حصلت شركتا فايزر-بيونتك على تصريح دائم للقاح الخاص بهما قبل أسابيع، بعدما قدما طلبًا لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية ليتم منحهما الإذن بشكل رسمي. ويعد هذا أسرع تصريح بتاريخ الإدارة. علمًا بأنه لا يوجد أي من اللقاحات معتمد حاليًا. ويعد فايزر اللقاح الأول الحاصل على تصريح من إدارة الغذاء والدواء بمدة وجيزة؛ كما تخضع باقي اللقاحات للاستخدام الطارئ الذي أعلنت عنه الإدارة سابقًا منذ الإعلان عن حالة الطوارئ للجائحة.

والتصريح مقتصر على من هم فوق سن 16 بينما الفئة العمرية للأطفال التي تتراوح أعمارها بين: 12-15 فهم يأخذون اللقاح نظرًا إلى الحالة الطارئة التي فرضتها جائحة كورونا. ولم يستغرق منح التصريح من الإدارة أكثر من أربعة أشهر ليأتي الرد في فترة قصيرة. وإجراءات التصريح تقتضي إفصاح الشركة عن تفاصيل التجارب السريرية وتركيبة اللقاح.

وتأتي حملات التلقيح الدولية بهدف التحصين وخلق صحة عامة. وكل دولة انتهجت برنامجًا وقائيًّا فرضت من خلاله حملات التلقيح على المواطنين. وفي الوقت ذاته توجد دول لم يستطع أن يحصل مواطنوها على الجرعة الأولى؛ علمًا بأن مبادرة منظمة الصحة العالمية المعروفة إعلاميًّا بـ«كوفاكس» التي تمت بالتنسيق مع تحالف اللقاحات العالمي «غافي» لم تنجح في تأمين اللقاحات وإرسالها إلى جميع الدول الفقيرة بينما تناقش بعض الدول الغنية الجرعة الثالثة.

تهدف اللقاحات لكسب مناعة ضد مرض كوفيد-19 الذي تسببه فيروسات كورونا سارس 2، الذي سجلت أول حالة منه في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019 بمدينة ووهان الصينية. وقد انتهوا من اللقاحات في نهاية عام 2020، وبدأت حملات التلقيح في بداية عام 2021، وقد ظهرت فصائل جديدة من الوباء تعرف علميًّا بألفا المكتشفة بكنت ببريطانيا، وبيتا التي سجلت في جنوب أفريقيا، ويليها جاما المرصودة بالبرازيل، وصولًا إلى دلتا بالهند.

كما أكد رئيس شركة «بيونتيك» أن اللقاح الذي طوروه يستطيع مواجهة الفصائل المتحورة من كوفيد-19، وأنه لا توجد خطة لتعديل اللقاح كونه يتناسب مع الفصائل الجديدة، لذا فهو قادر على محاربتها لأن بروتين الفيروس لم يتحور بشكل كامل؛ وإذا دعت الحاجة إلى ذلك مستقبلًا ربما يتم تعديل اللقاح ليكون فعالًا أمام العائلات المتحورة.

في علم الأحياء الدقيقة تعرف الفيروسات بأنها جسيمات لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وتمتلك بروتينات تغطي مادتها الوراثية. تغزو الفيروسات جسم الإنسان حتى تواصل إنتاج بروتينها للتكاثر. الفيروسات إما أن تكون حاملة لـ«دي إن أي» أو «آر إن أي» ويمكن تعديل الرسالة داخل المختبرات، وإدخال المستضد إلى الجسم بهدف تحفيز جهاز المناعة بواسطة اللقاح الذي يتفاعل معه الجهاز المناعي بصفته جسمًا غريبًا فيبدأ بمحاربته والتعرف إليه وقتله.

تملك أجسامنا أجهزة مناعية في غاية الذكاء. لذا نجدها مصممة لسحق وابتلاع الأجسام الغريبة المجتاحة للجسم. يتعرف جهاز المناعة إلى تلك الأجسام الغريبة بواسطة عمليتين، إحداهما عشوائية غير متخصصة، والثانية مدروسة بشكل دقيق. فالعملية الأولى: طبيعية وتختص بالقضاء على الأجسام الغريبة التي تغزو الجسم وقتلها دون التفرقة بينها وبين خلايا الجسم التي يختبئ داخلها الفيروس بهدف استنساخ بروتيناته والاستيلاء على خلايا الجسم العائل، وهذه العملية تصيب خلايا الجسم الطبيعية وتمنعها من الانقسام وينتج من ذلك عوز في الجهاز المناعي.

العملية الثانية: أكثر دقة وانضباطًا وتنظيمًا. حين تغزو الأجسام الغريبة جسم الإنسان تستقبلها خلايا جهاز المناعة وتعرف في علم المناعة باسم الخلايا التائية والخلايا البائية، تواجه الخلايا التائية الأجسام الغريبة التي يختبئ فيها الفيروس فتقوم باستدعاء خلايا «سي دي 4» وخلايا «سي دي 8» لسحق الفيروس الذي تعرفت إليه الخلايا البائية والتصقت به بواسطة الأجسام المضادة بعد غزوه جسم العائل؛ مما يسمح بتدميره بسهولة عن طريق الخلايا التائية المساعدة، وبهذا تموت الفيروسات أمام أجهزة الجهاز المناعي. وينتج من ذلك خلايا تائية تحتفظ بالمادة الوراثية للفيروس التي تلعب دورًا قويًّا في حالة غزو الفيروس مرة أخرى الجسم تقضي عليه مباشرة وتستدعي الخلايا الأخرى، هذه العملية تحديدًا هي التي صممت عليها اللقاحات عمومًا.

من خلال الهندسة الوراثية يمكن التحكم بالمادة الوراثية للكائنات الدقيقة داخل المختبرات. وبفضل تقدم علم البيولوجيا الجزيئية تمكن العلماء من معرفة تسلسل الجينات داخل الكائن الحي؛ مما سهل لهم التعرف إلى البروتينات الموجودة بأغشية الفيروسات؛ لذا عدلوا الرسالة الوراثية وغيروا التركيبات الكيميائية الخاصة ببروتينات الفيروسات ثم أدمجوها بأجسام مستضدة أو فيروسات خامدة أو مقتولة، بهدف إدخالها إلى الجسم البشري بغرض تحفيز جهاز المناعة، وجميع اللقاحات تعتمد على نسخ خامدة أو ميتة من الفيروسات باستثناء لقاحي: موديرنا وفايزر-بيونتيك اللذين يعتمدان على تقنية حديثة تعرف بـ«إم آر إن أي».

تقوم هذه التقنية على مبدأ تعديل المادة الوراثية لبروتينات الفيروس داخل المختبر. ثم نقلها إلى جسم الإنسان بهدف الترجمة وتحفيز جهاز المناعة على إنتاج هذه البروتينات بالجسم الذي يتعامل معها بصفتها أجسامًا غريبة، ويحتفظ بمادتها الوراثية داخل ذاكرة الخلايا التائية ليكتسب الجسم مناعة ضد الفيروس ويكون جهاز المناعة مستعدًا بعد ذلك في حالة غزو الفيروس الجسم مستقبلًا؛ يكون الجهاز المناعي مستعدًّا لمحاربة الفيروس والقضاء عليه مباشرة.

لا شك بأن هذه اللقاحات انخفضت مناعتها أمام النسخ المتحورة من كورونا نظرًا إلى تطوير الفيروس من مادته الوراثية لكي يتفوق على مناعة الجسم البشري ويكسب المعركة ويحقق النصر ويتخلص من الموت داخل الجسم المعيل، ويحافظ على بقاء نسله لكي يغزو جسم الإنسان مستقبلًا. لذا بدأت شركة فايزر-بيونتيك بطرح جرعة ثالثة من اللقاح للوصول إلى مناعة مرتفعة ضد السلالات المتحورة من فيروس كورونا المستجد، كما ينصح علماء بترك الجسم يتفاعل بطريقة طبيعية مع الفيروس ويحقق مناعة مكتسبة ضد هذه السلالات.

وبعد أن منحت إدارة الغذاء والدواء تصريحًا دائمًا للقاح فايزر-بيونتيك يتضح بأن هذا اللقاح قد أصبح هو اللقاح العالمي المعتمد رسميًّا من قبل المؤسسات الدولية. وهذا يعني دعاية براجماتية لهذا اللقاح الذي يحاولون إضفاء الجانب العالمي عليه من خلال هذه التصاريح والدعاية غير المباشرة من مسؤولين صحيين وعلماء وباحثين. وهي نغمة دعائية ليست جديدة، بل رأسمالية قديمة سمعناها فيما مضى. المفارقة أن العالم الأول كما يزعمون انتقل إلى جرعة ثالثة وبعض دول العالم الفقيرة لم يستطيعوا تأمين جرعة أولى من هذا اللقاح العالمي الغضّ!

نعم الحياة ليست عادلة أبدًا لقاح فايزر يحتكر الساحة على اللقاحات الأخرى الرخيصة ويحقق اعترافًا عالميًّا؛ وتهيمن الدول الغنية على جرعات كثيرة وتحتكر دول أوروبا نصيبًا كبيرًا، بينما الدول الفقيرة تنتظر مبادرة كوفاكس الشبيهة بالخيال العلمي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد