تعد العدالة أسمى ما يمكن للبشرية تحقيقه في عالم زادت فيه الجرائم منذ عقود من الزمن إلى وقتنا الحاضر، ويمكن تشبيه العالم خلال هذه الفترة بمسرحية شريعة الغاب التي ألفها أحمد شوقي، لما فيه من صراعات مستمرة، وتسلط القوي على الضعيف.

هذه الأجواء هيأت ودفعت لإيجاد منظمات دولية للحفاظ على العدالة لما لها من منافع على جميع مناحي حياة البشرية. أنشأت محكمة العدل الدولية عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية، وهي جزء مهم من الأمم المتحدة، إذ تعتبر الجهاز الرئيس للأمم المتحدة لحل النزاعات داخل غرف القاعات بعيدًا عن ساحات الحروب، تقوم المحكمة بحل القضايا وإعطاء الاستشارات بحال طلبت الدول المتخاصمة منها ذلك، أو المنظمات التابعة للأمم المتحدة، وتركز هذه المحكمة على حل نزاعات الدول المتعلقة بالاقتصاد أو حق المرور، ولمنع استخدام القوة أو التدخل في سياسة ودبلوماسية الدول وشؤونها الداخلية، ومنعت أخذ الرهائن، وتدخل المحكمة أيضًا بأمور تتعلق بالجوء والجنسية، وكانت الدول تعرض قضيتها لإيجاد حل بديل بعيدًا عن الخيار العسكري، واستطاعت المحكمة حل ما يزيد عن 150 قضية، لكن بحلول عام 1981 تمت إحالة بعض القضايا للقطاع الخاص بناءً على طلب طرفي النزاع، وبلغ عدد هذه القضايا ستًا.

إضافةً لعمل منظة العفو الدولية على مدار أكثر من 20 عامًا التي ساهمت في إنشاء نظام للعدالة الدولية. استطاع المجتمع الدولي في القرن العشرين للوصل لتعريف الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وسعت لإيجاد محكمة دولية دائمة، وقد حققت هذا من خلال محكمة الجنايات الدولية التي جاءت نتيجة معاهدة دولية عام 2002، التي تختص في محاكمة ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب الذين لم تستطع بلادهم محاسبتهم، أو لا ترغب بذلك، ولتعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وكانت هذه ثمرة من ثمرات المجازر التي ارتكبت في كمبوديا ويوغسلافيا السابقة، إضافة لصراعات بين الدول التي دفعت الأمم المتحدة في التفكير لإنشاء فكرة ترهب مرتكبي جرائم الحرب ومن يدعمهم أينما حلو وبأي وقت، ولتثبيت دور وزيادة فعالية هذه المحكمة طرحت فكرة نظام الولاية القضائية، وبموجب هذا النظام يفرض على الدول تسليم المجرمين أينما كانوا بغض النظر عن مكان ارتكابهم للجريمة، وهذا أمر مرض جدًا للشعوب، ورادع للمجرمين، مثلما حصل مع الديكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه في لندن عام 1998 عندما تم إلقاء القبض عليه، ودعت لإنشاء محاكم دولية، خاصة في رواندا، وسيراليون وتيمور الشرقية، ولكن من الملفت أنها لم تدع لبناء مثل هذه المحاكم الخاصة في بعض الدول التي خاضت حروبًا، وثبت ارتكابها لجرائم حرب كالولايات المتحدة.

يفترض علينا إدراك بعض الحقائق، وأهمها أنه لا يمكن أن تتحقق عدالة بوجود دول مسيطرة على النظام الدولي، وتمتلك حق الفيتو. معرفة أن منظومة العدالة الدولية تعاني من خلل بنيوي مزمن، هو ما يدفعنا إلى معرفة السبب وراء عدم تنفيذ المحكمة لقراراتها، أو امتناع المحكمة عن بعض القضايا، خصوصًا أن المحكمة لا تصدر قرارات تتعارض مع مصالح الدول المالكة لحق الفيتو، وإن صدرت، فحق الفيتو موجود، وهناك الكثير من القضايا وجرائم حرب لا ترفع للمحكمة؛ لأن المجني عليه يعتبر المحكمة الدولية جزءًا من منظومة الأمم المتحدة، والدول الفاعلة في النظام الدولي، والتي لا تستطيع المحكمة وغيرها من محاسبتها، خصوصًا أن قرار المحكمة لا يمكن أن ينفذ، وحتى النظر بالقضية الموجهة لأية دولة فاعلة بنظام الدولي يعتبر ضربًا للمنظومة القيمية للدولة وهو ما لا ترضى به، باعتبار أن المحكمة أنشأت من خلال معاهدة وقعت من دول ذات سيادة، ولعل هذا السبب هو المؤدي بنا لعالم مليء بجرائم الحرب والإبادة الجماعية دون حسيب، أو رقيب؛ مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار، ومن الجدير بالملاحضة أن المحكمة لا تنظر بالقضايا قبل 2002، وهذا يدفع بنا إلى قول: لماذا؟

إضافةً إلى تملص الدول الفاعلة من العقاب والقرارات الملزمة عند الحاجة أو عند عدم مراعاة المنظمة لمصالحها، وهو ما تمثل في روسيا بعد سحبها لتوقيعها من المحكمة بعد قضية القرم وحكم المدعية العامة أن روسيا هي المعتدي وعليها الخروج من شبه جزيرة القرم باعتبارها تابعة للأراضي الأوكرانية، قامت روسيا بسحب توقيعها للإفلات من العقاب، وقد اتهمتها روسيا بأنها تعاني من عدم الاستقلالية، ولم تحقق ما أسست لأجله، وأثبتت روسيا ادعائها بمرور 14 عامًا على تأسيس المحكمة، ولكنها لم تبث سوى أربعة أحكام.

مع هذا يجب علينا ذكر الحروب التي خاضطها روسيا مع جورجيا، أو سوريا، وثبت ارتكاب قادتها العسكريين، وجنودها لجرائم حرب شنيعة في حق المدنيين هناك، وهذا السبب الوجيه لخروج روسيا من محكمة الجنايات الدولية.

مع أن محكمة الجنايات الدولية تعتبر محكمة مستقلة من الناحية القانونية والوظيفية، خصوصًا أنها ليست جزءًا من منظومة الأمم المتحدة. وهي أول آلية قضائية دائمة، ونظامها الأساسي يركز على الموازنة بين اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، واختصاص المحاكم الوطنية، كخطوة لتسهيل انضمام الدول إليها، معتبرة أن التوازن في العلاقة ينتج عنه علاقة تكاملية بين الأنظمة القضائية الوطنية والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها مسيسة، وهذا ما أثبتتها المحكمة من خلال علاقتها بالدول الفاعلة في النظام الدولي، إضافةً لارتباطها بمجلس الأمن، وهو ما يقلل من مصداقيتها، وتسييس قراراتها، ولتفعيل مصداقية المحكمة والثقة فيها لابد للعمل على تحجيم دور مجلس الأمن في علاقته مع المحكمة الجنائية الدولية، لاسيما قيامه بدوره السلبي المتمثل في الإرجاء الذي يفقد المحكمة تكامل مصداقيتها.

مع أن نظام العدالة الدولية يقوم على ثلاث حقائق ومرتكزات، وهي: العدالة، والتعويض، والحقيقة. وهذه الحقائق مشوهة أو معرضة لتزوير في أحيان كثيرة، وخصوصًا إذا تعارضت مع مصالح الدول الكبرى والفاعلة في النظام الدولي، وهو ما بدا جليًا في حرب فيتنام والعراق وغيرها، إذ لم يحاسب أي شخص على ما ارتكبه، رغم خروج صور مؤلمة من سجن أبو غريب، وحرب فيتنام، وغيره من أحداث ارتكبها الجيش الأمريكي في حروبه. ومن شروط تحقيق العدالة هو البحث عن الجاني ومحاسبته، أي لا نكتفي بالشفقة على المجني عليه، وإلا في هذه الحالة يعتبر نظامًا جنائيًا ضعيفًا، ويراعي مصالح الأقوى، وما يثير السخرية هو خروج بعض الدول بعنوان ضرورة نسيان الماضي لتهرب من المحاكمة، أو التعويض وغيرها من المسألات.

من الجدير بالذكر أن العدالة لا تشمل فقط مرتكبي الجرائم الجنائية، العدالة تشمل أيضًا العيش الكريم لكل شعوب العالم. وقعت الأمم المتحدة المعاهدات، وقامت بتطويرها لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا كله من أجل تحقيق العدالة والأمن والسلم الدوليين، ولهذه المعاهدات أهمية في توفير احتياجات الأفراد وحمايتهم وقت الحروب، وهذه الأمور ليست من اختصاص محكمة الجنايات الدولية؛ لأنه اختصاص المحكمة يركز على جرائم الحرب ومرتكبيها من أفراد وسلطات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد