توطئة

يُعتبر مفهوم «التربية الدولية» International Education أحد الموضوعات التي تلقى ــ في عصرنا الراهن – اهتمامًا بالغًا من قبل الكثير من المثقفين والتربويين والباحثين من مختلف الاختصاصات تقريبًا، وذلك نظرًا للمحاولات المختلفة للربط بين ما يجري علي الساحة الدولية من ممارسات، وما تسعى التربية الدولية إلى نشره من مفاهيم يراها البعض تسير في سياق هيمنة القوى العظمى المنفردة على العالم بأسره.

وقد نظر الكثير من الباحثين إلى التربية الدولية بوصفها إحدى السبل الهامة التي من شأنها أن تسهم في إقامة مجتمع عالمي خال من النزاعات والصراعات، تحترم فيه الدول والأفراد الاختلافات الثقافية والاجتماعية والعرقية للآخر، وتؤمن بحق الجميع في العيش في سلام وأمان.

أولًا: مفهوم التربية الدولية

لقد عُرّف مفهوم التربية الدولية على يد أديرسون جيليوم بأنّه: تلك التربية الهادفة إلى إمداد الفرد وتزويده بكل بحور المعرفة والمهارات والقيم والاتجاهات الضرورية للاستمرار بالعيش في كنف حياة فعالة ضمن حدود عالم ذات مصادر طبيعية محدودة.

أما «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)» فقد عرفت التربية الدولية بأنها إضفاء بُعد دولي على التربية في جميع مراحلها وكافة أشكالها لتنمية التفاهم والتعاون والسلام واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بين الشعوب والدول ذات الأنظمة الاجتماعية والسياسية المتباينة، ومبدأ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتتضمن أيضًا إقران التعليم بالأهداف والمبادئ التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

لا يُعدّ مفهوم التربية العالمية أو التربية من أجل التفاهم الدولي مفهومًا حديثًا، فقد ظهر منذ القرن السابع عشر، إذ تمت مناقشة أهمية إزالة الحواجز بين الدول عن طريق التفاهم الدولي في مؤتمرات دولية كثيرة، وارتفعت الأصوات في القرن التاسع عشر تنادي باعتبار التربية وسيلة للتفاهم بين الدول.

كما تضمن الميثاق التأسيسي لليونسكو الدعوة إلى تعزيز مفهوم التربية العالمية، ومن بين المبادئ التي ركزت على هذا الجانب: لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام.

ثانيًا: أهمية التربية الدولية

تكمن أهمية التربية الدولية بكونها سبيلًا للأخذ بيد المجتمع نحو الخلوِّ من النزاعات والصراعات، والدعوة إلى ضرورة احترام الاختلاف الثقافي والاجتماعي والعرقي بين الدول والأفراد، والإيمان العميق بحق الإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه بالعيش بسام وأمان. وتسعى التربية الدولية وفقًا للتوصيات الواردة في المؤتمر العام لليونسكو سنة 1974 بضرورة تحقيق الإنماء التام للإنسان، وغرس جذور احترام الغير وحرياتهم الأساسية، وتنمية أواصر التفاهم والصداقة والتسامح بين كافة الشعوب، وبالتالي حفظ السلام العالمي.

وفي هذا السياق يؤكد الأستاذ الدكتور صابر جيدوري: إن التربية الحقيقية هي الجسر الذي ينبغي أن يمرَّ الجميع فوقه، للدخول في الجهة الأخرى المقابلة لأنانيتنا وفرديتنا واختلافنا الطبيعي وانغلاقنا القومي والعرقي والثقافي. إنها الجهة التي نلتقي فيها جميعًا، جهة التواصل والحوار والتعايش والاحترام المتبادل، وبخاصة الشعور بالندّية داخل الأفق الكوني للبشرية.

ومما تقدم يتضح لنا أهمية التربية الدولية والتي تسعى إلى تحقيق الانسجام والتناغم بين مستويات الوجود الإنساني كافة أفرادًا وأممًا وحضارات بما يحقق إنسانية الإنسان بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة.

ثالثًا: أُسس التربية الدولية

تقوم التربية الدولية على عدة أسس من أهمها ما يلي:

أ: فهم الذات: حيث إنه لا بد أن يفهم الإنسان ذاته في ضوء علاقته بالآخرين سواء كانوا إخوته في المجتمع أم إخوته في العالم الأكبر.

ب: تفهم الفرد للمجتمع الذي يعيش فيه والعوامل المختلفة التي توجه التغير الاجتماعي في هذا المجتمع والتي تؤثر في علاقات الناس وتطورها.

ج: تنمية التسامح: الاعتراف بأوجه الشبه والاختلافات الثقافية بين الشعوب، والفروق الفردية بين الأفراد، والاعتراف بمبدأ تكافؤ الفرص بين الأفراد وبين المجتمعات.

وقد ترجمت هذه الأسس إلى بنود ومقترحات وتوصيات يمكن إجمالها بالنقاط الآتية:

1: وحدة الجنس البشري: إذ تستند مؤسسات التربية الدولية على ضرورة نشر ثقافة التعاون والتكامل بين الشعوب، ويأتي ذلك من خلال توعية الأفراد بأن أصل البشر واحد ولا يوجد أي فروقات بين الأجناس والألوان واللغات.

2: المساواة والعدالة بين البشر: يتطلب هذا الأساس ضرورة تحقيق المساواة بين الأفراد قانونيًا، ويشمل ذلك الحقوق والواجبات والمعاملة والوظائف؛ ويكون بإحلال الكفاءة مكان الوساطة والمحاباة لتحقيق تكافؤ الفرص بين الجميع.

3: احترام حقوق الإنسان والأقليات: يضمن هذا البند صون الحق الإنساني واحترامه بصرف النظر عن جنسه ومعتقداته، ومن أهم هذه الحقوق حق العلم والتملك، والانتفاع، والعيش، والتعبير عن الرأي.

4: حرية العقيدة والحوار: يكون باحترام ديانة الآخرين والتنوع الطائفي.

5: التسامح والتعايش السلمي: يهدف هذا البند لضرورة إزالة الأحقاد الخفيَّة في قلوب الأفراد ليصبح التسامح الطرف الأقوى والأبقى أمام البغضاء.

رابعًا: أهداف التربية الدولية

حددت التوصية التي صدرت عن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم والمنعقد في باريس في الفترة 17 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 23 نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1974 في دورته الثامنة عشرة عددًا من المبادئ الرائدة بشأن التربية الدولية، كما قررت التوصية المبادئ الفلسفية التي تقوم عليها التربية الدولية وهي أن تكون التربية مشبعة بالأهداف والغايات التي ينص عليها الميثاق التأسيسي لليونسكو، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولاسيما الفقرة الثانية من المادة السادسة والعشرين للإعلان والتي تنص على أنه يجب أن تهدف التربية إلى:

أ: إنماء شخصية الإنسان إنماءً كاملًا.

ب: تعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

ج: تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية.

د: زيادة جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام العالمي.

ولترجمة هذه الأهداف العريضة والعامة على أرض الواقع، فقد حددت مجموعة من الأهداف العملية والتي يمكننا تلخيصها بالآتي:

1: تأطير المؤسسات التربوية علميًا مع منحها بعدًا دوليًا يشمل كافة مراحلها وأشكالها.

2: توعية الشعوب والارتقاء بمستوياتهم الثقافية والحضارية.

3: غرس روح التعاون في نفوس الأفراد ومشاركة الآخرين في حل مشكلاتهم؛ وتخليصهم من الأنانية من خلال تنمية مهاراتهم في هذا المجال.

4: توثيق وتوعية الفرد نحو مفهوم المسؤولية أمام إقرار السلام؛ حيث يتطلب توعية الفرد بخطورة الحرب والاحتلال سعيًا للتوسع والسيطرة والتأكيد على رفضه في العالم الحديث.

5: تأكيد ضرورة تحقيق اتجاهات التفاهم ودعم السلام العالمي، والتخلص من العنصرية بشتى أشكالها لدى الأفراد في مختلف المؤسسات التربوية.

خامسًا: المبادئ الفلسفية والمفاهيم التربوية للتربية الدولية

وفي هذا السياق نحن أمام سؤالين رئيسين هما: السؤال الأول: ما هي المبادئ الفلسفية التي يستند إليها مفهوم التربية الدولية؟ والسؤال الثاني: ما هي المفاهيم التربوية للتربية الدولية؟ وللإجابة على السؤال الأول نقول: إن المبادئ الفلسفية التي تقوم عليها التربية الدولية تؤكد على أن تكون التربية مشبعة بالأهداف والغايات التي تنطلق من:

1: الإطار الفكري لميثاق الأمم المتحدة.

2: الميثاق التأسيسي لمنظمة اليونسكو.

3: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولاسيما الفقرة الثانية من المادة السادسة والعشرين للإعلان – والتي ذكرناها سابقًا – والتي تنص على أنه يجب أن تهدف التربية إلى:

أ: إنماء شخصية الإنسان إنماءً كاملًا.

ب: تعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

ج: تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية.

د: زيادة جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام العالمي.

أما الإجابة عن السؤال الثاني فسوف نعرضها في الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد