يعتبر تحليل العوامل المؤثرة على قدرة الدولة على توزيع القوة عبر مستوياتها المتعددة، أو بعبارة أخرى المؤثرة على سلطة الدولة مبحثًا مشتركًا بين جميع المحللين والمنظرين السياسيين. ويعرف ماكس ويبر (1945) القوة على أنها احتمالية أن يكون طرف في علاقة اجتماعية في موقع يسمح له بالمضي في تنفيذ إرادته رغم المقاومة، إلا أن ما يحدد مدى شرعية وصحة ممارسة ذاك الطرف للقوة داخل نظام سياسي معين هو الشرعنة المجتمعية لممارسته القوة كصاحب سلطة عليهم.

وبناءً على نظرية العقد الاجتماعي الناصة على أن عناصر المجتمع الواحد تقبل (علنيًا أو ضمنيًا) التنازل عن بعض حرياتها والانصياع لسلطة هيكلة حاكمة (أو قرار الأغلبية) بمقابل حماية ما تبقى لهم من حقوق، فإن الحاكم أو الحكومة تعتبر نظريًا السلطة الشرعية العليا في إطار نظام بلادها السياسي. كما يعتبر علو سلطتها واستقلالية ممارسة تلك السلطة عن أي عوامل خارجية مؤثرة في إطار نظامها السياسي عاملًا اساسيًا في تحديد مدى سيادة الهيكل الحاكم على المجتمع كحاكم شرعي.

ولكن وفي عصر المجتمع الدولي وتطور مبادئ وآليات العلاقات الدولية، يستحيل بشكل مطلق دراسة توزيع القوى والسيادة في نظام سياسي في بلد معين بمعزل عن علاقاته السياسية والاقتصادية والثقافية مع الأنظمة السياسية المحيطة به في البلدان الأخرى. ومنه ينبع السؤال الأساسي حول قوة الدولة الداخلية، والذي سيحاول هذا المقال الإجابة عنه: هل تؤثر التشريعات الدولية على مدى قوة الدولة على المستوى الوطني؟ وإن كان هذا صحيحًا فلماذا وكيف؟

في النصف الأول من القرن العشرين، شهد العالم صراعين كارثيين أحدثا دمارًا لا مثيل له: الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد كانت الحروب المذكورة بالذات من أكثر تجليات التفاعل بين الدول عنفًا، حيث خلفت عشرات الملايين من القتلى، قادت إلى تغيرات اجتماعية ثورية في العالم، كادت تقضي على شعوب دول بأكملها، سهلت صعود قوى عالمية جديدة وقادت قوى أخرى غلى انهيار تام.

تصور الكثير من السياسيين والدبلوماسيين والباحثين آنذاك أنه يمكن تجنب تجدد مثل هذه الحروب عبر خلق قواعد تعامل متفق عليها وإيجاد منظمات دولية لحل الأزمات العالمية بعيدًا عن الأساليب التصادمية العنيفة. كنتيجة لذلك، وجدت فكرة خلق نظام دولي بهدفين أساسيين هما نشر السلام عبر الحفاظ على الأمن الدولي التقليدي (منع الحروب بين الدول، منع الانتشار النووي… إلخ) وكذلك الحفاظ على الامن الغنساني (محاربة الأوبئة، الفقر، الكوارث الطبيعية، حقوق الإنسان… إلخ)، كل هذا عبر نظام تشريعي دولي سمي بـالقانون الدولي.

يقوم النظام القانوني الدولي بتعريف، خلق، تنويع، وفرض التزامات على الخاضعين له والتي هي في هذه الحالة الدول ممثلة بأنظمة حكمها. أي أن قواعد القانون الدولي وحكم القانون الدولي يفرض سلطة معينة على الخاضعين له. تعتبر سلطة القانون الدولي مبررة وشرعية حصرًا إذا توفر حق السلطة على الخاضعين لها، أي على سبيل المثال حق المشاركة في صياغة الواجبات الواجب طاعتها من طرف الدول الخاضعة لهذا القانون، والذي يُحَددُ في الأطر القانونية المحلية بناءً على الإجماع الوطني عبر الآليات التشريعية.

تعدد المادة 38 (1) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية مصادر القانون الدولي وتنص على أن مصادر القانون الدولي تكمن بالأساس في العرف الدولي، المعاهدات الدولية والقواعد العامة للقانون، ثلاثة مصادر تعتبر إلى حد كبير خارجية بالنسبة لدولة بشكل فردي لا على التعيين حيث انها لا تشارك ولا توافق إلزامًا على ما قد تنتجه تلك المصادر الثلاثة. في نفس الوقت، يعتبر مبدأ السيادة (والذي يعرف على أنه القدرة غير المنقوصة لبنية حاكمة على فرض سلطتها وتوزيع القوة السياسية على محكوميها دون أي تدخل خارجي) مبدأً أساسيًا في قياس مدى قوة الدولة الداخلية في إطار نظامها السياسي.

كنتيجة لذلك، فإن معايير القانون الدولي الملزمة تبدو عاجزة عن احترام سيادة الدول المستقلة، حيث إنها تتدخل في ميادين يفترض ان تكون الدولة حرة في صناعة قراراتها فيها، وبالنتيجة، تقوض قوة الدولة في إطار قدرتها على صناعة قرار مستقل (أو كما يدعى السيادة المستقلة). ومنه فإن السلطة الشرعية للقانون الدولي تقوم بتقويض استقلالية صناعة القرار وسيادة الدول المنفردة الخاضعة لها بالضبط كقيام السلطة الشرعية للقانون الوطني بتقويض الاستقلالية الشخصية للافراد الخاضعين لها. وباتباع المقاربة بين الدولة والفرد في إطار الدخول في عقد خاص أين يتمتع الفرد الحر بالإمكانية والقدرة على الاختيار بين إلزام أو عدم إلزام نفسه كفاعل عاقل بعقد ما، فإن الدول ذات السيادة تتمتع بالإمكانية والقدرة على الاختيار بين الزام وعدم إلزام أنفسها كفاعل عاقل بعقودٍ، واتفاقات دولية محددة، حيث تعتبر المنظمات الدولية، المعاهدات الدولية الثنائية ومتعددة الأطراف احدى تجليات هذه الإمكانية والقدرة. إلا أن الدول لا زالت تلزم نفسها بهذه النصوص القانونية رغم تأثيرها سلبًا على سيادتها الداخلية وقوتها الداخلية مما يضعنا أمام لغز آخر: ما الذي يدفع الحكومات للانصياع أو عدم الانصياع للالتزامات الدولية؟

تنقسم الإجابة في اعتقادي إلى قسمين. قسم داخلي وقسم دولي، فمستوى انصياع الحكومة للالتزامات الدولية المتنوعة قد يضع الحكومة أمام محيط استراتيجي مختلف تمامًا، سواءً على المستوى الوطني أو الدولي. فعلى المستوى الوطني، يؤدي عدم انصياع الحكومة لاتفاقية دولية محددة لاستفادة شريحة من مكونات الدولة على حساب شريحة أخرى في إطار نظامها السياسي. يصل مستوى الضرر إلى أقصى تأثيره إذا كان ضررًا يمس بشكل مباشر بمستوى الرفاهية العام، رفاهية تعتمد على قرارات قيادة الدولة من جهة ومجموعة من العوامل الخارجية الاحتمالية من جهة أخرى. عندما تمتلك الأطراف الواقعة كضحية لعدم انصياع الهيكلة الحاكمة للاتفاقية تأثيرًا على تلك الهيكلة على شكل نفوذ سياسي، تمتلك بذلك تلك الشريحة بشكل آلي قوة سياسية بناءً على ان المسؤوليين والقادة الحكوميين يحافظون على مناصبهم عبر صياغة وتطبيق سياسات لها صدى ودعم من مكونات المجتمع المتعددة.

بالتالي وفي تلك الحالة، فإن الالتزام بالاتفاقيات الدولية قد يكون قرارًا عقلانيًا ومنطقيًا جدًا بالنسبة للهيكلة الحاكمة حتى لو كان تأثيره على سيادتها ككل سلبي أكثر منه إيجابي. وهنا يجدر بنا الذكر أن هناك نوعًا جديدًا من الحروب يدعى حروب الجيل الرابع يرتكز على هز استقرار الدولة بأيدي مواطنيها عبر زرع مفاهيم مثالية معينة موجودة في القوانين الدولية يعلم زارعها تمام العلم ان تطبيقها في الدولة المستهدفة قد يؤدي إلى انهيار اجتماعي وفوضى تامة إلا أن هذين الاخيارين يكونان بشكل عام الهدف الأساسي من العملية برمتها، أي كما يقول العرب: خير يراد به شر.

وترتكز هذه العملية بشكل أساسي على ما يسمى في علم السياسة الحديث بالقوة الناعمة المؤسسة بدورها على استخدام أدوات سياسية مرتبطة بالمجال الثقافي مع الطبقة الشابة من المجتمع لخلق و/أو توسيع رقعة المكونات المجتمعية التي ترى نفسها ضحية لعدم التزام الحكومة باتفاقية أو عرف دولي معين، بما يكسبها تدريجيًا مع مرور الزمن تأثيرًا سياسيا يتبعه بشكل مباشر قوة سياسية لتلك الشريحة قد تتجلى على شكل مظاهرات أو تقارير سلبية عن الدولة أو حتى ثورات تصب في النهاية في صالح الدول التي تسوق لهذه القوانين كحق مطلق بينما قد تكون تلك الدول المسوقة ذاتها في بعض الأحيان غير ملتزمة باطنيًا بتلك البنود.

أما على المستوى الدولي، فإن الحكومة قد تتعرض لضغط سياسي واقتصادي وثقافي كبير جدًا لتنفيذ بنود قوانين باتت تفرض في العالم اجمعه كمعيار الحق بينما قد يكون فقهاؤها المنحدرين من ثقافات مختلفة ومتركزة في النصف الشمالي من العالم غرباء ثقافيًا بشكل تام عن الثقافة المحلية للدولة والتي قد لا ترى في تلك البنود الحق والصحة المطلقة. كما قد يكون أولئك الفقهاء غرباء عن حجم ما يسمى في علم الاجتماع بوسع المجتمع أي مدى تحمله لما قد ينتج عن تنفيذ ذلك القانون أو مدى صحة أسسه.

فعلى سبيل المثال، تعتبر حرية اختيار الجنس أو اختيار المواطن لتوجهه الجنسي (بما في ذلك اختياره الشذوذ الجنسي) حقًا من الحقوق المدرجة في الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، إلا أنه وبينما تعتبر هذه الممارسة شيئًا غير ذي تأثير في الدول الغربية، فإن هذه الممارسة تعتبر منافية لجميع الأعراف والمفاهيم المجتمعية في العالم العربي على سبيل المثال لا الحصر بغض النظر عن مدى صحتها من خطأها. وبالتالي فقد تجد هيكلة حاكمة لدولة لا على التعيين في العالم العربي نفسها أمام اتهام دولي مباشر بعدم احترام حقوق الإنسان والتعدي عليها بناءً على عدم تلبيتها لما تستوجبه تلك البنود الدولية حتى لو سمحت بكل حق، إلا حق الشذوذ الجنسي؛ مما يجلب عليها ضغطًا سياسيًا خارجيًا رغم أنها تتعامل بشكل متوافق تمامًا مع ثوابت المجتمع وثوابت الديانات الموجودة على ساحتها المحلية، والتي تحفظ لها استقرار نظامها السياسي.

وبناءً عليه، فعلى الرغم من أن القرار المنطقي للحكومة هو أن تلتزم بالحد من انتشار الشذوذ الجنسي كون عدم التزامها بهذا قد يقود إلى انتفاضة اجتماعية من مكونات الدولة المتعددة، إلا أنها تواجه ضغطًا باتجاه إفقادها سيادتها على قراراتها في إطار نظامها السياسي وفرض إرادة فقهاء القانون الدولي ورؤيتهم للحق والظلم بغض النظر عن مدى توافق رؤيتهم للحق مع رؤية اولئك الذين يعيشون في ظل النظام السياسي للدولة نفسها، ضغط قد يوصل الحكومة في حالة ضعفها إلى تطبيق الأعراف التي تتخطى وسع المجتمع وقدرة تحمله للتغيير عبر القوة المتمثلة في قمع المعارضين لهذا التوجه في محاولة للحفاظ على استقرار النظام السياسي في ظل كسر طابع المجتمع في سبيل طاعة بنود النظام القانوني الدولي. وما يزيد الطين بلة هو مدى انتقائية الدول التي تحاول فرض التشريعات الحقوقية الدولية في اختيارها للدول المراد فرض الالتزام عليها، وكذلك مدى التغاضي عن اختراق القانون الدولي في سبيل الحفاظ على مصالح الدول الكبرى إلى حد كبير.

من كل هذا نستنتج ختامًا أن تأثير الاحداث الدولية على قوة الحكومات الداخلية والخارجية يزداد يومًا بعد يوم، حيث يتميز هذا التأثير بشكل عام بالسلبية في سياق القوة الداخلية كونه يحد من قوتها وسيادتها. إلا أن الموازين المحيطية الاستراتيجية قد تملي على الدول الالتزام بتلك القوانين والاتفاقيات حتى لو كانت تحتوي تقويضًا لسيادة وقوة الحكومة. لقد سخرت هذا المقال لمجرد شرح آلية التأثير لا للاتفاق مع النظم الدولية، أو الاختلاف معها، ولا للاتفاق مع السيادة المطلقة من عدمها، ولكن التحليل السابق يثير فضولي لمعرفة رأيك عزيزي القارئ عزيزتي القارئة في السؤال التالي: في رأيك من هو الأولى بالاحترام؟ الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية بغض النظر عن استقرار المنظومة السياسية العامة للبلاد؟ أم الالتزام باستقرار النظام السياسي والمجتمع بغض النظر عن القوانين والأعراف الدولية؟ وهل نعيش في عالم يطبق نفس المعايير المجبرة على الالتزام بالقانون الدولي على كل دول العالم على قدم وساق؟ أم أن هذه العملية قد تم تسييسها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

جون جاك روسو - عن العقد الاجتماعي. - مركز دراسات الوحدة العربية.
Oxford Handbook of the History of International Law - B. Fassbender, Daniel Högger
كتاب الامير - نيكولا ميكافيلي
Blackwell Companion to Political Sociology - Alan Scott
عرض التعليقات
تحميل المزيد