هل تصريحات ماكرون المعادية للإسلام، واستفزازه للمسلمين عبر نشر صوَرٍ مسيئةٍ لنبيِّهم عملٌ عنصريٌّ وعدائيٌّ فحسب؟ بالطّبع لا!

وهل يتوقَّف توقيت هذه التّصريحات والرّسومات على خلق عدوٍّ خارجيٍّ، وتصدير ماكرون بوصفه «كابتن فرنسا» للفوزِ بالانتخابات الفرنسيّة فحسب؟ لا.

باتَ واضحًا أنّ للسِّياسة دورها فيما حدث، فمنْ يُبْعِدُ المجهر الإعلامي المُسلَّط على فرنسا، ويرى الصّورة بشكل أكثر شمولية، يدْرِكُ أنّ العالم خاضعٌ لسياسةٍ جديدة، خطّة وضعت منذُ أمد، واليوم تنفّذ، طبخة وضعت على نارٍ هادئة واليوم نضجت!

الأحداث تتسارع، والهجمة على «الإسلام» غدت أكثر وضوحًا، فلم يعدْ الأمرُ مجرّدَ «مؤامرة» لا دليلَ عليها، بل أصبح اعتداءً سافرًا واضحًا. ففي حين انشغلَ العالم الإسلامي بالرّسومات، كانت «صفقة القرن» تتسلَّل في الخفاء وتطبع في العلن، عالم مشغول بالرّسومات والعدوّ الحقيقيّ على أسواره، بل قلْ داخل داره.

سيقول البعض، كيفَ لا تنصُرُ نبيَّك؟ أينَ الغضبُ لله ولرسوله؟ وسيضعُنا آخرون ضمنَ خانة «المسلم الكيوت».

إن هذا التَّفاعل السّطحيّ مع الحدث، يدفعنا للنّظر إليه من زاوية أخرى، أكثر بعدًا وأكثر اتساعًا، لنُدرِكَ أنّ الخدعة كانت دومًا في القبّعةِ لا الأرنب، وكما كان الأرنب أداة إلهاء، كانت الرّسومات.

أيعني ذلك أنّها غير مهمّة؟ طبعًا لا، لكنّها ليستْ بالأهمّية الّتي يصوّرها لنا الإعلام!

على المتحمّسين أن يتذكّروا، أنّها ليستْ المرّة الأولى الّتي يستهزأ فيها بالنّبيّ (ص)، وليست المرَّة الأولى الّتي يُؤخذ العالم الإسلاميّ بالحميّة، وكما كلّ مرّة ستكون فورةً سرعان ما تخمدُ نيرانها، وينسى النّاس. ذلكَ أنّنا نعيش في عالمٍ يتفاعلُ مع «الترند» أكثر من تفاعله مع الفكرة، بمعنى آخر يتفاعل عنْ حميّة جاهلية لا عن عقل ودين.

ثمّ هل فرنسا هي أوّل من استهزأ بالنّبيّ (ص)؟ بالعودة إلى السّيرة والقرآن ندركُ أنّها ليست الأولى، بل لم يسلمْ نبيّ ورسول من استهزاء قومه، ورسولنا (ص) خاتم النّبيّين، والمبعوثُ لا إلى قومِه فحسب بل إلى العالم أجمع في كلّ مكان وزمان، وعليه لا يُسْتَغْرَبُ الاستهزاء بمقامه على مستوى عالميّ، والدّعوة الّتي تدّعي أنّها عالمية، من السّذاجة أن تحسبَ المواجهة قطرية!

وبالعودةِ إلى السّيرة كذلك، نرى أنّ الرّسول (ص) لم يردّ على مستهزئيه، ولم نجدُ أنّ أحدًا من الصّحابة قتل أو سبّ مُستَهزءًا، ألم يغضبْ الصّديق؟ ألم تأخذ الحميّة الفاروق؟ ألم يكن أحبّ إليهم من أنفسُهم؟

بلى، لكنّ الرّسول (ص) كان يركّزُ على الغاية الكبرى، بحيث بدت هذه الاستهزاءات ذبابًا يزعج ربّما لكنّه لا يستحق أن يُتوقف عنده، كان النّبيّ ومن معه يُدْرِكون أنّ الاستهزاء مجرّدُ حربٍ إعلاميّةٍ لمجموعةٍ مفلسةٍ تستشعِرُ خطرَ الدّعوةِ الفتيّة، وأنّ الدّخولَ في المواجهةِ يستنفز الدّعوة الحديثة ويسمحُ للمُستهزئينَ بإطالة نفسهم ولو لوقتٍ قصير.

لذا وإن أُزعِجَ رسول الدّعوة الفتيّة بالاستهزاءات فإنّه لم يدخلُ في مواجهة مباشرةٍ مع المستهزئين. كان يعدّ لما هو أكبر، كان يبني الشّخصيّة القادرة بعد عقدين من الزّمن على فتح مكّة، على دخولها شامخًا، ويسأل المستهزئين والمتشكّكين «ما تَرَوْنَ أنّي فاعلٌ فيكم» فيكون ردُّهم صاغرين «خيرًا، أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم»!

ختامًا، لا نبرّرُ ما فعلته سياسة ماكرون، ولا نستصغِرُ أهميّة المقاطعة، والاستنكار، بل ندرِكُ أنّ الفرد المسلمَ يجبُ عليه تغيير المنكرِ ولو بقلبه، لكنّنا ندعو إلى النّظر بشكل شموليّ، إلى عدمِ الوقوعِ في فخِ الأرنب. إلى عدمِ الانجرارِ وراء العاطفة الغريزيّة الّتي تصبُّ في مصلحةِ العدوِّ وتبرّرُ أفعاله، والإحجام عن ردّات الفعلِ التي سرعان ما نملُّها لأنّنا ندرِكُ أنّ لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوت وجنوده!

إنّ التّغييرات في المنطقة تمهيدٌ لأمرٍ جلل، هو أكبر بكثير من رسومات وكاريكاتورٍ، إنّ المنطقة خاضعةٌ لتغيير جذريّ و«الإسلامُ«» دينًا وفكرة هوَ المستهدف، وهو الّذي يجبُ العملُ على حمايته والدّفاعِ عنه، بدل الدخول في معارك هامشية غير مُتْقنة ضرَرها أكبر من نفعها، ردة فعل هنا وهناك تنهِكُ الضّاربَ أكثرَ من المضروب. معارك تغرقٌ بتفاصيل لا تسمن ولا تغني من جوع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد