وللإجابة عن السؤال الثاني: نقتبس – وبتصرف- بعض المقتطفات من كتاب الأستاذ الدكتور صابر جيدوري، والذي يحمل عنوان: «فلسفة التربية» وفيه يقول: وبما أن التربية الدولية هي إحدى السبل التي من شأنها إقامة مجتمع عالمي خالٍ من النزاعات والصراعات، تحترم فيه الدول والأفراد الاختلافات الثقافية والاجتماعية والعرقية للآخر، وتؤمن بحق الجميع في العيش في سلام وأمان، وذلك استنادًا إلى التوصيات الواردة في المؤتمر العام لمنظمة (اليونسكو) في العام 1974م، فإن الفقرة الحالية سوف تتناول المفهومات التربوية التي تعمل على تعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتنمية التفاهم والتسامح والحوار بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وكذلك تعزيز ثقافة التربية من أجل السلام، والمواطنة الإنسانية.

أ- التربية من أجل السلام

أكدت معظم التوجهات الدينية والفلسفية، منذ وجدت، أهمية السلام، وكذلك في عصرنا الراهن، تؤكد كل التوجهات الدينية والفلسفية والدولية أنَّ هناك حاجة إلى تثقيف الشباب وتعليمه قيمة السلام، من أجل مقارعة ثقافة العنف السائدة في العالم، والابتعاد عن تمجيد الحرب وتعظيمها، كمدخل إلى خلق اتجاهات إيجابية لديهم نحو السلام واللاعنف والتعاون العالمي. ولذلك، فإن إعداد التلاميذ في المدارس والشباب الجامعي للعيش في عالم يستطيعون فهمه وتطويره باستمرار، يُعدّ من أكبر الواجبات الملقاة على المعلمين في كافة مراحل الدراسة؛ لأن ذلك من شأنه أن ينزع من نفوس الأطفال والشباب وعقولهم الميول العدوانية، ويعزز أجواء العفو والصفح والأمان الاجتماعي، بل أكثر من ذلك ينمي ويرسخ في وعي الطلبة مجموعة من القدرات الإيجابية كأهداف نبيلة مثل: تنمية القدرة عى تثمين القيم الكونية، وقبول القيم الكامنة في تعدد طبائع البر (أعراقًا وشعوبًا وثقافات)، وفض المنازعات بطرق تحول دون استعمال العنف.

ب- التربية من أجل الحوار

لقد شكل الحوار على مر العصور المناخ الملائم الذي شُرِّحت من خلاله الكثير من الأفكار والطروحات والقضايا الخلافية، كما أنه عالج الكثير من الإشكاليات المطروحة على الساحات الفكرية والثقافية، فكانت ثمرات تأتي أكلها كلما توفرت له الشروط والمقومات، وانتفت عنه الموانع والمعوقات.

وفي مطلع الألفية الثالثة تبلورت قيمة الحوار من خلال المتغيرات التي حصلت على صعيد الاتصال والتواصل، والقضاء التدريجي على الحدود والحواجز، وتناقل المعلومات والمعارف والقيم، إذ ظهرت آليات واسراتيجيات جديدة تسمح بانفتاح الثقافات والحضارات بعضها على بعض، بعد أن أصبح قبول الآخر والحوار معه مطلبًا مجتمعيًّا وكونيًّا، ومدخلًا مهمًّا لمستلزمات المثاقفة الكونية.

وهذا ما أكده «جاك ديلور» بقوله: «إن أهداف العملية التعليمية لم تعد قاصرة على تعلم المعرفة، وتعلم التطبيق، وتعلم الوجود، بل أصبحت تشمل بعدًا رابعًا، هو كيف نعيش مع الآخرين ونحاورهم».

إن الحديث اليوم عن ثقافة الحوار، وعن الحوار بين الأديان، والتقارب بين الثقافات، لم يعدّ ترفًا فكريًّا، بل هو رهان جديد للألفية الثالثة، لذلك رأى «فيدريكو مايور» أنَّ عالم الغد ينبغي أن يكون مختلفًا بعمق عن العالم الذي نعرفه اليوم؛ إذ يرتبط الوعي بصدقية وحتمية هذا الرهان، بتجاوز النزعات الدوغمائية المغلقة، والانفتاح على فضاء أرحب غني بتنوعه.

ووفقًا لذلك، يمكن تقرير أنه لا يستطيع أحد أيًّا كان أن يدعي أنه يمتلك وحده اليقين المطلق؛ لأن كل الثقافات والحضارات الموجودة على الأرض تمتلك جزءًا من الحقيقة، وتحيط بمجال محدد، كما لا يمكن لطرف واحد أن يتحكم في كل الحقائق، أو يدَّعي أن ما يتحكم فيه هو اليقين المطلق.

وهذا يعني أن الاعتراف بقيمة الآخر وقدرته والحوار معه يصبح جزءًا من أخلاقيات التفاهم الدولي، وبناء أسس التعايش السلمي، مع تأكيد أن قبول الرأي الآخر لا يتطلب فقط معرفة الآخر، بل إن الأمر يقتضي توفر معرفة متناظرة، أي معرفة الذات والآخر بشكل تبادلي.

مع التأكيد على ضرورة أن تُركّز التربية على الحوار داخل البيئة الجامعية على الجانب السلوكي لدى الطلبة، للدفع بهم نحو دمج ثقافة الحوار (موقفًا وقيمة)، أي تحويلها إلى سلوك يومي يصدر بكيفية ذاتية تلقائية وواعية، على نحو يتجاوز الجانب المعرفي والعلاقات السائدة داخل الفصل الدراسي، والبيئة الجامعية إلى المحيط الخارجي، إذ يُعدّ الطالب والمؤسسة الجامعية وعضو هيئة التدريس بمثابة نواة فاعلة لإشاعة ثقافة الحوار في المجتمع؛ لأن الهدف الأساسي من التربية على الحوار يشكل الحاجة الماسة إلى بناء مجتمع حداثي ديمقراطي، ممتثل لروح ثقافة الحوار، متشبع بها ومتصرف على أساسها بكيفية واعية وتلقائية.

ج- التربية من أجل التسامح

شغلت قيمة التسامح مع الآخر قديمًا مساحة واسعة في الأديان و الفكر الفلسفي، أمَّا في العصر الحديث فقد مارست اليونسكو دورًا بارزًا في هذا المجال، عندما أكدت في تصريح المبادئ حول التسامح الصادر عام 1995م، في مادته الأولى المخصصة لتحديد المفهوم «بأن التسامح هو شرط ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي، وإشاعة روح التضامن بين الشعوب، وبينت أن المقصود بقيمة التسامح احترام وقبول وتثمين غنى الثقافات وتنوعها في عالمنا، وأنماط التبليغ وأساليب التعبير عن نوعية كينونتنا الإنسانية». أمَّا عن آلية تعزيز هذه القيمة، فقد أشارت اليونسكو إلى أهمية المعرفة، وتفتح العقل، والنزوع إلى التواصل، والاعتراف للآخر بحق التفكير والشعور والاعتقاد»، فالتسامح بذلك قيمة تتأسس على التناغم داخل الاختلاف، فهو ليس تنازلًا ولا مجاملة، بل موقفًا فعّالًا يحركه الإقرار بالحقوق العالمية للشخص وبالحريات الأساسية. لأجل ذلك كله يُعدّ التسامح مفتاح الدخول إلى حقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية ودولة الحق والقانون.

د- التربية على حقوق الإنسان

توالت الدعوات إلى التربية على حقوق الإنسان من قبل الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمنظمات الدولية، بعد أن أدرك المجتمع الدولي أنَّ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، وإعلان حقوق الطفل عام1959م، والعهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية عام1966م، ليس كافيًا للوعي بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وممارستها واقعيًّا بصورة فعالة، ولذا اتجه إلى إعطاء التربية على حقوق الإنسان أهمية كبيرة في مراحل التعليم كافة، كما التزمت أجهزة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ببذل جهود كبيرة لتدعيم هذا الاتجاه.

ويؤكد ذلك الالتزام المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي ألزمت الدول بتوجيه أنظمتها التربوية للتطوير الكامل لشخصية الإنسان، وتقوية احترام حقوق الإنسان والحريات العامة. كما أكدت المادة 7 من الاتفاق العالمي لحقوق الإنسان على التزام الدول قبول مقاييس فعّالة في مجال حقوق الإنسان، وبخاصة في مجالات التعليم والتربية والثقافة، مع التأكيد كذلك على نبذ التعصب والتمييز العنصري.

وفي عام 1966م دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة الاحتفال بالعام الدولي لحقوق الإنسان الدول الأعضاء إلى تدريس حقوق الإنسان في جميع مراحل التعليم. وقد اعتمدت منظمة اليونسكو عام 1974م توصية حول التربية من أجل التفاهم والتعاون والسلم الدولي من جهة، ومن أجل التربية على حقوق الإنسان والحريات الأساسية من جهة أخرى.

وهكذا يتضح أنَّ القاسم المشرك بين هذه الدعوات والتوصيات هو الاهتمام الكبير الذي توليه المنظمات والهيئات الدولية للتربية على حقوق الإنسان، وبخاصة هيئة اليونسكو التي مارست دورًا رائدًا في هذا المجال، من خلال برامجها التعليمية والإعلامية، وتشجيع المدارس التي تعمل على تعزيز ثقافة حقوق الإنسان حول العالم.

هـ: التربية من أجل عالم متعدد الثقافات

تعرضت السياسات التعليمية التقليدية القائمة على افتراض وجود ثقافة وطنية متجانسة، لنقد متزايد في السنوات الأخيرة. كما تزايد عدد البلدان التي لم تعد تكتفي بقبول أشكال التعبير عن التنوع الثقافي، وإنما أصبحت تعترف أيضًا بأنَّ التعددية الثقافية والتعددية الإثنية، تُشكلان ركنين أساسيين من أركان الاندماج الاجتماعي الديمقراطي، وليسا بأي حال عقبة في سبيل هذا الاندماج. وهذا يعني أنه ينبغي للتعليم أن يتصدى لهذا التحدي في القرن الحادي والعشرين، كما ينبغي للنظم التعليمية (بأوسع معانيها) أن تتصف بقدر من المرونة وسعة الخيال.

ووفقًا لذلك، فإن تعليمًا قائمًا عى التعدد الثقافي الحق، ينبغي أن يكون قادرًا على الاستجابة في آن واحد لمقتضيات التكامل على الصعيدين العالمي والوطني، وللاحتياجات المحددة لجماعات خاصة (ريفية أو حضرية)، لكل منها ثقافة خاصة بها. فمثل هذا التعليم سيُمكّن كل فرد من أن يعي واقع التنوع ويحترم الآخرين، سواء أكانوا جيرانه أم زملاءه في موقع العمل، أم سكان العالم.

ولكي يظهر إلى الوجود تعليم كهذا يستهدف التعددية حقًّا، سيتطلب الأمر إعادة التفكير في أهداف التعليم: ما معنى التعليم؟ وما معنى المتعلم؟ وإعادة تصميم مضامين وبرامج المدارس التقليدية، وابتداع طرق تدريس ومناهج تعليمية جديدة، والتشجيع على نشوء أجيال جديدة من معلمين يتعلمون.

إنَّ التعليم التعددي حقًّا، إنما ينهض على أساس فلسفة ذات نزعة إنسانية، أي على مبدأ أخلاقي ينظر إلى الآثار الاجتماعية للتعددية الثقافية نظرة إيجابية.

غير أن الواقع يفتقر أحيانًا إلى قيم التعددية الإنسانية والثقافية اللازمة، للتشجيع على إجراء مثل هذا التحول على مسار التعليم، وينبغي العمل على نشر هذه القيم عن طريق التعليم الذي ستعززه تلك القيم بدورها.

ومع ذلك، فإن هناك من المراقبين من يساورهم شكٌّ عميق فيما يتعلق بالتعددية الثقافية، وإمكانية انعكاسها على تعليم متعدد الثقافات. فمع تأييدهم للتنوع الثقافي، الذي لا يمكن نكرانه في عالم اليوم، فإنهم يبدون الشك في صواب العمل عى إبرازه عن طريق التعليم، خشية أن يؤدي ذلك إلى بلورة هويات مستقلة، أو إلى تعزيز النزاعات الإثنية، أو إلى تكاثر النزاعات الإثنية، وأخيرًا إلى تفسخ النماذج القائمة للدولة الأمة.

وما من شك في أن هناك اليوم أمثلة على المغالاة في النزعة القومية لدى مجموعات إثنية تدفعها إلى الانفصال السياسي، وتفي إلى التفكك الاجتماعي، ناهيك عن المجازر التي تشارف أعمال الإبادة، وعن حملات التطهير الإثني التي تغذيها مشاعر الحقد.

الخاتمة:

وفي ضوء ما سبق يتضح أن فلسفة التربية الدولية – كما يصفها المنظِّرون لها– تهتم بتأمين الإنسان في أن يعيش في بيئة كونية آمنة، بوصفه كائنًا يستحق أن يتمتع بحرياته الأساسية في مجتمع متآلف ومتناغم، مما يتطلب تزويده بآليات التسامح والحوار، والتعدد الثقافي، والتنوع الحضاري، والتفاهم والعيش المشترك.

ولكن وبالمقابل، فإن مفهوم «فلسفة التربية الدولية» ما هو إلا مفهوم من المفاهيم، له دلالاته وأبعاده ومضامينه، ولكنه لا يعبر عن الصيغة النهائية التامة والمكتملة؛ إذ إن المفاهيم في تطور مستمر عبر صيرورة التاريخ، وبالتالي فإن مفهوم «التربية الدولية» هو مفهوم قابل للتطور، شأنه في ذلك شأن المفاهيم الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد