الحرب صراعٌ قديمٌ قدم الإنسان نفسه في هذه الدنيا، بدءًا من زمن الجاهلية، مرورًا بعهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء، وما تبعهم من حكم وصولًا إلى عصرنا الحاليّ، والحرب هي الشاهد الأوّل والمؤكد على تطوّر البشريّة في أسلحتها وطرق القتل والدمار، التي لا يتوانى العدوّ عن إلحاقها بخصمه.

الحرب مستمرّة والصراعات لا تنتهي، تأكل لحوم البشر، وتتغذّى على أرواحهم، قتلٌ، دمارٌ، استيلاءٌ على المدن والممتلكات، انتهاكٌ للحرمات والبيوت، هذا ما يحدث عادةً في أيّ حربٍ، إذ إنّ الهدف يكون إلحاق أكبر قدْرٍ ممكنٍ من الخسائر بالطرف الآخر لكسر شأفته وقوتّه، وبالتالي فإنّه يؤدي إلى قتل الكثير، والكثير من الخسائر التي تقدّر بمئات وربّما بآلاف الملايين!

هؤلاء هم ضحايا الحرب، أشخاص لا ذنب لهم سوى أنّهم وجدوا في المكان الخطأ لحظة إلقاء قذيفة أو قنبلة، لكن لحظة، هل الحرب تقتصر على القتل والدمار، أو موت المئات من البشر في لحظةٍ واحدة؟!

هل الحرب دماءٌ تهدر وتصطبغ بها الأرض، وجثثٌ تتكدّس بعضها فوق بعض بملامح مشوّهةٍ ومنفّرة؟!

أحقًّا هذه هي الحرب الوحيدة التي نخوضها في حياتنا؟! أم أنّ هناك حروبًا أخرى تبدأ وتنتهي بصمتٍ دون أن يشعر بها أحدٌ سوانا؟! هل كونها حربًا تتمّ في الخفاء ينزع عنها صفة الصراع؟! وهل كونها لا تسفر عن ضحايا ظاهرين للعلن ينزع عنها صفة الحرب؟!

ألا تتساوى في ذلك مع الحروب الباردة التي قامت في سالف العصر؟!

سأعترف لك بشيء، داخلي عشرات الحرائق، ومئات القتلى الذين يتهاوون كلّ يومٍ دون أن أجد مكانًا لأدفنهم فيه، كلّ يومٍ صراعٌ مع الحزن والألم، وصراعٌ آخر مع هذا البؤس الذي يحتلّني دون رادعٍ أو مانع، لكن لا بأس فهذه حربي، حربي أنا وحدي، لا حلف فيها، لا معاهدات، ولا اتفاقيّات، حتى القتلى سيبقون بداخلي، أجل لن يراهم أحد فيؤذي ذلك قلبه وشعوره.

إذن لم لا نقرّ ونعترف أنّ هناك حربًا من نوعٍ آخر نخوضها كلّ يومٍ؟!

بل كلّ ساعةٍ ولحظة مع أنفسنا، إنّني أحارب نفسي ومزاجي كلّ يوم في سبيل النهوض من السرير، ومواجهة هذه العالم المزعج. أليستْ هذه حربًا من نوعٍ آخر، صراعٌ مع الذات ونوعٌ من مجاهدة النفس أن تستيقظ كلّ يومٍ لتواجه كآبة العالم وبؤسه، وتمارس الروتين نفسه!

وأيضًا حين نحارب مزاجاتنا المتقلّبة كأيام الخريف فترفض الثبات على شيءٍ معيّن، وحين نحارب وأحزاننا التي تحاول إطفاء الروح، وقتل الشغف للحياة، للحبّ، للعمل، لأيّ شيء كان، ألا نكون قد خضنا حربًا وأنهكنا فيها الروح والجسد!

صدقًا لست أدري أيّهما أصعب وأفظع، أن تصبح خلال لحظاتٍ جثّة هامدةً لا روح فيها ولا حياة، أم أن تصير جسدًا منزوع الروح يتحرّك بين البشر دون جدوى؟!

أليس كلاهما حربًا ودمارًا على ذات الانسان ونفسه؟!

أليس كلاهما أيضًا إنهاكًا لروحٍ تتمنى كلّ يوم أن تتجاوز هذا الثقل الذي تنوء بحمله كأنّه الجبل!

باعتقادي ليس من الضروريّ أن يسفك دمك ليقال عنك إنّك ميتٌ، أو إنّك ضحيّة لخرابٍ كبير، فخراب الروح أبشع وأشنع بكثيرٍ من خراب بيتٍ، أو أرضٍ، أو منشأة؛ إذ إن الروح الخربة الخاوية صعبٌ إعمارها مرّة أخرى، وإن كان ذلك ممكنًا، فإنّها لا تعود كسابق عهدها، لذا صدّقني حين أقول لك إننا الأبطال المهزومون، أنّنا أمواتٌ، أجل نحن أمواتٌ بطريقةٍ أو بأخرى، كثيرٌ منا أمواتٌ لكنّهم ما زالوا على قيد الحياة، فكلّ منّا في هذه الحياة يخوض حربه، ولكن على طريقته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد