوات طوال، خاضت فيها الحركة أشواطًا مهمة من ضروب الصراع بمختلف أشكاله. وتعتبر وحدة الظل الجهاز الاستخباراتي التابع لـ«كتائب القسام» الذراع العسكري لـ(حماس)، وهي وحدة سرية تضم عناصر منتخبة بدقة يتمتعون بمهارات قتالية وفكرية عالية، وتبقى الجدار الذي يرتكز عليه ويخفي وراءه اَليات وميكانيزمات عمل المنظومة الشامل، خلافًا لما يمكن اعتباره دواعي عملياتية عمَّرت لما يفوق العقد والمحددة في تأمين أسرى العدو تمهيدًا لتحقيق اَمن وحازم لمهمة كسر قيود الأخذى الفلسطنيين في سجون الاحتلال.

فهل تعتبر وحدة الظل جهازًا استخباراتيًا بالمفهوم المتعارف عليه مهنيًا؟ ما هي المهام الموكولة إليها؟

هل تعمل وحدة الظل داخل غزة والضفة فقط، أم أن شباكها تمتد خارجهما أيضًا؟

أصدر القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف مطلع عام 2016 أمره بالسماح بإماطة السرية عن بعض من جوانب عمل وحدة الظل، التي تضطلع بمهام حساسة وغير مكشوفة، تجعل منها الأسطوانة التي تُحرك وتَتحرك في مدارها باقي العناصر والمؤسسات، على خلاف الإدراك المختزل والمرتجل لماهية عمل الوحدة السرية، الذي يفرض حدودًا وهمية وقصيرة تدحضها مجمل الإنجازات المهنية الأمنية والعسكرية والمجتمعية التي عرفتها غزة في السنوات الأخيرة، مؤكدة حلول عهد جديد في إدارة الصراع ضد حلف إسرائيل.

تتحدد مهام أجهزة الاستخبارات في جمع وتحليل المعلومات حول الأفراد والمؤسسات والدول وإدارة الحرب النفسية أو الباردة ومسايرة التقدم التكنولوجي والعلمي والعسكري والاقتصادي وغيره؛ لأجل تدارك أي تأخر محتمل أمام القوة المعادية، والمحافظة على الأمن القومي بمختلف أبعاده. والسير المنهجي لعمل الوحدة يماثل مبدئيًا وبديهيًا مَطلع كل الأجهزة الاستخباراتية التي تَصعد تدريجيًا في سلم المهمات والإنجازات وجغرافيا العمل السري.

قبل تأسيس الاستخبارات الإسرائيلية عام 1951 كان العمل السري يتم بإدارة محكمة ومهيكلة لتنفيذ عمليات الاغتيال وجمع المعلومات، حيث كان يباشر هذه المهمات عصابات الهاجانا، أو لتهجير اليهود من بلدانهم إلى داخل فلسطين، قبل أن يباشر هذه المهمة الأخيرة الفرع الاستخباراتي «علياه بييت». فحصيلة العمل الاَني المتقدم للشباك والموساد هو نتاج مسار يزيد عن نصف قرن مع استمرار بعض الإخفاقات بين الحين والأخر. النصف الآخر من المعادلة يشتغل في ظروف صعبة ومساحة ضيقة حقق معها إنجازات مهمة ائتلف فيها مفهوم إدراك الواقع وتنبؤ المستقبل الذي يعتبر الماهية الجلية للعمل المخابراتي، وهذا ما ظهر غير ما مرة في إدارة المعركة مع إسرائيل التي تَهدهد بنيانها في أكثر من موضع.

المعنى العام كما الخاص يحيلنا مباشرة إلى حقيقة بارزة، تفرض علينا القول بمهنية واحترافية وحدة الظل، التي يتعدى واقعها اعتبارها مجرد مكتب تنفيذي تابع للإدارة العسكرية ينحصر دورها في الاحتفاظ الاَمن بالأسرى الإسرائيليين، إلى كونها إدارة مستقلة متعددة المهام والمشارب تستشرف إدارة الصراع من مختلف جوانبه وعلى كل مستوياته.

الجزء البسيط الذي انقشع من دائرة عمل وحدة الاستخبارات القسامية المتمثل في تأمين أسرى العدو بعيدًا عن نقاط رصد بشرية أو تكنولوجية، لا يعدو كونه اختزالًا منهجيًا لمجموع ميكانزمات اَثرت الوحدة إخفاءها استحداثًا لنظم قتال سرية يمكن اعتبارها جيلًا خامسًا من القتال، يستند هذا الجيل الجديد بالأساس على العمليات الخاصة التي تعتبر نسخة جد متطورة من حرب العصابات في الإستراتجية التقليدية.

إن الاحتفاظ بالأسرى في مأمن من أعين الجواسيس يتطلب عملًا مشتركًا ومتكاملًا بين عدد من المكاتب ذات التخصص المحدد والمستقلة شبكيًا لمنع وسعة الاختراق التي تلحق أحد هذه المكاتب. وهذه الهيكلة المهنية والعملية تمتد استطرادًا لتشمل مهام جهورية أخرى تعتبر مكملة لبعضها البعض. وتقعيدًا عليه فإن وحدة الظل تباشر عمل الرقابة الداخلية أو ما يصطلح عليه بالتجسس المضاد، الذي يتم من خلال أدوات جد معقدة أحيانًا كما هو الحال بالنسبة للعملاء المزدوجين أو الكشف عن عميل للعدو فيتم وضعه تحت المراقبة فيغدو صيدًا لا صيادًا كما هو متداول في العرف الاستخبراتي.

وحدة الظل بهرت الجميع في إدارتها لملف الأسرى وما تمخض عنه من نتائج منها صفقة الأحرار سنة 2011، حيث قامت القسام بمبادلة الأسير لديها جلعاد شاليط مقابل كسر قيود أزيد من ألف أسير فلسطيني، ومن ناحية ثانية استغلال هذا الملف في معركة الوعي لتأجيج موقف عوائل الأسرى والشعب الإسرائلي ضد الحكومة، كما حدث إبان المظاهرات التي قام بها اليهود الإثيوبيون في شهر يوليو (تموز) من السنة الجارية إثر قتل أحد أفراد الفلاشا على يد ضابط إسرائيلي؛ وإن كان هذا الحدث فقاعة نتاج اختمار العنصرية والتهميش الذي يمس فئات عدة من مكونات المجتمع الإسرائيلي، حينها أصدرت القسام شريطًا مرئيًا للجندي الإثيوبي الأسير لديها إبراهام منغستو وصرحت أن الحكومة الإسرائيلية تتجاهل هذا الأسير في مقابل اهتمامها بباقي الآخرين.

فيما يخص سياسة الاغتيال وتجفيف مراكز القيادة ونقاط التموين والتواصل والثأثير، فقد نهجت إسرائيل كل الماَخذ المتاحة والمحتملة والصعبة، وقد حققت نتائج عدتها تل أبيب قاتلة ومؤلمة لحركة حماس. ومن جملة هذه الاغتيالات، العملية التي استهدفت مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين سنة 2004، وتوالي العمليات ضد الرموز منهم سعيد الصيام، نزار الريان، صلاح شحادة، إبراهيم المقادمة وعبد العزيز الرنتيسي.

مجمل هذه العمليات والاستهدافات مكنت حماس من تملك تقاريرو تحليلات ومعلومات شكلت كنزًا معلوماتيًا ومدخلات مهمة أفضت إلى مخرجات واضحة حول أساليب عمل الاستخبارات الإسرائيلية، مما وفر لحماس رؤية واضحة ودافعًا لتغيير منهجية العمل الدفاعية والاستباقية والردعية للطرف الآخر، فكان ماَل هذا التغيير إيجابيًا، يظهر في القدرة الحالية لأجهزة الاستخبارات القسامية في مجابهة الإرادة الإسرائيلية الجامحة للاغتيال أو جمع المعلومات وتحجيمها والكشف عنها أيضًا، كما تحقق هذا النجاح المخابراتي الفذ من خلال سرعة ومهنية الكشف عن عملاء الاحتلال الذين نفذوا عملية اغتيال القسامي مازن فقهاء أو الكشف عن عملاء يتبوؤون مراكز قيادية داخل الحركة بعد حرب العصف المأكول سنة 2014. والدليل الضارب في الاَفاق عن حرفية ومهنية الأجهزة الأمنية والإستخبراتية في غزة يتوكد في عملية حد السيف التي أوجدت أرقامًا ومعطيات جديدة ومستعصية على الجانب الإسرائيلي الذي انكشفت أبرز وحداته النخبوية السرية التي شملت أعمالها دولًا عديدة، لكن تخوم ونواضح غزة كانت الاستثناء والرقم الصعب في مسارها المهني.

عملية حد السيف التي كشفت فيها القسام عن الوحدة سييرت متكال المتسللة إلى شرق خان يونس لزرع منظومة تجسس على إتصالات المقاومة، والتي قتل فيها قائد الوحدة وجُرح اَخرون، وبعد المواجهة الميدانية المسلحة ضد أفراد سييرت متكال والطائرت الحربية الإسرائلية التي شكلت غطاءًا ناريًا لإخراج الوحدة من غزة، تمكنت القسام من الحصول على المعدات والأدوات الخاصة بالوحدة، كما نشرت صورًا، خاصة لأفرادها ومعلومات شخصية عنهم وإعطاء معلومات دقيقة عن أساليب عملها وتحركاتها.

هذه التحركات والعمل السري للوحدات الأمنية والمكاتب الاستخباراتية مكن من تحييد عملاء إسرائيل في قطاع غزة بنسبة كبيرة، وبغياب العملاء تغيب الأهداف؛ مما جعل إسرائيل تضع في بنك أهدافها نقاطًا مدنية كالبنيات السكنية والحدائق وبعض المواقع التقليدية المكشوفة والتي تغيب فيها أهداف حقيقية.

ما يمكن الانتهاء عنده هو أن وحدة الظل أضحت جهازًا استخباراتيًا قويًا يشتغل بمهنية كبيرة، وتضطلع بمهام جسيمة في الكشف عن العملاء المدنيين أو العسكريين، وحماية قادتها وعناصرها، وتوفير المعلومات العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها عن الاحتلال الإسرائيلي.

أما عن عمل الوحدة خارج فلسطين، فمهامها تبقى محصورة في التموين والمال والخبرات، كما تقدم القسام تجربتها في حفر واستعمال الأنفاق كسلاح إستراتيجي في الحروب، كما أكد ذلك أحد قادة أحرار الشام في سوريا. وقد صرح أحد عناصر القسام في شريط مرئي نشر عقب اغتيال الموساد للمخترع الفلسطيني محمد الزواري في موطنه، حيث أكد أن المخترع التونسي محمد الزواري تمكن من الدخول إلى غزة أزيد من مرة ومساهمته في تطوير طائرات الأبابيل. كما هو محتمل تحقيق عناصر وحدة الظل لاختراق داخل إسرائيل، حيث كشف بعض المسؤوليين الأمنيين في تل أبيب أن بلادهم تخشى من توافد العمالة الغزاوية لحظر الطريق أمام عناصر المقاومة القسامية السرية.

انطلاقا مما سبق ندرك أن إسرائيل تجابه تحديّا صعبًا في غزة، بسبب الكشف عن عملائها واستعصاء الحل العسكري البري، مما يعطي إشارات مستقبلية عن السيناريوهات المحتملة للحرب أو السلم. أحد هذه السيناريوهات يمكن أن يكون الحرب الشاملة والخاطفة على غزة اعتمادًا على سياسة الأرض المحروقة لغياب بنك أهداف واضح. كما يمكن نهج الحل الوسط من خلال تخفيف معاناة سكان غزة وفتح الاستثمارات فيها، وهذا الإجراء الأخير سيكون مدخلًا وإستراتيجية استخباراتية لتحقيق اختراق ناعم لغزة عن طريق الشركات وغيرها.

فإسرائيل تضع نصب عينيها النتائج الرهيبة للحرب على غزة، فهي ستواجه غرفة مشتركة لمجموعة من الفصائل في مقدمتها كتئاب القسام والجهاد الإسلامي، كما يمكن أن تفتح عليها جبهة الشمال في مواجهة حزب الله، وهذه حرب ستكون مكلفة جدا لإسرائيل.

إن معالم المرحلة المقبلة ستحددها انتخابات الحكومة الإسرائيلية لما بعد نتنياهو، لكن يبقى الاحتمال الراجح هو الحرب على غزة، وحماس تدرك هذا الأمر جيدًا، والمؤكد من وجهة نظرنا أن الحرب الشاملة على قطاع غزة يسبقه إشغال المنطقة كاملة بالحرب، ولا سيما الشمال المصري في سيناء الذي تكونت فيه بذور التطرف والإرهاب المُصدَّر بعلامة غير مسجلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد