لا أتذكر آخر مرةٍ أزعجتني سخرية أحدهم، أو احتقاره لأي كيان أنثوي، وإن احتَدّ أسلوبه، أو تخطَّت كلماته حدود الأدب، على العكس، فكلما زادت نبرته الهجومية، ازداد شعوري باللاشعور تجاه ما أسمع أو أقرأ، وربما شعرت بالشفقة تجاه كاتبه؛ فمواقع التواصل تعج بكل أصناف البشر، وتكشف عما يختبئ وراء كل تلك الأقنعة من تعفُّن وسوَاد. فلتكتب ما تشاء ولتسخر كما يحلو لك، فسرعان ما ستعود لبيتك الذي ما كنت لتطيق وُلُوجِهِ، لولا أن تجددت فيه الحياة عبر أنفاس أمِّك، أو مع طيفِ زوجك المسافر في أرجائه ذهابًا و إيابًا، ليحافظ علي كل تفصيلةٍ أبقت علي جمال هذا العُشّ، الذي ربما غبت عنه طويلًا، وعُدتّ إليه متأففًا، وغادرته على عَجَل.

في مجتمع عربي مقهور، بألسن مُقطَّعَة، وشباب عاجز، وشعوب مضروب بمصيرها عرض الحائط، لا أتعجب أبدًا أن تعاني فيها المرأة شتي أنواع العنف النفسي والبدني، فنعوذ بالله من قهر الرجال كما استعاذ منه رسولنا الكريم، ذلك الذي كان خيركم لأهله.

ولكن ما أتعجبه حقًا هو كل تلك الجاهلية المخبوءة تحت تحضركم المزعوم، ومحاولاتكم المثيرة للشفقة في ادعاء الانفتاح والعصرية! حتي عصور الجاهلية براء منكم، تلك التي كان يُعَيّرُ فيها الرجل بإيذائه لامرأة، وتظل وصمة عار يوصم بها وسط أبناء قبيلته.

لست في حاجة أن أدافع عن نفسي، أن أتبرأ من أنوثتي وأنكرها، أن أثبت لك أي شيء أو أنفي أي شيء، لست مضطرة ليجف لساني، وأنا أحاول إقناعك بفعالية دوري في هذا المجتمع، وفي حياتك أنت، بأهمية حيازة الجانب العاطفي على النصيب الأكبر من تكويني، لست مضطرة أن أقرأ لك دراسات عن سر حبي للورود أكثر من الكباب! ولا أن أكرر على مسامعك أنه وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة؛ لأن رجلً عظيمًا لن يضطر امرأته أن تذكره بوجودها، ولأن امرأة عظيمة دائمًا ما تسقي بذور إحسانها وتغادرها ليبقي عبير أثرها فارضًا وجودها، وإن أنكرها الجميع.

أنت الابنة التي فُتِحَت بولادتها أبواب الجنة لأبيها، الزوجة التي أكملت لزوجها النصف الآخر من دينه، ومهدت له سبيلًا للجنة إن هو أحسن إليها، والأم التي قبعت الجنة تحت أقدامها.

لا تردي إساءاتهم ولا تعيريها اهتمامك، فجمالك ينبع من هنا، من تجاهلك لكل قبيح، جميلة أنت فلا تدعيهم يلوثونك. ولكن لا تقبلي أيضًا بأقل مما تستحقين؛ فأنت تستحقين الاحترام، تستحقين الحب، تستحقين التقدير والعرفان، لا تقبلي بالبقاء في مكان لا يعترف بقيمتك، ولا بالعطاء في غير محله، أعلم أن عطاءك يكون مصحوبًا بنفحات من روحك فلا تهدريها على من لا يستحقون.

فقط انضجي واهدئي، تعاملي مع ضجيجهم بسكينة أكبر، دعيهم يجوبون ويخوضون هنا وهناك، صدقيني سيعودون عندما ينضجون، ويهدأون لاحقًا.

انتشلي نفسك من وحل الأحاديث المعبئة بالطاقة السلبية، من فيروس الأصدقاء المحبطين القاتل، لا تدعي شيطان التسويف ينسلّ إلى عالمك الخاص فتكون خساراتك فادحة. ابدئي الآن أول خطوة من مشوار الألف ميل خاصتك، وتذكري أن ألف ميلٍ قد تستغرق امرأة عربية ما قد يستغرقه رجل عربي ليبلغ المجرة المجاورة.

كوني لنفسك كل شئ تستطيعين كونه، انشغلي بتطوير ذاتك عن زعزعتها، بتسليم نفسك لإعلام يحط من قدرك بحصرك في جسد و قطع ملابس، كوني عظيمة، لتحترمي ذاتك و تترفعين بها عن كل إهانة وجرح، كوني عظيمة ليكون طموحك في رجل عظيم طموح مشروع، واثق. لا تنتظريه وأنت جالسة في بيتك تعدين الأيام عدا على وصوله. لا تجعليه غايتك الكبرى، اجعلي هدفك نصب عينيك، اسألي الله أن يهديك الصراط المستقيم، انشغلي عن منغصات الحياة بالعمل على إصلاح دنياكِ التي فيها معاشك، وبالعمل لآخرتكِ التي إليها معادك، وفي يوم قدره الله وكتبه لكما في صحف القدر، ستقابلين ذلك الوحيد الذي سيملك القدرة على اختراق شرنقتك، فيعيد ترتيب أولوياتك، ويقلب حياتك رأسا على عقب، فتكتشفين أن لحياتك بقية أجمل، تتشاركينها مع رفيق الدرب وحبيب العمر، والصديق الذي سيساندك إلى نهاية الطريق، سيزيدك من كل جميل، ستتألقين معه كما لم تتألقى من قبل.

وأخيرًا شكرًا للرجال الذين أثقلتهم عقولهم الرزينة، وكفتهم رجولتهم شر تفاهات الذكور عليي الصوت، نعلم أنكم كُثُر. موجودون، ولكن لا حاجة لكم في إثارة كل هذه الجلبة، تزدرون مثلنا ما آل إليهِ مجتمعنا، وتحملون همه، تحلمون بأسرة سوية تكونونها مع رفيقات درب الحياة والخلود من بعدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد