تأسست المحكمة الجنائية الدولية في 2002 باعتبارها منظمة دولية ذات اختصاص في محاكمة الأفراد المتهمين بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني بموجب ميثاق روما الأساسي الموقع في 1998، والذي وقعت عليه 121 دولة من أصل 160 واعترضت عليه 7 دول أبرزهم الولايات المتحدة، إسرائيل، الهند، الصين، ودخل حيز التنفيذ في يوليو 2002 لتصبح الجنائية الدولية هي أول محكمة دولية تسعى للحد من ثقافة الإفلات من العقوبة.

وتختلف المحكمة الجنائية عن محكمة العدل الدولية في أن الثانية هي الهيئة القضائية الرسمية للأمم المتحدة وتقوم بحسم الخلافات التي تنشأ بين الدول الأعضاء، كما تقدم آراءً استشارية في المسائل التي تعرض عليها من الوكالات والهيئات الدولية، بينما المحكمة الجنائية ليست من الأجهزة التابعة للأمم المتحدة وتختص بالنظر في الجرائم التي يرتكبها الأفراد، ووفقا لميثاق روما فإن المحكمة تضطلع بالنظر في قضايا الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب التي تشكل انتهاكات لاتفاقيات جنيف 1949 وبمعنى آخر فالجنائية الدولية لها اختصاص قانوني جنائي في الجرائم بينما العدل الدولية ذات اختصاص فني للبت في المشاكل والأزمات ذات الصبغة القانونية كمسائل ترسيم الحدود. أما عن الاختصاص الزماني فإن الجنائية تقصر النظر على القضايا التي وقعت بعد تأسيسها ولا تمتد ملاحقتها إلى ما قبل 2002.

لماذا تقتصر الملاحقات القضائية على القضايا الأفريقية دون غيرها؟

عادة ما يثار جدل حول الدور الحقيقي للمحكمة نحو ترسيخ قيم العدالة في النظام الدولي في ظل اختلاط الأوراق بين ما هو سياسي وما هو قانوني، لا سيما في ضوء عدم اتخاذ المحكمة أو تجاهلها التدابير اللازمة لحماية المدنيين من خطر الاستبداد والقهر السياسي إلا مع الضوء الأخضر للقوى العظمى، ولعل موقف الولايات المتحدة من الميثاق خير شاهد، فقد قامت بالتوقيع على ميثاق روما ثم سحبت توقيعها، فضلًا عن التجاوزات الإسرائيلية بحق المدنيين في فلسطين ولبنان بدءًا من 2009 وحتى 2014.

ولعل الجدل الدائر يجد ما يؤيده خاصة بعد إصدار محكمة جنوب أفريقيا حكمًا باعتقال الرئيس السوداني أثناء مشاركته في القمة الأفريقية الذي صدر بحقه مذكرة توقيف من المحكمة في عام 2009 لإدانته بارتكاب سبع تهم وفقًا لميثاق روما الأساسي. وللوقوف على حدود تلك الأزمة يجب أولًا معرفة آليات وسبل التقاضي أمام المحكمة الجنائية الدولية.

حدد ميثاق روما المصادر الأساسية للقضايا التي تقع في اختصاص المحكمة وهي كالتالي:

• مجلس الأمن له الحق في إحالة أي قضية للمحكمة (م13).

• الإحالة عن طريق دولة عضو في المحكمة (م14)

• المدعي العام له الحق في مباشرة التحقيقات إذا نما إلى علمه حدوث انتهاكات إنسانية ضمن اختصاص المحكمة (م15)

وهنا يثور السؤال التقليدي أنه بالنظر إلى قضايا المحكمة نجد أنها دارت جميعًا في دول أفريقية، وبالنظر إلى القضايا المنظورة أمام المحكمة نجد أن أربع دول “الكونغو- أوغندا- أفريقيا الوسطى- مالي” طالبت باعتبارها دولًا أعضاء في المحكمة بالتحقيق في تلك الجرائم التي نشبت على أراضيها بموجب م 14، بينما تمت الإحالة من قبل مجلس الأمن في قضيتين “دارفور– ليبيا”، فيما اتخذ المدعي العام للمحكمة قرارًا بمباشرة التحقيقات في قضيتي كوت ديفوار وكينيا في أكتوبر 2011 ونوفمبر 2009 على الترتيب.

وتعتبر حالة كينيا مثالًا فريدًا لتفعيل البند الثالث في طرق الإحالة التي نص عليها ميثاق روما، إذ تم فتح التحقيق بناءً على معلومات نمت إلى المدعي العام في نوفمبر 2009 بشأن أعمال العنف التي تلت الانتخابات في 2007 ونتج عنها قرابة الألف قتيل وستمائة نازح بدون تفويض مسبق من الحكومة الكينية. ويعتبر الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” هو أول رئيس يمثل أمام المحكمة ويحضر جلساتها وهو لا زال في السلطة وبصرف النظر عن إسقاط ممثلي الادعاء التهم الموجهة للرئيس الكيني إلا أن ممثلة الادعاء الحالية “فاتو بنسودا” اتهمت الحكومة الكينية بعرقلة التحقيقات، كما اتهم الرئيس الكيني المحكمة “بالانتقائية لخدمة مصالح غامضة”.

أيضًا مثلت كينيا اختلافًا عن حالة كوت ديفوار، فبالرغم من قيام المدعي العام أيضًا بفتح التحقيق في حالة كوت ديفوار في أكتوبر 2011 والتي ليست عضوًا في ميثاق روما الأساسي عكس كينيا، إلا أنها وافقت على قبول اختصاص المحكمة للتحقيق في أحداث العنف التي تلت الانتخابات الرئاسية في 2010.

الدول العربية والمحكمة الجنائية الدولية

شاركت الدول العربية بلا استثناء في مؤتمر روما، والذي نتج عنه النظام الأساسي المؤسس لنظام المحكمة الجنائية، ووقع على الميثاق سبع دول عربية “مصر – الجزائر – الإمارات – البحرين – الكويت – المغرب – عمان – اليمن – سورية”. بينما صدقت على المعاهدة فقط ثلاث دول ومن ثم صاروا أعضاءً دائمين بالمحكمة “الأردن – جيبوتي – جزر القمر – فلسطين”.

وفي لقاء سابق بين لويس أوكامبو – المدعي العام السابق للمحكمة– مع قناة الجزيرة وردًّا على سؤال بشأن القضايا العالقة في المنطقة العربية علق بدوره أنه مقيد بالقانون الأساسي، ومن ثم لا يستطيع توقيف الدول غير الأعضاء، وهنا وجه دعوته للدول العربية بالمشاركة لخلق واقع أفضل من خلال تغيير القوانين المنظمة. وللدول العربية تاريخ مع المحكمة الجنائية، وفيما يلي محاولة لاستعراض أبرز القضايا العربية التي طرحت أمام الجنائية الدولية:

• السودان

تمت إحالة ملف دارفور السودان بواسطة مجلس الأمن في 2005 للتحقيق في الانتهاكات التي تمت أثناء حملة لمكافحة التمرد شنتها حكومة السودان على حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وجماعات مسلحة أخرى معارضة لحكومة السودان في دارفور. ويواجه البشير تهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بالمشاركة مع كل من أحمد هارون، عبد الرحيم محمد حسين، علي كوشيب، بحر إدريس، عبد الله باندا.

ولعل تلك هي المرة الأولى التي يصدر فيها أمر بالاعتقال في حق رئيس بالسلطة، ويواجه البشير “رئيس السودان” جريمتي حرب “توجيه هجمات ضد المدنيين – النهب”، وخمس جرائم ضد الإنسانية “القتل – الإبادة – النقل القسري – التعذيب – الاغتصاب”، وقد صدرت مذكرة توقيف للرئيس البشير في 2009 . وكان من الطبيعي أن تحيل الأمر لمجلس الأمن صاحب الاختصاص الأصيل بالدعوى ولكن المحكمة أخذت على عاتقها مهمة الملاحقة للبشير، وهو ما تجلى مؤخرًا في محاولة إلزام جنوب أفريقيا الموقعة على ميثاق روما بتسليم البشير أثناء مشاركته بالقمة الأفريقية في جوهانسبرج، وهو ما لم يحدث.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتحرك فيها البشير أفريقيا فقد سبق وأن رفضت كينيا تسليم البشير أثناء مشاركته في قمة إيجاد في 2010، كذلك تشاد ومالاوي في 2011 رفضت تسليم البشير مما أدى إلى إحالة المحكمة كلتا الدولتين لمجلس الأمن لعدم التعاون، ثم في 2014 رفضت أيضًا الكونغو ونيجيريا. وهو ما وضع المحكمة في مأزق حرج من عدم الامتثال لقراراتها أخذًا في الاعتبار قرار القمة الأفريقية في 2011 بعدم التعاون مع المحكمة في ظل الأعراف الدبلوماسية المعمول بها من حصانة رؤساء الدول والبعثات الدبلوماسية، غير أن اعتقال رئيس دولة يعد بادرة لتدهور العلاقة السياسية والاقتصادية بين دولتين إذ يعد بمثابة إعلانًا للحرب كما يتنافى مع السوابق الدبلوماسية.

• فلسطين

تعتبر فلسطين أحدث الدول المنضمة لميثاق روما والمحكمة في أبريل 2015، وجاءت تلك الخطوة كتصعيد من الحكومة الفلسطينية بعد رفض مجلس الأمن مشروع قانون بإنهاء الاحتلال 2017. وفي إطار سعيها لكسب المزيد من الاعترافات الدولية من برلمانات ومنظمات ذات ثقل دولي كاليونسكو.

في يناير 2009 وعلى خلفية الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة، تقدمت فلسطين للمحكمة بطلب بموجب المادة 12(3) والتي تسمح للدول غير الأطراف في نظام روما بقبول اختصاص المحكمة للتحقيق في الانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب الواقعة في الفترة من ديسمبر 2008 وحتى يناير 2009. وفي نفس السياق في سبتمبر صدر تقرير من لجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع لمجلس للأمم المتحدة بقيادة القاضي ريتشارد جولدستون والذي أدان إسرائيل بشكل واضح بارتكاب جرائم حرب في القطاع وجرائم ضد الإنسانية مع التوصية لمجلس الأمن بإحالة القضية للمحكمة الجنائية الدولية على غرار دارفور.

وقد أشار “أوكامبو” إلى عدم تحرك المحكمة لتوقيف المتهمين الإسرائيليين عن تلك الجرائم لقصر حدود مسؤوليته على الدول الأعضاء، علمًا بأن إسرائيل لم تصدق على الميثاق ومن ثم لا يمكنه الملاحقة بدون إذن مسبق من مجلس الأمن. بالرغم من وجود سوابق قانونية كحالة كوت ديفوار لم تكن عضوًا وتم فتح التحقيق بناءً على طلب من المدعي العام “أوكامبو” نفسه آنذاك ولكن المعادلة السياسية تبدلت في تلك الحالة في ظل الدعم الدولي الذي حظيت به إسرائيل من الولايات المتحدة في حربها على القطاع بحجة استهداف حركة حماس. ومن ثم يبدو جليًّا أثر المعادلات السياسية في النظام الدولي على نظام المحكمة مما يعيدنا للمربع الصفري في البحث عن مفهوم العدالة الغائبة.

مصر

على خلفية أحداث العنف في فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة أعلنت جماعة الإخوان المسلمين رفع دعوى أمام الجنائية الدولية ضد كل من وزير الداخلية محمد إبراهيم، وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي والرئيس المؤقت عدلي منصور آنذاك بتهم ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية. وقد تم رفض الدعوى وجاء في حيثيات الرفض بتاريخ 8 مايو 2014 أن الدعوى لم تستوف معايير القبول الشكلية لعدم وجود صفة رسمية للإخوان – باعتبارهم لا يمثلوا الحكومة المصرية- ولعدم وجود طلب رسمي من الحكومة المصرية وبالتالي لا تنطبق أحكام المادة 12(3)، أخذًا في الاعتبار أن مصر ليست عضوًا بالمحكمة، ومن ثم يتبقى فقط الإحالة من مجلس الأمن وهو ما لم يحدث وغير منتظر حدوثه في الوقت الراهن.

• سوريا

تعد سوريا نموذجًا واضحًا للتناقضات المتعددة التي تطال المحكمة الدولية، كما أنها تمثل حالة فريدة وصارخة لانتهاكات القانون الدولي الإنساني، وهي بلا منازع أحد أبرز الأمثلة على الصراع السياسي بين القوى العظمى والذي يفضي إلى توقيف العمل بالقانون انطلاقًا من الفكرة التقليدية بأن القوة تخلق الحق وتحميه.

وتعد الأزمة السورية حاليًا هي أصعب حالة طوارئ إنسانية في العالم وفق تقديرات الأمم المتحدة، إذ يقدر عدد الضحايا بـ220 ألفًا في يناير 2015، فضلًا عن 3.4 مليون لاجئ في فبراير 2015 ، مما يجعلها وبلا منازع أفدح كارثة إنسانية بالنظام الدولي، فضلًا عن استخدام أسلحة محرمة دوليًّا في 2013. بمعنى أوقع فإن الأزمة السورية الممتدة زمنيًّا من مارس 2011 حتى اليوم وعلى الرغم من فداحتها على الصعيد الإنساني والدولي وكم الممارسات الواقعة من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية التي مورست إلا أن النظام السوري لا يزال بعيدًا عن أي ملاحقة دولية إذ يحظى بدعم مباشر من روسيا التي لوحت مرارًا بالتصويت الاعتراضي “الفيتو” على مذكرة فرنسا لتحويل الملف للجنائية الدولية على غرار السودان، كما صوتت روسيا والصين اعتراضًا بموجب حق الفيتو على مشروعين سابقين:

الأول في أكتوبر 2013، والثاني في مايو 2014. وبناءً عليه تبقى الأزمة السورية إلى اليوم بمعزل عن أي إمكانية لأية ملاحقة قضائية بسبب المواءمات السياسية في العالم بين القوى الكبرى. وبناءً عليه لم يمثل النظام السوري بعد أو أية أطراف داخلية فيه إلى المحاكمة نظرًا لتوازنات القوى على عكس حالة السودان التي لم يكن لها حليف قوي في مجلس الأمن، كذلك حالة كوت ديفوار التي لم تكن بالأساس عضوًا في المحكمة ولكن تم محاكمة رئيسها السابق بمساندة من فرنسا.

الأمر الذي يعيد للذهن نفس التساؤل مرة أخرى عن جدوى وجود المحكمة الجنائية في النظام الدولي وفلسفتها الأساسية التي قام عليها مؤتمر روما، والذي يهدف لترسيخ قيم حقوق الإنسان والحد من ثقافة الإفلات من العقوبة وملاحقة مجرمي الحرب. وبناءً على ما تقدم فإن الجنائية الدولية تخطو خطوات واسعة نحو مصير الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي بات مرهونًا بحق النقض “الفيتو” للقوى العظمى والتي كان من المتخيل استمرار تحالفها بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن اختلاف المصالح بين تلك القوى حال دون تحقيق الهدف الأساسي في حفظ السلم والأمن الدوليين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد