دأب الغرب على تشكيل المؤسسات التي تضطلع بالشؤون الدولية بطريقة أحادية، كما اعتاد على منح هذه المؤسسات أسماء تعكس رؤيته ومصالحه في المقام الأول، ورغبته في إملاء ذاته السياسية والثقافية والاقتصادية على الآخرين، وقد ساعده إشغال مساحة واسعة في الميدان الإنساني المشترك على إنجاز مهمة كهذه، وذلك بحكم اقتداره المادي وتفوقه الحضاري. تقوم العلاقات بين الأمم على التنافس أساسًا، ولذلك فإن إرادة التفوق على الآخرين ليست مشكلة بذاتها، بل تعتبر أحد المقومات اللازمة لتحقيق شروط حياة أفضل للجميع، إلا أن المشكلة تكمن باعتماد التحايل سبيلًا للتفوق، أو التدليس سلمًا للتميز، وذلك لا يعد عملًا تنافسيًا، خصوصًا عندما يتوسل به أصحابه التسلط على الآخر وفرض الهيمنة عليه.

ثمة إشكالية تطول محاولات الغرب – حصرًا – الهادفة لتسويق مؤسساته الخاصة، ليس لأنها تعكس رؤاه وثقافته ومصالحه دون الآخرين، بل لأنه يحاول إضفاء الطابع الدولي على هذه المؤسسات، فبعد أن ينفرد بإنتاج المؤسسة وفقًا لشروط ومقومات خاصة وجهوية بالضرورة، فإنه يعمد مباشرة لصبغها بالصبغة الدولية، وهو جهد تعلوه الرغبة في صناعة حالة من التماثل والتماهي بين الغرب والعالم، فالغرب هو العالم والعالم هو الغرب، وهذا تدليس واضح.

هناك مؤسسات كثيرة تعكس المصالح الغربية فحسب وتقدم على أنها دولية، فهل تمثل هذه المؤسسات أعضاء المنتظم الدولي حقًا؟ وهل تشارك جميع مركباته في تشكيلها وتحرير رؤيتها ومقاصدها وسياساتها؟ إما أن تكون هذه المؤسسات غربية وإما أن تكون دولية، ولكل شروط واستحقاقات وآثار، ولا ينبغي الخلط بين هذه وتلك، أو إيجاد حالة من التماثل بينهما طالما أنه لا يوجد أساس منطقي يسوغ ذلك. عندما يشكل الغرب مؤسسات معينة انطلاقًا من التصورات والرؤى والمصالح الغربية فحسب، فإنه لا ينبغي للمسمى الوصفي لها أن يتجاوز هذه الحقيقة، لكن إن أراد خلع الصفة الدولية عليها فإن المطلوب والحال هكذا أن تتسع دائرة الفواعل المشاركة في تشكيل هذه الأطر لتشمل كل أعضاء المنتظم الدولي، وأن يكون لها جميعًا نصيب في المكاسب التي تسعى تلك المؤسسات لتحقيقها، أما أن تكون غربية التصور والرؤية والأهداف من جهة، ثم يتم إلباسها اللبوس الدولية من جهة أخرى لهي محاولة مكشوفة لفرض الذات الغربية على كل ما هو غير غربي.

مثلت قدرة الغرب على تشكيل مؤسسات تحوز الصفة الدولية، فضلًا عن نجاحه في تسويقها وتعميمها على الآخرين الخطوة الأولى التي مهدت لظهور العولمة، وهي لا تعني في الأساس مساهمة الكل في تطوير القيم الإنسانية المشتركة، أو إتاحة الفرصة للثقافات متعددة المشارب للتعبير عن ذاتها في الفضاء العالمي بطريقة عادلة، بقدر ما تعني تعميم ثقافة الغرب على شعوب العالم، بطريقة تعكس رغبته بفرض علاقته مع الآخرين بطريقة خطية وأحادية الاتجاه، بدلًا عن أن تكون تبادلية وثنائية أو متعددة الاتجاهات.

لو تتبعنا المؤسسات التي تقدم على أنها دولية لوجدنا «مجلس الأمن الدولي» مثالًا، والذي يكشف عن حضور وهيمنة غربية واضحة، حيث لا تعكس عضوية المجلس توزيعًا عادلًا لأعضاء المنتظم السياسي الدولي، فهناك قارات وأمم ودول كبيرة كثيرة غير ممثلة في المجلس، الأمر الذي يضع ألف علامة سؤال حول استحقاق المجلس للصفة الدولية، وبالتالي حول طبيعة الأهداف التي يسعى لتحقيقها، والجهات المستفيدة من ذلك. يصبح الأمر أكثر وضوحًا في ضوء إدراك أن هناك عشرات القرارات الصادرة عن المجلس والخاصة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي على مدار عقود طويلة، ولكن إسرائيل لم تلتزم بأي منها، ودون أن يراجعها في ذلك أحد. في المقابل فقد تجمعت جيوش أكثر  من 30 دولة في العالم تقف على رأسها الولايات المتحدة، وقامت بالهجوم على العراق في العام 1991 بحجة تنفيذ قرارات المجلس الداعية لخروج القوات العراقية من الكويت. فهل عكست هذه المؤسسة مصالح أطراف المنتظم الدولي جميعًا أم بعضها فقط؟ ومثل ذلك يقال في حق «الشرعية الدولية» و«القانون الدولي» و«صندوق النقد الدولي» وغيرها الكثير.

غير أن المفارقة تتجلى بأوضح صورة فيما يعرف بـ«اللجنة الرباعية الدولية» المكونة من (الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) والمسؤولة عن متابعة تفاعلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والمساعي الهادفة لإيجاد حل له، وهي جهات تعتبر في مجملها امتدادًا موسعًا لإسرائيل بصورة من الصور. من جهة أخرى فإن للطرف الفلسطيني أيضًا امتدادًا دوليًا واسعًا يبدأ بالدائرة العربية ويمر بالدائرة الإسلامية وينتهي بطيف إنساني واسع يناصر القضية الفلسطينية، كان من المفروض أن يكون لهذا الامتداد تمثيل يكافئ تمثيل الامتداد الإسرائيلي، عندها فقط تستحق اللجنة الصفة الدولية، بيد أن المشكلة لا تتمثل بغياب التمثيل المكافئ، بل بغياب التمثيل أساسًا.

يدل مثل هذا الخلل المقصود على أنه لا يوجد نوايا جدية لحل الصراع بطريقة عادلة، وإنما المطلوب إيجاد حل يرضاه الطرف الإسرائيلي، ويكون ملزمًا للطرف الفلسطيني، وقد تم التعبير عن ذلك من خلال قيام اللجنة الرباعية بوضع شروط على الجانب الفلسطيني فيما لم يقابلها شروط مماثلة على الجانب الإسرائيلي. صحيح أن موازين القوة قد فرضت على العرب والمسلمين التعاطي مع هذه المؤسسات من موقع ضعف، ولكن حالة الضعف ليست قدرًا أبديًا، كما أن إمعان الغرب بتهميش الآخرين يخلق مع الوقت حوافز مواجهته، والسعي لإيجاد البدائل عن مؤسساته التي ترى بعين واحدة فقط. إن توجهًا كهذا لا يبدو مستحيلًا، بل يمكن تحقيقه إذا وجدت الرؤية الصحيحة، والخطة المبصرة للخروج من دائرة التبعية للغرب، والإرادة للانطلاق للعمل بحماسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد