من الأساسي حتّى نفهم سياق القرن التاسع عشر ومركزية الحرب والصراع في عقليّة ذاك الزّمن، أن نبدأ بالمفهوم الذي صاغه مايكل رينولدز لتوصيف السياسة الدولية في القرن الأخير للسلطنة: الفوضوية التنافسيّة (competitive anarchism)  على عكس النظام الدّولي الحديث الذي اعتدنا عليه، حيث هناك جمعية أمم متحدة وقطبٌ واحد ـ أو قطبان ـ يؤمّنان استقرار منظومة الدول، ويضمنان حدودها وسيادتها، نحن هنا في عالمٍ ليس فيه قانون دولي، ولا حقوق سيادة، ولا شيء سوى القوّة يمنع بلدًا من التوسّع على حساب آخر.
في عالم اليوم، لو كان هناك بلدٌ طرفيّ صغيرٌ وثري (كالكويت) إلى جانب بلدٍ طرفيٍّ أكبر وأقوى (كالعراق)، فليس من البديهي أن يلتهم الثاني الأوّل، وهو ما كان سيحصل بالقطع في حقبة تشكّل الدّول. النّظام العالمي سيحمي «زبائنه» ويحافظ على الإجماع القائم حين يكون في مصلحته، ويسمح للدّول الفاشلة بأن تستمرّ ــــ وتتعفّن ــــ في كنفه، بل سيدافع عنها ويصونها حين تواجه تهديدًا عسكريًا من الدّاخل أو الخارج (الدّول الوحيدة اليوم التي لا تزال تعيش وفق قواعد «الفوضوية التنافسية» هي «الدول المارقة» كإيران وكوريا الشمالية، التي لا تعترف القوة المهيمنة بشرعيتها وتعتبر الحرب ضدّها مباحة حين تصير متاحة).

الدول الكبرى لا تحبّ أن تُمعن النّظر في هزائمها وفي اللحظات التي تُتحدّى سرديتها الوطنية عن الصّعود والنّصر والتوسّع؛ لهذا السبب لا تلقى حرب فيتنام المساحة الكافية من الاهتمام في الكتابات والدّراسات الغربيّة المعاصرة (الأمر ذاته ينطبق على غزو العراق، حيث إنه ما أن خمدت العمليّات العسكريّة بعد عام 2006، لم تعد الكتب عن العراق تلقى رواجًا في أمريكا، ولا أحد يهمّه أن يبحث في جذور الحرب وأسبابها، ومن كذب ومن صدق؛ الجمهور يريد – فحسب – أن يتجاوز الذكرى السيئة و«يضعها خلفه»). من جهةٍ أخرى، أن تتجاهل حقبةً من التّاريخ لا يعني أنّ هذا التاريخ لم يصنع واقعك، ولا يؤثّر عليك اليوم في كلّ لحظة، بل هو يعني أنّك – ببساطة – غير واعٍ لأثره.

من بيروت إلى كاراكاس، الأمثولة الأهم للاصطفافات التي نراها حولنا هي أنّ مصالح القوة وحساباتها تحكم المواقف التي يتوزّع عليها النّاس أكثر بكثير من «النظرية» أو الكلام السياسي بمعنى (rhetoric) أو تحليلك للتاريخ والسياق. السؤال الدائم في بيروت هو عن ما يجمع أوساط الإعلام الخليجي مع جمهور المنظّمات الغربية مع اليسار «الجديد»، وكلٌّ منهم يعتمد على مرجعيات سياسية و«فلسفية» مختلفة إلى حدّ التّناقض والتّصادم، حتّى يقفوا جبهةً واحدة في أكثر الأسئلة الأساسيّة، وصولًا إلى موضوع «جبهة النصرة» و«المفاضلة» بينها وبين المقاومة.

وفي سياق مشابه، لكنه قد يبدو مغايرًا أنّ سلوك الكثير من العرب ونخبهم تجاه العراق، منذ عام 2003 يشبه من يعتبر أنّ العراق قد «ضاع» ولم يعد هو نفسه حين تغيّر نظامه السياسي؛ أو أنّنا «خسرنا العراق» منذ سقوط صدّام حسين ووقع البلد في يد «الايرانيين» و«الشيعة»، وأصبح أرضاً سُلبت منّا وفتحها الأعداء واستوطنوها، تماماً كالأندلس. لم يعد هناك في أرض الرافدين ـ في ذهن هؤلاء ـ شعبٌ وناسٌ وتراثٌ ومآسٍ، بل مجرّد ساحة يجب «استرجاعها» بأيّ ثمن، ولا ضير من تدميرها دون ذلك، أو تقسيمها وتخريبها لو لزم.

كأنّ كل كلام الثمانينات عن التعلّق بالعراق وبدوره «المركزي»، والرومانسيات عن شعب العراق وكرمه ونبله، كان مرتبطةً حصرًا بأبي عديّ وقد زالت مع زواله.

