حين اندلعت ثورات التحرر الوطني من الاستعمار في المنطقة العربية والعالم، كانت الغاية منها بناء دولة وطنية تتحرر فيها الشعوب من التبعية والتخلف وتدخل العصر الراهن الذي يتميز بالتقدم التكنولوجي وتضخم المعرفة. فالمشاركة في مسار المعرفة الضخمة هو السبيل للتحرر الفعلي من التبعية وتحقيق ما تطمح إليه الشعوب من حرية وكرامة وازدهار ورفاه. تلك كانت طموحات أجيال من الثوريين والمفكرين والعلماء ومن عامة الناس ممن آمنوا بأن العلم والمعرفة والإيمان هما السُبل الحقيقية لبناء المستقبل. كما آمن هؤلاء أن ذلك لن يتحقق إلا في كنف دولة مدنية ديمقراطية يسود فيها القانون وتحترم فيها الأعراف والمُثل والقيم الدينية والإنسانية وتُحَقِّقُ المساواة في المواطنة بين الجميع أغنياء وفقراء. تلك كانت الغايات القصوى لأجيال ناضلت وجاهدت وانتهى بعضها شهيدا ولكن واقع الحال أمر آخر.

حين تحررت الشعوب العربية وأُعلن استقلالها من قِبل مستعمريها أو حماتها (حسب طبيعة الاحتلال: استعمار مباشر عسكري أو اتفاق حماية أدى لنفس النتيجة) ظنت الشعوب أنها أخيرا ستتمتع بثمار الحرية التي ناضلت وضحت بأرواحها من أجلها، وأنها أخيرًا ستسترد كرامتها التي أهينت طيلة قرون من الاحتلال والاستعمار والاستيطان وأنه حان الوقت لتتمتع بثرواتها التي نهبت من قبل المحتل وعملائه من الداخل، وأنه حان زمن الدولة الوطنية الديمقراطية التي تتحقق داخلها الحرية وتحفظ فيها الكرامة. تلك كانت أمانيّ الشعوب وأحلامها التي أُعتقد لحين أنه حان وقت قطافها. ولكن المسار اللاحق للدولة الوطنية الناشئة أحبط كل أمل في تحقيق الأماني والأحلام ودمر كل طموح ممكن للارتقاء والازدهار والمساواة أمام القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية. فلقد تحولت الدول العربية لمقابر للقيم الدينية والإنسانية ومزقت الحرية وأصبحت أشلاء في سجون الطغاة وبددت الثروة على نزوات الحكام وأعوانهم ونسف كل نفس تحرري وبعثرت الكرامة الإنسانية حتى أصبح الرجال والنساء والأطفال يغتصبون على قارعة الطريق وممن؟ ممن وُكِّل بحمايتهم والحفاظ على كرامتهم وتحولت الجيوش من حماية الثغور إلى حماية كراسي الحكام وتحول الأمن من محافظ على كرامة الشعوب إلى أداة التنكيل بتلك الكرامة. وتفنن الطغاة في إهدار كرامة شعوبهم وإذلال نفوسهم وكسر إرادتهم حتى أصبحت ترى المواطن العربي يمشي في الطريق مرعوبا خائفا حائرا ملتصقا بحائط في عينيه نظرة يأس وغياب أمل في اليوم والغد.

في خضم هذا الوضع كان الأمل في النخب الفكرية والثقافية والدينية والعلمية، ولكن الأمل خاب حين انخرط الكثير من هؤلاء في مسار الطغاة وأصبحوا ناطقين رسميين باسمهم وأصبحت كتبهم على قارعة الطريق بفضل السلطة القاهرة لا بفضل عِلمهم وبيعت ضمائرهم قبل أقلامهم لمن يدفع أكثر من الطغاة واحتل هؤلاء الفضاء العام الإعلامي المكتوب والمرئي وأصبحت كل كتباتهم مناقضة لواقع الحال، حتى أن أحدهم حين كان النظام القمعي في تونس يحاصر الحوض المنجمي في أحداث 2008 كان هو يتحدث عن الهدوء والمشاريع حتى حول المنطقة لجنة على وجه الأرض، في حين كانت في تلك اللحظة ينصب عليها جحيم الطاغية. هؤلاء كانوا أداة الدعاية لأنظمة فاسدة ومفسدة. هؤلاء هم زبانية الاستعمار الداخلي وخدمة وكلاء الهيمنة الخارجية ومنظري التبعية باسم الحداثة والتحديث في حين أن فكرهم ليس إلا تشريعا لكل ما يناقض قيم الحداثة والتحديث، بل هم من شرعوا عبث الحكام بالدساتير التي وضعت في الأصل لتحقيق أمل الشعوب مثلما حدث مع دستور 1959 لتونس الذي عَبثت به النخبة حتى قُبر الأمل الذي أناره المؤسسون الأوائل في بناء دولة وطنية مدنية ديمقراطية في تونس تحفظ كرامة الشعب وتحقق الازدهار والرفاه وتحولت تونس بفضل هؤلاء الفقهاء الدستوريين إلى مقبرة جماعية لكل نفس تحرري وحلّ الطغيان مكان الأمل الذي زرعه المؤسسون الأوائل في تونس وفي بقية الدول العربية.

لقد كشفت ثورات الشعوب العربية في بدايات القرن الحادي والعشرين والتي انطلقت بداية من 17 ديسمبر 2010 في مدينة سيدي بوزيد في تونس عن مدى الفساد الفكري والسياسي والفراغ القيمي لهذه النخب التي استعملت وتستعمل كل الوسائل للقضاء على آمال الشعوب الثائرة، فوأدت ثورة مصر وسلمتها للعسكر وأشعلت نار الحرب الأهلية في اليمن وليبيا وسوريا، وتضيق الحياة على الشعب التونسي في معيشته وترذل المؤسسات الديمقراطية لدفعه نحو الاستبداد الذي تشرع له صباح مساء باسم حماية الوطن في حين لا تهمها إلا مصالحها الخاصة ومحافظتها على امتيازاتها التي حققتها طيلة فترة الاستبداد على حساب المصلحة العامة للشعب والمصلحة العليا للدولة.

إن ما تقوم به النخب الاستعمارية في تونس وغيرها من الدول العربية من حرب ضد كل نفس تحرري ومن محاولات وأد كل أمل في بناء دولة وطنية حقيقية تحرر الأرض والناس من التبعية للقوى الخارجية وتزرع الأمل في مستقبل أفضل للأجيال القادمة إنما هو شكل من أشكال الاستعمار ولكن الداخلي الخادم لقوى الهيمنة الخارجية. إنها نخبة سياسية وقانونية وفكرية تابعة وخاضعة تريد أن تجعل الجميع خاضعين وتابعين للقوى التي تمولها وباعت لها ضميرها وقلمها حتى أصبح عقلها تابعا. إنها نخب الوعي المستلب التابع التي فقدت كل أمل في أن تكون يوما حرة ذات كرامة ولذلك تسعى بكل جهدها لجر الجميع نحو ذلك المصير وتستعمل كل الأدوات التي اكتسبتها خلال تحالفها مع الطغيان لتكريس الاستعمار الداخلي وبكل الوسائل بما في ذلك الإرهاب والترهيب ودفع المواطنين للتقاتل بين بعضهم البعض (مثلما حدث في الجنوب التونسي). فكل الوسائل مباحة عند هؤلاء ما دام ذلك يخدم أسيادهم في الخارج ووكلائهم في الداخل.

ونحن على أبواب الاحتفال بالذكرى العاشرة للثورة التونسية لا يمكن أن نتحدث عن تحقيق أهدافها إلا في اللحظة التي تتحرر فيها تونس من الاستعمار الداخلي، الوريث غير شرعي للاستعمار المباشر (المفروض أن الوريث الشرعي هو الدولة الوطنية لا دولة الوكلاء) والوكلاء عنه في إذلال الشعب وإهدار ثورته. فلا مستقبل دون تحرر من الاستعمار الداخلي ورموزه التي تتصدر الفضاء العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد