مناسبة هذا المقال ما صرح به السيد هادي البحرة عند حضوره إلى جنيف على رأس وفده المفاوض، وعقب أحد اجتماعات اللجنة الدستورية حين قال: «السلام في سوريا مرتبط بالدول الكبرى والاتفاقات في هذا الجانب مؤقتة».

لا أدري كيف استطاع السيد البحرة تغييب إرادة المجتمع السوري، وإطلاق هذه النتيجة التشاؤمية، كيف قفز إلى ذهنه هذا التصور؟ وعلى ماذا يبني تصوره؟ وأين تكمن المكيدة الدولية في منعها أو قبولها لفكرة السلام المجتمعي في سوريا؟ لنبدأ أولًا من فرضية مفادها أن هذه النتيجة صحيحة، لما يمكن الارتكاز عليه في سلوك المليشيات المتصارعة على الأرض السورية خارج إرادة المجتمع، فما معنى أن يختزل البحرة إرادة المجتمع السوري بإرادة أمراء الحرب.

يبدو أن هذا التقييم بني على دور غائب للمجتمع المدني السوري وقواه الحية، إذ لم يستطع عبر برامجه ولعشر سنوات خلت، من تجذير وبناء فكرة السلام المجتمعي في سوريا، ونشره لثقافة تعزز بناء السلام فيه. وإلا لما تجرأت رئاسة الوفد التفاوضي في إطلاق هذا التعميم وإطلاقه على عواهنه، وربطه لعملية السلام الداخلي في سوريا بالإرادة الدولية، وهو إسقاط لا يقل خطورة عن منطق الوصايات في مناطق السيطرة حين يجري الترويج له ما بين فترة وأخرى لتكريس مناطق السيطرة، وترسيم مناطق النفوذ التي تتبع لها واقعًا لا يمكن الحؤول دونه.

لا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عمن يتسبب فيها بشكل مباشر أو غير مباشر. فمن الذي يحاول جاهدًا تقسيم إرادة المجتمع السوري ومن الذي يحاول تعبئتها في جماعات، وفرق، ومذاهب، وملل، ونحل، ومن حاول طبعه وأدلجتة، لينزع عنه إمكانية بناء السلام الداخلي؟ هنا لا بد من العودة إلى أصل الحكاية، في مسألة التعبئة القسرية للمجتمع السوري، وما يتصل بذلك من إجراءات تعسفية، طيلة حكم البعث. لقد فعل استحكام النظام الأمني فعلته معززًا بالدور الاستثنائي للجيش. حين أثبت الجيش أنه المؤسسة التي يمكن أن تقمع وتهاجم مجتمعًا سوريًّا أعزل وفي كل مناسبة يحددها النظام. من هذا الواقع المريب والمزري لجأت مؤسسات السلطة الحاكمة إلى تخريب مساحات الثقة بين ما يدعى الدولة السورية في فترة حكم البعث، وبين المجتمع السوري. لإحلال علاقة من نوع آخر، تتمثل في ربط بعض فئات متنفذه في المجتمع وموالية للسلطة الشمولية، بشبكة من المصالح الفاسدة، والمحسوبيات، واستهدافها لكل من يغرد خارج سرب الفساد والولاءات المطلقة، بشتى أنواع الحساب ابتداء من التخويف أو السجن أو التعذيب وانتهاء بالتغييب القسري والمميت بشتى صنوف التعذيب.

أما حين قرر السوريون النزول إلى الساحات في مظاهر التعبير السلمي وعبروا طوعيًّا عن مشروعهم في تغيير النظام نحو دولة مدنية تعددية فماذا كان يقابلهم أو ينتظرهم في نهاية ذلك النفق المظلم؟ ليس خافيًا على أحد ما أراده المجتمع السوري لنفسه، حين تغنى بشعارات الثورة، فيما أطلقته حناجرهم بتجمعاتهم السلمية، وحين ضجت بهم الساحات فكان الهتاف «واحد واحد واحد الشعب السوري واحد» لم يكن ذلك دعوة لحرب أو نزاع مسلح، وهو دعوة صريحة لتجاوز ذلك النظام والولوج إلى عالم الحرية والسلام، ويتنافى ذلك كليًّا مع ما يصرح به البحرة دون خجل أو وجل. فمن الذي خرب إذًا إرادة السلام الجامعة لأغلبية السوريين؟

لا شك بأنه النظام وأصدقاؤه الدوليون الذين ما انفكوا ينقلون الحل السوري من خانة إلى أخرى، ومن مربع إلى آخر، مساهمة منهم في إطالة العمر لهذا النظام. فخلقوا له وسهلوا وصول أنداد وهميين يخدمونه في كل مرحلة. أكاد أجزم بعدم الشك لدى أي منتمٍ سوري في رهانه الحقيقي على وحدة مجتمعه، وقدرته على بناء سلام داخلي يتجذر عبر آليات التدافع الحر، والسلمي، والطبيعي من خلال الممارسة السياسية، وتنظيم المجتمع، بعيدًا عن تأثير الميليشيات العسكرية، وتجار الأزمات والتسليح وما راق لبعض الجهات في هذا البرنامج، ودعمه لتثبيت مصالح الدول. كل ذلك يجري خارج إرادة السوريين التي جرى تشتيتها واللعب بها وفق خارطة المصالح الإقليمية والدولية.

ولإجلاء مسألة السلام المجتمعي في سوريا، يمكننا التذكير بقضية مهمة، وعلى الأقل في تاريخ سوريا الحديث، إذ لم تسجل حالات اقتتال مسلح بينهم، ولم ينشغل السوريون بحروب بين مكوناتهم المختلفة عرقيًّا، أو دينيًّا، أو مذهبيًّا. لقد جنب هذا المجتمع نفسه الوقوع في مظاهر الحروب الأهلية أو النزاعات المسلحة التي تحدث بمحض إرادته. إذًا فمن هو المسؤول عن توفير محركات الصراع، وعن زراعة كل هذه الفخاخ في طريقه؟ يبدو أن الهدف من ترويج الإرادة الواهنة للمجتمع السوري ومحاولات الدحض لإمكانية بناء سلام داخلي بين السوريين ليست بريئة، بمقابل جعل عملية السلام وكالة حصرية بأيدي جهات دولية فقط، وله من المراحل والأثمان، ما يجعل أجسام المعارضة مشلولة بمقابل شلل النظام، ولا هدف يمكن أن ينتج من ذلك سوى التدمير المنهجي للمجتمع السوري، وفصم عراه الحية، وتخريب ما تبقى منه وإنهاك المجتمع السوري قبل الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد