ولدت في سجن كبير كل شيء فيه مباح إلا الحرية. يتركونني آخذ الخطوة ظنًا منهم أنني أستمتع بحرية القرار، ولكن الحقيقة أنني كالماريونت مربوطة من اعلى بقيود تتحكم في عقلي.

نضجت لأدرك أنني في مسرحية تدعى «وطن»، فصولها تختلف لتدور حول محور واحد فقط وهو الصراع؛ فمهما كانت أحداث المسرحية فالمشاهد يخرج «مستمتعًا» مستزيدًا.

تيقنت أن السعادة منبعها الإنسان أولًا ثم تنتشر في الآخرين.

في البداية تركت نفسي لأنغمس في تيار اليأس الذي يريدوننا أن نموت فيه. فكل ما حولي يدعوني لتقييد ما بداخلي يقتلون الأحلام. فهل أنا على يقين من مكاني؟

شعرت أنني في عالم عبثي، فحاولت أن أنظر للأمور من جانب آخر.

هذا السجن الكبير ما هو إلا بدائي يليه استئناف ونقض للحصول على حياة حرة، سواء أكانت في هذا العالم المادي أم في الآخر اللامتناهي. فطاقة الغضب والثورة التي بداخلي أحاول تغيير مسارها لتكون طاقة إيجابية.

تأكدت أن فكري هو ما أمتلكه. حين يكون الطموح فقط طوق النجاة، فهذه لا تدعى حياة. من الصعب تغيير الكون للحصول على ملذة الشخصية أو حتى تغيير فكر الآخر؛ لأننا ببساطة لا نمتلك السلطة. فبداخل كل شخص شعلة طاقة لا يمكن للرياح إخمادها.

لذلك كنت أبحث عن نفسي وسط هذا الضياع.

فما الحزن. بل كيف يحزن الإنسان؟ كيف يستطيع أن يبكي. هل هو يبكي لأنه حزين بسبب شيء ما، أم حزين بسبب ما سينتجه اختفاء هذا الشيء من أضرار؟ فأصبحنا نسمع كل يوم، بل كل ساعة خبر وفاة. هل أصبح الموت أكثر من رغيف العيش المتاح للفرد؟

هل كان كائن الموت يعيش دائمًا حولنا ولكن نحن الذين كنا غير ملتفتين له؟ الكارثة ليست في الفعل نفسه، بل هي تتمثل في غض النظر عن الكارثة.

نسمع كل يوم قصص قتل، اغتصاب، ظلم وما لا نهاية. هل مياه النيل أصبحت عكرة لدرجة أنه لا يوجد فلتر ينظفها؟

يقال دائمًا إننا يجب أن ننظر إلى نصف الكوب المليء، ولكن من قال هذا لم يأخذ في عين اعتباره أن المجتمع الذي نعيش فيها يعطي للمواطن كوبًا فارغًا بل مكسورًا أيضًا ليشرب هو أكوابًا فائضة.

فإلى متى سنستمر في البحث عن مستقبل أفضل؟ أخاف أن يأتي يوم النهاية ويظل يبحث الإنسان عن مستقبله.

الحقيقة هي أن الدنيا أكذوبة كبيرة، والأخرون هم الجحيم. منتظرين الغد ولكن هل يمكن ألا يأتي؟ آه لو كان من الممكن غيابه لكي نرتاح. لماذا نشعر أن الليل أطول من النهار؟ الليل، ما الليل؟ كلمة لم نعرف أبدًا قيمتها، فهو نعمة، ولكن في الوقت نفسه له خطورة نتجاهلها. الليل ليس قصة ظلمة، ولكنه وقت يستر العريان ونتذكر فيه الذكريات. نتذكر؟ هل أصبح هناك وقت للتفكير؟ فالدنيا غسالة كبيرة لا يمكننا الوقوف أو مقاومة التيار، ولكن الأسوأ أننا من الأصل لا نشعر أننا في الغسالة. فالإنسان يظل يتخيل نفسه أنه ينعم بحرية القرار والتحكم، ولكنه يتجاهل دائمًا أنه مربوط بخيط طويل ورفيع يتحكم فيه.

تستطيع أن تغير ملابسك من الخارج، وتحاول إذا شئت أن تغير من حولك إذا شعرت بالملل. فنحن على يقين أنه يلزم التغيير، أعني التغيير في كلا الاتجاهين، سيئًا كان أم جيدًا؛ لأنه يقتل الروتين. ولكن هل نستطيع أن نغير أنفسنا؟ يا ليتني كنت لفة ورق يستطيع أن يبرم فيها نيكوتين، كوكاين أو حشيش. حينئذ سأتقمص بخيالي كل شخصية أتمناها. الوطن لا يعطينا واقعًا كافيًا لنعيش فيه، ونستطيع أن نكون أبطاله، لذلك لا يجب أن يحرمونا ويقتحموا عقولنا.

لماذا أصبحت الحياة هكذا معقدة كلها تعب؟ أصبح لها طعم مر، دمر كل شيء غال علينا. كنا نعتقد أن البلد تئوي ولكن اكتشفنا أنها علينا تفتري. فأين نذهب؟ عندما أصبح المأوى الوحيد هو عدونا. عدونا الذي أصبح الآن أفضل من صاحبنا. حتى أنفسنا أصبحت غريبة عنا غرب الرجل الذي يغتصب فتاة. آه لو كان هذا الفعل الوحشي غير موجود. يقال إن أغلب حالات هتك العرض تجري ليلًا. أهذا لكي تغطي قذارات المتوحشين مساوية بين الأغنياء وذوي السلطة؟ هؤلاء يغتصبون في ليلهم أما نحن، فكل شخص له ليله الذي يقضي وقته فيه شاعرًا أنه لقيط متوحد في الظلمة الحالكة. فالعالم يتحرك ويحترق أما نحن نتألق في ليلنا ونفترق عن ذلك العالم الأليم ذي الجو المهين والأشخاص المنافقين.

نعم العالم مسرحية من فصول لا نهائية يظن كل شخص فيها أنه البطل، ويتجاهل دائمًا نظرة الآخر فيه كالكابوس. لذلك فالابتعاد عن هذه الدنيا نعمة في ظل مجتمع يحبذ الظلم. ولكن كيف يبتعد؟ يمكن عن طريق النوم؟ فنعيش في مجتمع يفرض على الإنسان النوم ليتغلب على همومه. ولكن يجهل المجتمع أن في نومه يخطط المواطن ليتغلب على المجتمع في يوم ما.

كيف سيكون هناك فرح وراحة وسط غياب التعب والسهر؟ يقولون «من طلب العلا سهر الليالي». وها نحن ساهرون والنوم في أعيننا ولكن إرادتنا في محاربة الحياة أكبر؟ ذلك الشيء الذي به يستطيع الإنسان أن يتغلب على تلك الشهوات المدمرة. ولكن هل يستطيع الإنسان فعلًا التغلب على شهواته، علمًا بأنه كائن رغبات؟ هل لشهوات الجسد، المال، النساء أو السعي وراء الجنس نهاية؟

لماذا يتبعنا الحزن أينما هربنا منه؟ لماذا يظل الحزن يلحق بنا بكل أشكاله متنكرًا في شهواتنا؟ فمهما حاولنا أن نقاومه يجد طريقة ليغطي بها على الفرح الذي نحاول أن نشم رائحته؟ نحن في دائرة لا نهائية نحاول أن نلحق بالسعادة بينما الحزن يلحق بنا فمن هو الأسرع؟ أعتقد أن الحزن الحقيقي هو حزن الموت وأكثرهم هو إماتة الجسد لنفسه.

فالموت حولنا في كل مكان، بل هو يعيش فينا. أغلب الذكريات التي نتذكرها ونبكي عليها هم الأشخاص الذين تركونا. تركوا هذا العالم الصعب المليء بالقهر. فكيف نستطيع أن نرتاح ونحن كائنات موت. فالأمر أشبه برجل سجين مربوط بسلاسل من حديد، فكل مال العالم ولذات الدنيا من ساقطات لا يستطيع الفوز بها لأنه مربوط بعذابه. هكذا يظل الإنسان يبحث عن السعادة ويجهل أنه بأصله معلق.

كل تجربة تمضي، يمكن أن تهدم شيئًا فينا، ولكن الذهب ينبع من التنقيب في الأرض. فقيمة الحياة تنبعث من الداخل. سنظل نحفز أنفسنا، سيظل قلبنا ينبض لأننا أناسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد