خبراء إطفاء الحرائق، هم فئة من الناس تلقت تدريبات في معاهد علمية وأكاديميات محترمة لها خبرة بخصائص مواد الاشتعال، وكيفية إطفائها، ولها خبرة بوسائل الإغاثة والإنقاذ، وبعد إتمام الدورات التدريبية يمنح الدارس ترخيصًا بصلاحية العمل في مجال الإطفاء، غير أن خبراء إشعال الحرائق يتدربون في أماكن سرية قد تتبع منظمات محظورة، وربما ينتمون في بعض البلاد لأجهزة حساسة ذات موقع سيادي يعملون من خلالها في صناعة الأزمات.

تلحظ ذلك في علاقة الشرق بالغرب، فبرغم ما تتميز به تلك العلاقة، وما يغلفها في الظاهر بغلاف المصالح والتحالفات، إلا أنها من حيث توصيف البداية تنطلق من أزمة يحكمها الشك واليقين في آن معًا، ويحركها من خلف ستار خبراء في إشعال الحرائق يحرصون دائمًا على خلق الأزمات، وإبقاء العلاقة مع الإسلام دينًا في حالة التهاب مستمر، رغم أن بلاده ترتبط بعلاقات مصالح وتحالفات مع الغرب، فعلى المستوى المادي هناك روابط كثيرة ومصالح متعددة تربط بين الشرق والغرب، منها حاجة الغرب لمخزون النفط والغاز في بلاد الشرق، وحاجة الشرق لمنتجات الغرب الصناعية بكل أنواعها، ومن ثم فالشرق سوق تجارية مهمة بالنسبة للغرب، وبقدر حجم التبادل في مجال التجارة والصناعة، هناك أيضًا تبادل في مجال المعرفة بين الجامعات والمعاهد العلمية، وبخاصة في مجال العلوم النظرية، التي تثار فيها أحيانًا نقاط ذات حساسية خاصة؛ كوضع المرأة وقضايا المثلية والتحول الجنسي والتطرف، وهي قضايا تشغل حيزًا من مساحة العلاقة بين الشرق والغرب، وفي القلب منها موضوع الإسلام وموقفه من تلك القضايا بشكل خاص، فالخوف منه والخوف عليه يشكلان مشكلة للطرفين، ففي الغرب خوف منه، وفي الشرق خوف عليه.

– في الغرب خوف منه إذ يلحظ الباحث أنه في حالة ازدياد بلغت مداها حتى دفعت البعض إلى طرح سؤال الشك حول الإسلام، والمطالبة بالبحث فيه والبحث عنه: هل هو دين سماوي حقيقة أم هو أيديولوجية سياسية وعسكرية؟

– فعلى مستوى الشك: هناك خوف مبعثه أن الغرب ينظر إلى الإسلام على أنه بديل حضاري، ومنافس اقتصادي شديد التأثير والإغراء، وشديد الصلابة في عقيدته وقيمه، وسريع الانتشار.

– وفي الشرق خوف عليه؛ لأن أهل الإسلام لا ينسون أن الغرب مستعمر طامع، وأنه في الغالب الأعم يتربص بهم الدوائر، ويشهد بذلك الماضي الحافل بذكريات مريرة، والحاضر المليء بكثير من المآسي والآلام، تراها عين المشاهد في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا وغيرها من الدول، إذ تخلى الغرب عن دوره في ضبط مسار السلام واحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، فترك الشعوب ضحيةً لألوان من القهر والاستبداد والديكتاتوريات البشعة، ما كان ليسمح بها في بلاده أبدًا، غير أنها حدثت هنا في ميدان التجارب وعلى الأجناس الرخيصة، فسالت دماء بريئة لأطفال ونساء وشيوخ لطخت وجه الحضارة، وأصابت إنسانية العالم بأممه المتحدة ومنظماته الدولية بأخس أوصاف العار، حين خرست الألسنة على تلك المظالم، وما كانت أنظمة القهر والديكتاتوريات والاستبداد لتفعل هذا لولا أن الغرب منحها الضوء الأخضر بسكوته عنها؛ لتذيق شعوبها كل ألوان العذاب قتلًا وسجنًا وتعذيبًا وتهجيرًا.

– على مستوى اليقين من المؤكد لدى الطرفين أنه لن يستطيع طرف أن يمحو الطرف الآخر من الوجود، مهما كان سوء الظن أو سوء النية أو حتى سوء الفعل، ومن ثم فمسار العلاقة يحتاج إلى تعديل وتحويل، والبحث الجاد عن صيغ أخرى للتعايش وترك الصراع، والبداية في هذا التعديل أو التحويل تنطلق ـ أو هكذا يجب في تصورنا ورؤيتنا ـ من عالم الأفكار لا من عالم الأشياء، فعالم الأشياء أموال تتحرك ومصانع تنتج، ولو كان المنتج أدوات للقتل والتدمير، وبؤرًا للصراع تصنع هنا وهناك بغية فتح أسواق للتخلص من مخزون السلاح القديم، وتجريب الأجيال الجديدة، وفي كواليس الصفقات وحجمها ترسم السياسات، وتتحدد العلاقات الدولية، ومن ثم فلغة المصالح هي من يحكم المسار ويحدد اتجاه الحركة، ولا مجال هنا لمبادئ الأخلاق والقيم الإنسانية، فذلك ميدان يلهو فيه الحالمون، ويتسلى بالحديث عنه أولئك الذين يعيشون على الأرض، لا بعقولهم وإنما بعواطفهم وقلوبهم، ومن ثم فدعهم يبحثون فيها عن ملكوت السموات.

فإذا تركنا أصحاب الشك وأهل اليقين ومن يتصارعون على الأرض ومن يحلمون، وفتحنا نافذة في لغتنا الجميلة نحاول منها التعرف إلى ما يربط شرق الدنيا بغربها، وحربها وسلامها، وقلقها وطمأنينتها، وحبها وكراهيتها فستواجهنا لغتنا العربية إلى أن الرابط بين الشرق والغرب في منظور اللغة، وبتعريف النحويين «واو» عاطفة، والعطف يقتضي المغايرة، أي أن المعطوف غير المعطوف عليه، سواء باعتبار المكان والجهة، أو باعتبار المفهوم فكرًا وثقافةً ومعرفةً، والعاطفة قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية، فإذا كانت إيجابية، فإنها تنشئ علاقة تقوم على الحب والرحمة والاحترام المتبادل.

– وإذا كانت العاطفة سلبية، فإنها قد تنشئ علاقة تقوم على تجاهل الآخر، والانتقاص حتى من موقعه الجغرافي على الأرض، فضلًا عن محاولة قهره وتنميطه وقولبته، وربما يدخل ضمن الاعتزاز بالذات، الاعتزاز بالمكان والجهة وتوظيف مفردات الطبيعة في التدليل على ذلك، قال الشاعر :

قل لا يستوي شرق البلاد وغربها *** الشرق حاز الفخر باستحقاق

انظر طلوع الشمس عند شروقها *** بيضاء تعجب بهجة الإشراق

وانظر إليها عند الغروب كئيببة *** صفراء تـؤذن ظلـمة الآفـاق

وكفى بيوم طلوعها من غربها *** أن تؤذن الدنيا برسم فراق

الشرق في هذه الصورة الشعرية جاء من الشروق، والشروق يعني البداية، بينما الغرب من الغروب، والغروب!

– صفة التغليب، أم ضابط التحديد والحصر:
عندما نقول: الشرق والغرب فإن صفة العموم تستغرق الطرفين معًا، أي الشرق الإسلامي كله، والغـرب المسيحي كله، وهذا في الحقيقة يغاير الواقع، فلا الشرق كله مسلم، ولا الغرب كله مسيحي، غير أن صفة التغليب يمكن أن تعفينا من الدخول في ضوابط التحديد والحصر، وما يتصل بذلك من تفاصيل ربما لا يحتاجها مثل هذا المقال الذي ينصب جل اهتمامه في التعرف إلى القواسم المشتركة التي تصلح أساسًا للتعايش، واهتداء طرفي الحوار إليها، وتقديمها للعامة والخاصة لدى الطرفين، علها تعفينا من صراع يؤجج ناره طوائف من المتطرفين في الشرق والغرب معًا، وهو صراع يهلك الحرث والنسل، ولا يربح فيه إلا تجار الموت ولصوص الحضارة وسراق الأحلام هنا وهناك، بينما يخسر فيه الغالب والمغلوب على سواء.

– ورغم زيادة العنصرية والكراهية إلا أن صوت العقل سيغلب ويعلو على هتاف حناجر السوء وخطباء الفتنة، وسيفشل خطط خبراء إشعال الحرائق، وبخاصة عندما يجتمع على طاولة الحوار قمة المكان والمكانة في الشرق والغرب معًا، وهما الأزهر والفاتيكان، الأمر الذي يساعد على إزالة الحواجز النفسية ويقرب المسافات، ويلم شمل المؤمنين في مواجهة قوى أخرى عاتية ومتربصة بكل أشكال الإيمان على الكوكب الأرضي.

بشائر الخير بوعي جديد أن الأزهر –جامعًا وجامعةً- يمثل الطـرف الإسلامي الذي يرمز إليه -مجازًا- بجهة الشرق.، والفاتيكان يمثل الطرف الذي يرمز إليه -مجازًا- بالغرب، فإن الحوار هنا يكون بين الإسلام والغـرب، وتلك خطوة متقدمة جدًّا يحل فيها الحوار –بلغة الإعلال والإبدال– باعتباره أول وسائل الفهم، محل الصراع والصدام، ويكون فيها صوت العقل بديلًا عن الراديكالية والعنصرية والكراهية في الشرق والغرب معًا.

– وهذا مؤشر إيجابي على أرض الواقع بلا شك، غير أننا يجب أن ندرك أن الحوار كالتفاوض تمامًا ينطلق في الأساس لا من صحة وسلامة الرؤية النظرية فقط، ولا حتى من الرصيد التاريخي، فالرؤية النظرية ورصيدك التاريخي يمكن أن يثبت أنك موجود، ولكنه لا يثبت حضورك، والفرق كبير بين أن تكون موجودًا وبين أن تكون حاضرًا، أن تكون موجودًا فهذا يعني أنك مجرد رقم في العد والحساب، بالزيادة أو بالنقصان، وعندما تتحاور مع الآخرين وأنت في هذه الحالة فإنك لا تملك شيئًا من مفردات القوة على الأرض تمكنك من فرض إرادتك، أو حتى تصديق رؤيتك لتكون محل نظر الآخرين، وتدخل في حساباتهم واعتباراتهم.

– أما أن تكون حاضرًا فهذا يعني أن لك إنجازًا على المستوى العلمي والثقافي والاقتصادي، وأن وجودك يشكل إضافة حضارية وأخلاقية، ومن ثم فأنت رقم مؤثر في العلاقات الدولية، وموازين القوى، والمعادلة الحضارية.

· في الحالة الأولى: «حالة الوجود كرقم في الحساب ليس إلا»، يضن عليك الآخرون بأبسط حقوقك، ويستكثرون عليك ما تملك، وينظرون إليك باستعلاء من يعطي ويمنح، ويصحب عطاءه بالشروط المذلة، فضلًا عما تسمعه ويجرح مشاعرك وكرامتك من المن والأذى.

– أما في الحالة الثانية: «حالة الحضور والشهود» فأنت شريك بإنجازاتك وعطائك، والتعامل معك يتم باحترام لخصوصياتك ورعاية لقيمك، وينظر الآخرون إليك بتقدير وتوقير، وخطابك في الحوار مسموع، ويجب أن يكون على أعلى مستوى من معاني العزة والكرامة، وأن يكون شديد المنطقية وشديد الأدب في الوقت ذاته.

– خبراء إشعال الحرائق بداية من برنارد لويس ومدرسته يرون النـزعة الإسلامية تولد الإرهاب، وليس هناك إسلاميون معتدلون أو قابلون لأن يكونوا ديمقراطيين يستحقون جهد الكلام عنهم «وحالات العنف لديهم إنما تعود أساسًا إلى عيب عميق في الحضارة الإسلامية، يرجع إلى جرح ظل مفتوحًا، ويبدو أنه لن يندمل حقًّا إلا إذا كف المسلمون عن أن يكونوا مسلمين».[1]

– ما غاب عن خبراء إشعال الحرائق أن الشرق لا يمكن أن ينفك عن إسلامه أبدًا؛ لأنه ركيزة في الفطرة الإنسانية يولد مع الإنسان، ويختلط بدمائه، ويجري في شرايينه، ويسكن وجدانه بداية من هامش الشعور وحتى الأعماق، ثم هو يُكَوِّنُ لديه أقوى أنواع الدوافع، وهو الملاذ الآمن في مواجهة أكثر الأزمات خطورة على حياة الإنسان، والعجيب أنه كلما زادت التحديات، ازداد المسلم اقترابًا من دينه، وزاد تمسكه به؛ لأن العقائد هي الملاذ الآمن الذي يتحصن به الإنسان عمومًا والمسلم بشكل خاص كلما زادت المخاطر، وهذ أمر غير مفهوم لدى مراكز القرار في الغرب، وعدم استيعابهم له يتسبب في تخبط كبير، واضطراب في الرؤية، وخلط في المفاهيم، فهل سيكف خبراء إشعال الحرائق عن تضليل مراكز القرار، وخداع الناس وتزوير الحقائق؟ وهل تتحقق الأمنيات الكاذبة، ويكف المسلمون عن أن يكونوا مسلمين؟

العكس هو الصحيح وصدق الله تعالى {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}. ﴿الحجر: ٢﴾


[1] – تاريخ الاستشراق وسياساته، زكاري لوكمان، ترجمة شريف يونس، ص 348 بتصرف ط 1 دار الشروق 2007.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

العلاقات الدولية وإشعال الحرائق
عرض التعليقات
تحميل المزيد