لكن أبرز النقاشات الدائرة في أروقة السياسية العالمية أن الأزمات والصراعات في منطقتنا، كما يشرح أكثر المحلّلين أنّ «البنية التحتية» للسياسة والمصالح الدّولية في الإقليم هي ـ قبل كلّ شيء ـ حسابات النّفط والطّاقة؛ من حرب سوريا إلى الأزمة القائمة في الخليج.

لهذا السبب تحديدًا اكتست الهيمنة الأميركية في الخليج والمنطقة بطابعٍ خاصّ، عنيفٍ ولا يقبل المساومة. وكما يذكّرنا جورج قرم، فإنّ السّبب الوحيد لوجود عقد الدّول «السيّدة» اسميًا على ساحل الخليج اليوم هو أنّنا لم نعد في القرن السابع عشر، حين كانت القوى الأوروبية قادرة ببساطة على إخراج السكّان المحليّين من المعادلة، وقتلهم وتهجيرهم واستغلال الموارد الثمينة بشكلٍ مباشر، ولكنّ النتيجة المرجوّة هي ذاتها: أن تتحكّم أمريكا بمستوى إنتاج النفط وتسعيره، أن تعود هذه الأموال النفطية إلى الاقتصاد الغربي على شكل استيرادٍ واستثمار، وأن يخدم النّفط العربيّ مهمّات محدّدة على مستوى النظام العالمي. حين يكون الهدف هو توظيف النفط العربي، بشكلٍ كامل، ضمن نظام الهيمنة العالمي، فإنّ الوجه الآخر لهذه المعادلة هو أنّ هذه الثروة يجب أن تخرج من يد السكّان المحليّين الذين يعيشون فوق هذه الاحتياطات الطاقوية بشكلٍ كاملٍ أيضًا، وأن تُدار وفق حساباتٍ لا علاقة لها بالمصالح السياديّة.

في أساسيات الاقتصاد أنّك حين تصدّر سلعةً أو خدمةً، فأنت تخرجها من درب الاستهلاك المحلّي وترسلها الى بلدٍ آخر ليستفيد منها مقابل عملة صعبة، والسّبب الوحيد الذي يدفعك للتصدير هو لكي تتمكّن ـ بدورك ـ من استيراد ما لا تقدر على إنتاجه باستخدام احتياطاتك النقدية. من هنا فإنّ أسئلة كـ«لماذا نصدّر» و«لماذا نستورد» مرتبطةٌ بشكلٍ وثيق، وهي أهمّ الخيارات في أيّ خطّة تنموية. حين تصدّر النّفط أو ثروةً طبيعيّة، فإنّ الخيار يصبح ثلاثيًا، بين أن تصدّر هذه الطّاقة وتخسرها لصالح غيرك مقابل مال، وبين أن تستخدمها داخليًا لإنتاج القيمة والسّلع، وبين أن تبقيها في باطن الأرض وتحتفظ بها للأجيال القادمة. ومن يعتمد على تصدير نفطه باستمرارٍ لتمويل الاستيراد ونمط حياةٍ استهلاكي (بدلًا عن أن تنفقه لتأسيس صناعاتٍ ونشر التعليم حتى تغتني عن الاستيراد، أو حتّى تخلق مصادر إنتاج مستدامة لا تقوم على تسييل الثروة الكامنة) هو تمامًا كمن يختار أن لا يعمل وأن يُنفق من إرث أبيه. الرّخاء الظاهري الذي يجلبه الإنفاق يعطيك شعورًا زائفًا بالنّجاح، طالما أنّ هناك مالًا في الخزانة، وتبدو أي مهنة «عاديّة» أو تعلّم صنعةٍ اقتراحًا غير مجدٍ. وحين يزيد عدد أولادك وتتضخّم حاجاتك، تصبح مجبرًا على السّحب من الرّصيد المتبقّي بأقصى وتيرةٍ ممكنة.

فكرة أنّ كلّ دول الخليج، من السعودية الى الكويت، تنتج النّفط بالحدّ الأقصى الممكن تقريبًا، وتعتبر بلادًا لا يزيد عدد مواطنيها على مئات الآلاف أنّه من الطبيعي أن تنتج ثلاثة ملايين برميل يوميًا، هو دليلٌ ساطع على أنّ انتاج النفط في بلادنا لا يخضع مطلقًا للمعايير والحاجات المحلية، بل يسدّ دورًا في الخريطة العالمية للطاقة (وأن تصبح هذه الدّول «مضطرّة» إلى إنتاج هذا القدر الهائل لتغطية ميزانيتها واستهلاكها، بل تقع في عجزٍ حين تنخفض أسعار النفط، هو مثالٌ أفدح عن «النظرية التنموية» التي تمارسها هذه الأنظمة). للمقارنة، لو أردنا أن نضع إيران ـ بعدد سكّانها ـ في ما يشبه «النّموذج السّعودي» اليوم، لكان عليها أن تنتج 40 مليون برميلٍ من النفط يوميًا، أي أكثر من ثلث الإنتاج العالمي أو الإنتاج السعودي مضافًا إليه إنتاج روسيا وأمريكا وفنزويلا والكويت، وستكون في عجزٍ ماليٍّ رغم ذلك (عدد سكّان السعودية هو ربع سكّان إيران، وإنتاج السعودية يفوق الإنتاج الإيراني مرتين ونصف؛ ولكنّ حجم المستوردات السنوية لكامل الشعب الإيراني تمثّل ــــ في الوقت نفسه ــــ أقلّ من ثلث قيمة الاستيراد في السعودية «الصغيرة»). ولعلّ الحجم السكّاني لإيران هو ما جعلها في السبعينيات من أولى الدّول النفطية التي واجه نمطها «التابع» أزمةً وانهيارًا رغم ارتفاع الإنتاج والأسعار (حين خُلع السنوسيون في ليبيا لم يكن الإنتاج الليبي قد أصبح مهمًّا على المستوى العالمي بعد، وعام 1958 في العراق لم تكن عائدات النّفط كبيرةً لدرجة تشكيل اقتصاد «ريع»). وسجال الثروة والسيادة يطبع كلّ المواجهات الكبرى في تاريخ إيران القريب، من ثورة 1905 إلى مصدّق وتأميم النّفط وصولًا الثورة الإسلامية، وهو صراعٌ بين نموذجٍ «تابع» وآخر يرى أنّ مفتاح التنمية يبدأ بالسيطرة على الثروة الوطنية وتوجيهها نحو الدّاخل، ويربط بين الهيمنة الخارجية وبين التخلّف وهدر الموارد، ويعتبر أنّ عدوّه ليس النّظام الحاكم فحسب، بل القوة الأجنبية التي تقف خلفه.

وعلى ضوء هذه المتغيرات ،  يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقول: نقوم اليوم، أخيرًا، بالاعتراف بما هو جليّ: أنّ القدس هي عاصمة إسرائيل. هذا الفعل ليس أكثر أو أقلّ من اعترافٍ بالواقع، وهكذا نجد النقطة الأساس في القرار الأمريكي حول القدس هي ليست – كما يحاول البعض أن يشيع – استسهالًا، لن يزيد الأمور سوءً وأنّه لا يغيّر شيئًا، بل هو يغيّر؛ ولا أنّ المسألة «رمزية»،  بل هي نتاج لحصيلة الصراع في العالم العربي والإسلامي وفقًا لتلك المتغيرات. أم أن هنالك متغيرات أخرى بحسب ما أشار إليها الفيلسوف الياباني ديساكو إيكيدا بأنه: يُمكن أن يكون الدين أساس فلسفة الاتساق التي تسمح للإنسانية بمواجهة والتغلب على الشرور التي تهدد وجودها؛ بمعنى أن الصراع يتعلق بمنظومة القيم الأخلاقية، ذلك إن كان الصراع سياسيًا، وليس دينيًا.. لأن الصراع الديني صراع وجودي، غير أن ذلك أيضًا لا يغفل دور القانون الدولي وعلاقته بالبعد الاقتصادي والدبلوماسي.

ومما سبق، هل يُمكن إجراء مقاربة معيارية مع اتفاقية أوسلو  التي تضمنت أن القدس عاصمة لدولتين ( إسرائيل ) و(فلسطين) وبين روما من حيث كونها (مجازًا) عاصمة لدولتين: إيطاليا، و(الفاتيكان.. باعتبار أن أوروبا هي مركز الكون في سياقات تتلاقى أو تتعارض مع التمركزية الأوروبية، إذا ما كانت القضية الفلسطينية تحمل ذات المسألة الرمزية، وتنحو باتجاه  قراءة ( متأنية ) لمسارات القرار الأمريكي حول القدس في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية؟! أو التمركزية الاستعمارية ذات الصلة بالسياسات الاستعمارية التي تعني سياسة أو ممارسة الحصول على السيطرة السياسية الكاملة أو الجزئية على دولة أخرى، واحتلالها مع المستوطنين، واستغلالها اقتصاديًا. ولقد أدى تحليل الصراع  القائم حول عملية استغلال الأرض إلى ظهور جغرافيا جديدة عن الصراعات المحلية، وأخذ الاهتمام بقضية القوة والسياسة في دراسة الحضر مكانًا لائقًا.

وفي كلتا الحالتين أدى إدخال البعد السياسي في التحليل إلى بروز أهمية المكان، وأهمية الدور الذي تلعبه المحليات – البلديات: المجالس المحلية والنيابية في عدد من الدول العربية، لا سيما في القضايا السياسية والاقتصادية. ويحدد من خلالها طبيعة تدخل الدولة في عدة مجالات اقتصادية واجتماعية، ومنها اقتصاد الطاقة وانعكاس ذلك على فاتورة أداء المواطن لفاتورة الماء والكهرباء الشهرية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات